إلى روح هشام شرابي: الذي لا يصنع حريته لا يستحقها

تم نشره في الخميس 20 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

حتى وإن كان الحديث في الذكريات الشخصية غير مستساغ، إلا أن كاتب هذه السطور يود القول أنه تعرّف على هشام شرابي أول مرة حين كان في سنوات دراسته الجامعية الأولى، التي جاء إليها من بلدة قصيّة بعيدة عن العاصمة ولا تعنى بالثقافة أبداً. يومها وقع في يده الكتاب الأكثر ألفة وقرباً إلى قلبه (النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي)، فأخذ يلتهمه التهاماً ولم ينم ليلتها. لقد كان ما في الكتاب يعبّر عما يود قوله ولا يستطيع لقلة اطلاعه يومها ومحدودية ثقافته.

 لكن هشام شرابي بات عنده منذ ذلك اليوم واحداً من معلميه الكبار الذين لم يلتق بهم يوماً أو يستمع إليهم وجهاً لوجه، والذين يمثلون كوكبة المفكرين العرب المشتغلين–بإبداع- بمسألة النقد الحضاري، ومنهم أيضاً برهان غليون ومحمد جابر الأنصاري ومحمد عابد الجابري وجورج طرابيشي وغيرهم من الكبار، وهؤلاء كلهم هم بمثابة الأساتذة لكثير من المثقفين العرب الشباب، دون أن يعني ذلك بالضرورة قبول كل ما يقولونه والتسليم به (فهؤلاء الكبار يختلفون فيما بينهم أيضاً).

المبدأ الأخير هذا، ومفاده اعتبار هؤلاء المفكرين أساتذة كبارا دون ضرورة التسليم بكل ما يصدر عنهم، ينطبق عند كاتب هذه السطور على هشام شرابي بكل تأكيد، فهو واحد من الأعلام، وبوفاته تيتّم "النقد الحضاري"، لكن أطروحته القائلة أن هدم النظام الأبوي إنما يبدأ بتحرير المرأة، يجب أن تكون محط تمحيص ونقد، وقد كان كاتب السطور هذه كتب قبل شهور تحت عنوان "لا تفتش عن المرأة" ما يتضمن مراجعة لهذه الفكرة، قد يكون مناسباً التذكير ببعض ما جاء فيها:(كثيرون في العالم العربي يذهبون في رؤيتهم للكيفية التي يمكن من خلالها كسر حالة التخلف المتأصلة في المجتمع الأبوي العربي مذهب المفكر العربي الكبير هشام شرابي الذي يرى أن التغيير في العالم العربي مشروط بـ "تحرير المرأة قولاً وفعلاً"، بمعنى أن هدم النظام الأبوي والانتقال إلى المدنية ودولة المواطنين الناهضة لا يمكن أن يتحقق إلا ابتداءً من تصحيح مكانة المرأة وإقامة المساواة بينها وبين الرجل، باعتبار ذلك يفتح باب المساواة بين الجميع ويقود إلى تقويض الدكتاتورية الأبوية في السلطة كما في المجتمع. هشام شرابي يؤكد ذلك، ويردد ومعه هؤلاء الكثيرين من العرب المخلصين لفكرة تجاوز التخلف والتحول إلى النهضة "إن الحركة النسائية هي الأكثر أهمية لأنها الأكثر ثورية من حيث طاقتها الكامنة فيها"... يجب إعادة النظر في اعتبار قضية تحرير المرأة العربية حجر الزاوية في نقد النظام الأبوي العربي المقيت والمفضي إلى كل هذا التخلف الذي نعيشه ونعاني بسببه، وذلك بغرض إعادة تحليل الواقع بشكل أكثر موضوعية وبعداً عن الأهواء، وتقديم نقد أكثر علمية لهذا النظام الأبوي والتخلف المستند إليه، والتفتيش عن المعضلة الحقيقية التي يجب البدء بحلها في الطريق إلى المدنية والتحضر، ذلك أن التفتيش المستمر عن المرأة في هذه المسألة يبدو انفعالياً وغير نافع). انتهى الاقتباس من المادة السابقة.


