ثقافة الإنفاق وثقافة الديون

تم نشره في الأربعاء 26 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

    أهلاً بالبطاقات البلاستيكية! يبدو أن هذا هو الشعار الجديد في عالم المشتريات في الوقت الحاضر. ويجادل البعض قائلين إن الأردنيين أصبحوا يقبلون على دفع قيمة مشترياتهم بواسطة بطاقات الاعتماد بطريقة لم يسبق لها مثيل.

    وقد أثبتت الدراسات الإحصائية مرة بعد مرة أن مزيدا من الأردنيين يفضلون استخدام بطاقات الاعتماد في شراء ما يحتاجونه وما لا يحتاجونه, وربما نكون على أبواب مرحلة جديدة, مرحلة لا يرغب الناس فيها بالتجول بجيوب مليئة بالنقد.
     وقد يتساءل القراء كيف يستطيع الفرد التوصل لمثل هذه النتيجة؟ نجيب عن هذه التساؤلات بعرض الأرقام التي نشرتها الصحف والدوريات, حيث نجد أن عدد مستخدمي بطاقة الفيزا ارتفع بنسبة 42% خلال الاثني عشر شهرا السابقة والتي انتهت في 30 أيلول الماضي. 

    وهذه زيادة كبيرة جدا على نفس الفترة من عام 2003. كما تعني هذه الأرقام أن الأردنيين أنفقوا ما يقارب 250 مليون دولار عن طريق استخدام بطاقة الفيزا في الفترة المدروسة, وهذا مبلغ ضخم إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم الاقتصاد الأردني.

      وهذا التطور بحد ذاته يوضح لنا أن الأردنيين أصبحوا مدمنين على استخدام بطاقات الاعتماد. فهذه البطاقات يعتمد عليها, آمنة وسهلة الحمل. كما أنها مريحة, حيث يستطيع المرء أن يتجول أينما شاء بدون القلق على النقود, وإذا ما كانت كافية لتغطية نفقاته القريبة أم لا. فما عليه سوى العثور على أقرب صراف آلي الذي يجعل الحياة أسهل وأبسط من ذي قبل.

      ولكن, وكأي أمر آخر فبطاقات الاعتماد لها جانبها السيئ. فهي تشجع ثقافة الاستهلاك, وتحث الناس على الشراء حتى وإن كان ثمن السلع مرتفعا جدا وبعيدا عن سقف إنفاقهم, فالبطاقة البلاستيكية تحل جميع المشاكل الناتجة عن عدم القدرة على الدفع نقدا, ولو لفترة وجيزة.

     وقد يجادل الاقتصاديون أن هذا ليس بالأمر السيئ, لأن تشجيع الإنفاق والشراء يعني المزيد من البيع مما يعني نمو الاقتصاد وتطوره واتساعه. وهكذا فإن البطاقات البلاستيكية تلعب دور المسهل للمستهلكين, والمنشط للقطاع الاقتصادي فهي تمثل طريقة ديناميكية لإبقاء الصناعات في حالة حركة مستمرة حتى عند وجود إشارات للركود أو الكساد الاقتصادي.

      يتمثل الجانب السلبي لهذه الظاهرة في إيقاع المستهلكين في فخ الديون. وذلك بسبب وجود عنصر السوق في المجتمع, وبسبب زيادة وتنوع السلع الاستهلاكية في الأسواق والمحلات التجارية وحتى في محلات البقالة. وقد تشجع بطاقات الاعتماد ما يعرف بالاقتراض الزاحف, وهذا يعني أن حجم اقتراض المستهلك يستمر في الزيادة والارتفاع لأن المستهلكين وببساطة لا يستطيعون مقاومة الإنفاق أو استخدام بطاقة الاعتماد.

      ومع أن الأردن قد تكون بعيدة عن هذه المرحلة, لأنها ما زالت تمر في مرحلة الاقتراض المبدئية وإذا صح التعبير فهي ما زالت "تستمتع بشهر عسل مع البطاقات البلاستيكية", ومما يؤكد لنا هذا أن ثقافة الاقتراض تحتاج لمزيد من البناء والتوطيد والتمكن في المجتمع الأردني. بينما يغرق المستهلكون في المجتمعات الأخرى, وخصوصا في الدول الغربية, في ديون الاستهلاك, حيث بات استخدام بطاقة الاعتماد, أو العديد من بطاقات الاعتماد, جزءا لا يتجزأ من ثقافة الاستهلاك في تلك الدول.

     اليوم يوجد العديد من بطاقات الاعتماد والتي تم تطويرها وتعديلها خصيصا لتلبي احتياجات وطلبات المستهلكين. كما أن هذه البطاقات يتم اعتمادها في العديد من المحال التجارية أو المؤسسات السلسلية. وفي النهاية ينتج عن هذا الاستخدام العشوائي تراكم الديون في منطقة واسعة من الإنفاق الاستهلاكي, وتم استحداث العديد من العبارات الجديدة والتي لم يعرفها السوق من قبل مثل: "ثقافة الديون" حيث لم يعد المجتمع ينظر للدين على أنه شيء سلبي ولكنه جزء طبيعي من نمط الحياة العصرية.

   وهكذا فليس من الضروري الجدل حول ما إذا كان الاقتراض سلبيا أم إيجابيا فقد أصبح جزءا من منطق الإنفاق في الدول الغربية. ولكن المزعج أن نفكر في ثقافة الديون على أنها جزء طبيعي من منطق الإنفاق في الدول العربية. وفي حال حصول المحظور سوف نجد أنفسنا في مواجهة طرق جديدة لم نعتد عليها, وسوف تحضر معها أنماط تصرفات وقيم جديدة نحن في غنى عنها, ولكني أكرر مرة أخرى أن هذا رأيي الشخصي في الموضوع وقد لا يوافقني فيه العديد من الناس.

التعليق