العراق بين واشنطن وطهران

تم نشره في الجمعة 21 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

 

ثارت عاصفة من الجدل الإعلامي والسياسي على إثر تصريحات الملك عبد الله الثاني عن خطر "الهلال الشيعي" في حال وصول حكومة عراقية شيعية موالية لإيران تشكل تحالفا مع كل من سوريا وإيران ولبنان وتمثل تهديدا لدول المنطقة.


التخوف من هذا الخطر لم يقف عند حدود هذه الدول، فالهاجس يمتد إلى دول الخليج المحيطة من إثارة الأقليات الشيعية الموجودة، الأمر الذي يهدد بإعادة المنطقة إلى مربع صراعات طائفية تمزق الدول والمجتمعات المحيطة.


والمدهش في ذروة هذا الجدل ذلك البيان الذي أصدرته السفارة الإيرانية في الأردن، فالبيان المذكور أكد أنه يريد طمأنة الشعب الأردني أن "شيعة العراق يختلفون عن شيعة إيران من النواحي الثقافية والنفسية والمعيشية والتاريخية"، ويمضي البيان إلى القول "أن شيعة العراق لا يؤمنون أساسا بحكومة إسلامية شبيهة بحكومة طهران"، ويوضح البيان أن ميراث حقبة صدام قد أثر كثيرا على توجهات الشيعة العراقيين؛ الأمر الذي وصل بهم الآن إلى "أنهم مستعدون للتعامل حتى مع الشيطان لمصلحة بلدهم".


في الحقيقة فإن البيان المذكور مثير للاهتمام، والمغزى والدلالة الرئيسة التي يمكن أن نصل إليها منه هي: أنّ العراق يشكل موضع اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، ويبدو هذا الاتفاق في مجالات رئيسة وهي المضي قدما في الانتخابات القادمة لاختيار جمعية وطنية تضع الدستور العراقي، عدم مواجهة الشيعة للاحتلال الأميركي عسكريا، وأخيرا وهو الأهم أنه في حالة قيام حكومة ذات صبغة شيعية،وهو المرجح إذا أجريت الانتخابات، ألا تكون هذه الحكومة "دينية"، ولعل نموذج السيستاني يمثل موضع الاتفاق، إذ يؤكد رجل الدين العراقيالمدعوم من طهران بأنه يرفض مبدأ الحكومة الدينية وتدخل رجال الدين في الحكم، ولا يتفق مع الخميني على مبدأ ولاية الفقيه.


من هنا فإن مصلحة أميركا تبدو من هذه الصفقة متمثلة بأمرين رئيسين: الأول ضمان عدم مشاركة الشيعة في المقاومة المسلحة، وإبقاء حالة الصراع الطائفي بينهم وبين السنة، وهو الأمر الذي يعني عمليا أن المشروع الأميركي تحول في العراق من الطموح المزعوم ببناء "الديمقراطية" إلى إدارة الصراع الداخلي العراقي، لضمان المصالح الأميركية. الأمر الثاني أن الولايات المتحدة تضمن بذلك عدم قيام حكومة دينية على غرار النموذج الإيراني تشكل تهديدا لدول المنطقة، على الأقل في المرحلة القادمة.


أما إيران فترى من مصلحتها المضي قدما مع المشروع السياسي الأميركي في العراق طالما أنه سيؤدي إلى حكومة موالية لطهران، إذا خلت الانتخابات من أية تدخلات بقصد ترجيح كفة كتلة علاوي على الكتلة المدعومة من السيستاني.

 وعلى أي حال فإن طهران المعروفة بالسياسة الخارجية" البراغماتية" ما عادت تهتم بمشروع تصدير الثورة بقدر ما تشكل مصالحها القومية الموجه الرئيس لسياستها الخارجية، فهي تتعامل مع شيعة العراق كأداة في خدمة السياسة الإيرانية وكورقة ضغط إيرانية في مواجهة المحافظين الجدد، في هذا السياق يقول كريستوفر ديكي (رئيس تحرير مجلة النيوزويك، الطبعة الإنجليزية) أنه بحدود المائة وأربعين ألف جندي أميركي الموجودين في العراق هم بمثابة الأسرى لحكومة طهران، والتي إن حركت أدواتها في العراق فإن هذا سيكون بمثابة الكارثة للمحافظين الجدد. من هنا فإنّ العراق يشكل موضع اتفاق كبير بين كل من واشنطن وطهران.


لكن كيف يمكن تفسير التناقض بين هذا التوافق حول العراق، والعقد الذي وقعته شركة هالبيرتون مع طهران وبين الحملة السياسية والإعلامية الكبيرة التي يشنها المحافظون الجدد ضد المشروع النووي الإيراني والمعلومات الخطيرة التي كشف عنها مؤخرا الصحفي الأميركي المعروف سيمور هيرش في مقالته في "النيويوركر"؛ والتي أكد فيها عن وجود قوات كوماندوز أميركية في إيران لمتابعة موضوع السلاح النووي هناك؟


يبدو الجواب واضحا من خلال إدراك طبيعة السياسة الأميركية تجاه إيران والتي تقوم كما يعرفها عدد من الخبراء الأميركيين على إستراتيجية "الطريق المزدوج"، بمعنى؛ ممارسة الضغوط على طهران وزيادة العقوبات ولغة التهديدات من جهة، وإظهار الدعم والمؤازرة للإصلاحيين من جهة أخرى، وذلك بالمراهنة على أن نظام الملالي في إيران لن يصمد داخليا على المدى الطويل، فهو يعاني من مشاكل بنيوية على المستوى الفكري والسياسي والاقتصادي وكل المؤشرات اليوم تدل على أن الضغوط الداخلية والخارجية تتسارع على النظام لتعجل بتغييره، ولعل هذه النتيجة قد سجلتها كذلك عدة تقارير صادرة عن مراكز الدراسات التابعة للمخابرات الأميركية، في استشراف مستقبل الشرق الأوسط.


في المحصلة؛ فإنّ السياسة الأمريكية تجاه طهران متعددة الأبعاد، وتفرق بين العراق (حالة التوافق والتنسيق) والبرنامج النووي (حالة الضغط والتهديد وربما توجيه الضربات) والاختيارات السياسية (دعم الإصلاحيين ضد المحافظين).

التعليق