ما نود إضافته اليوم أن مبدأ "التحرير" يجب إعادة النظر فيه، لأنه يستلزم وجود "محرّر" (بكسر الراء) فينزع المسؤولية عن طالب التحرير ويلقيها على من سواه. هكذا هي فكرة تحرير المرأة، فهي تعني أن يتكرم المجتمع (والمقصود الرجال الذين في المجتمع) على المرأة وينزع عنها قيودها التي تحول دون فاعليتها ومشاركتها، أما المرأة بذاتها فليس عليها المسؤولية الأولى. ويبدو أن هدم النظام الأبوي هو مصلحة للمجتمع كله كما يراها النهضويون والتقدميون، وأن المسؤولية لذلك يجب أن تكون ملقاة على كاهل تلك "الطليعة" بشكل رئيسي لا على كاهل المرأة العربية (أي كل النساء العربيات)، وهذا ليس صحيحاً، فالذي لا يصنع حريته لا يستحقها، لأنه ببساطة لن يقدر على استثمارها على الوجه السليم الذي يخدم تقدم المجتمعات العربية. إن تحرير المرأة العربية التي لا تقدر على خلق حريتها بنفسها يعني هدم النظام الأبوي دون خلق النظام الاجتماعي السياسي البديل، إن إيجاد المرأة العربية الحرة، بوضعها المتخلف الحالي، لا يعني سوى الفوضى.


والحال نفسه ينطبق على المجتمع كله، فالمجتمعات العربية الراهنة وبسبب من تخلفها المطبق لا تستحق "التحرير" أبداً، لأنه لن يعني إلا الفوضى. إن عدو المتطلعين إلى النهضة العربية لا يجب أن يكون الاستبداد السياسي (الذي أساسه النظام الأبوي) في المقام الأول، وإنما التخلف، فهذا التخلف السائد في المجتمع وعند الأفراد هو أساس البلاء، فلو أن المجتمعات العربية كانت غير متخلفة لاستطاعت أن تتخلص من الاستبداد وأن تكون حرة، لكنها لا تستطيع بسبب التخلف، فهي إذن لا تستحق الحرية.


هذا ما يجب أن يقال لكل من ينادي بالديمقراطية، فهي معناها أن تمنح الشعوب العربية تلك الديمقراطية على طبق من ذهب دون أن تبذل شيئاً في سبيلها، ومعناها أن يسمح للتخلف الأبوي أن يأخذ مجالاً جديداً للتطبيق عبر ما يسمى "ديمقراطية".

إن أكبر مثال على هذا ما حدث في العراق عقب سقوط الاستبداد السياسي، فها هو التخلف الأبوي يأخذ مكان الاستبداد في تمثيل الناس: طائفياً وعشائرياً، تحت اسم الديمقراطية والحرية. لقد فشل الشعب العراقي في إسقاط الاستبداد، فهو إذن لا يستحق الانعتاق منه، وهاهو الدليل ماثل أمام أعيننا: لقد رجع العراقيون خطوة إلى الوراء، فالمجتمعات العربية غير مؤهلة أبداً للتقدم إلى الأمام في هذه الظروف.
ولا يعني ذلك بالطبع الرضى بالاستبداد، لكن من الواجب إدراك النهج السليم للتغيير، فالاستبداد نتيجة للتخلف لا سبب، وهكذا فإن نقطة البداية التي يجب أن توجه لها كل الجهود هي القضاء على التخلف.


إن الذي لا ينتزع الديمقراطية لن يكون قادراً على استثمارها، فلا تطلبوا من أحد أن يمنحكم الديمقراطية قبل التخلص من التخلف، وإلا فالتخلف هو بديل الاستبداد!
www.jowriters.org/writers/samer

التعليق