بين " الهدنة " وإسقاط “ خيار المقاومة المسلحة "

تم نشره في الأربعاء 19 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً


من السذاجة الاعتقاد بأن رئيس السلطة الفلسطينية " أبو مازن " يستطيع بأمر رئاسي إيقاف العمليات العسكرية ضد إسرائيل، فذلك يتطلب موافقة جميع الفصائل على " هدنة “، عدا عن وقف إسرائيل اعتداءاتها اليومية بكل أشكالها.


  إن أقصى ما يستطيعه " أبو مازن " هو التوصل مع الفصائل إلى " هدنة مشروطة " ومحددة زمنياً، اذا كان المطلوب اخذ تعهد من التنظيمات، بما في ذلك جزء هام من كتائب الأقصى، بإسقاط الكفاح المسلحة كأحد أشكال المقاومة، فسيحتاج إما الى قمع أمني فلسطيني لم تشهده الضفة والقطاع في أي من مراحل اوسلو، ويخاطر بذلك باندلاع حرب أهلية، وأما بتغير جذري في الموقف الإسرائيلي.


" أبو مازن" لجأ دائماً إلى الحوار مع التنظيمات  لمناشدتها " الموافقة على هدنة " لتجريد إسرائيل وأمريكا من الذرائع بعدم استئناف المفاوضات من جهة وأملاً بوقف العمليات الإسرائيلية ضد المدن والقرى الفلسطينية من جهة اخرى، لكن " الهدنة " لا تحمل نفس معنى فرض " أبو مازن " على التنظيمات بما في ذلك حركة "فتح" إسقاط خيار الكفاح المسلح ".


تصريحات " أبو مازن " أوحت بالمعنى الثاني إذ إنه أمر بوقف جميع العمليات ضد أهداف إسرائيلية مهما كانت بعد هجوم معبر كارني ضد الجيش الاسرئيلي، أي انه لا يترك مجالاً للحوار حول أشكال المقاومة المسلحة وأهدافها؛ على الرئيس الفلسطيني واجب  للشعب الفلسطيني بتوضيح موقفه، فانه يساهم في إسقاط حق شرعي معترف به في ميثاق الأمم المتحدة الذي أقر بحقوق الشعوب الخاضعة لاحتلال أجنبي باستعمال كافة أشكال المقاومة في سبيل التحرير, إن تقويض مثل هذا الحق من قبل الفلسطينيين سيكون سابقة خطيرة، لم تشهدها حركات التحرر الأخرى.


 نعم إن هناك جدلاً فلسطينياً داخلياً وعاماً حول جدوى الكفاح المسلح في هذه المرحلة، وطبيعة العمليات، خاصة تلك التي تستهدف المدنيين، عدا عن توقيت العمليات وإيلاء أولوية، إن لم يكن حصر المقاومة بالوسائل السلمية، كل هذه النقاط يجب أن تطرح وبالتفصيل، لكنْ هذا شيئ وإسقاط شرعية المقاومة المسلحة فلسطينياً شيء آخر. لكن اختلال توازن القوى نفسه يفرض إبقاء جميع الخيارات مفتوحة، والاهم من ذلك عدم التخلي عن مبدأ شرعية المقاومة، لاستغلال جميع وسائل الضغط المتاحة فلسطينياً.


فالانتفاضة الأولى فرضت على إسرائيل التعامل مع الفلسطينيين، وكانت لم تشمل الكفاح المسلح في الداخل، فإن إسرائيل اعتبرت " رمي الحجارة " و " المظاهرات" والانتفاضة " عملاً إرهابيا ".


اختلف الوضع في انتفاضة الأقصى لعدة عوامل؛ أهمها انتشار السلاح وجزء من تجار الأسلحة من الإسرائيليين وردة فعل إسرائيل على المظاهرات عقب دخول ارييل شارون إلى الأقصى يرافقه حوالي ألف من الشرطة الإسرائيلية المدججة السلاح.


إسرائيل لم تستطع تحمل أنها فشلت في خلق " سلطة فلسطينية " بشروط خاضعة للقرار الإسرائيلي ترفض قمع الانتفاضة بمشاركة جزء من الأمن الفلسطيني الذي كان مطلوبا منه الإنابة عن الجيش الإسرائيلي في قمع الفلسطينيين ولكنّ جزءاً لا بأس به شارك في الانتفاضة.


الحوار حول سلبيات " عسكرة الانتفاضة " خاصة توقيت وجدوى بعض العمليات لم يتوقف ويجب وضعه في إطاره الصحيح؛  فالمقاومة بأي شكل من أشكالها هي وسيلة وليست هدفا بحد ذاته، هنا لا بد من الإقرار بأنّ ما يفتقد إليه الفلسطينيون هو استراتيجية سياسية واضحة توظف أشكال المقاومة للاقتراب من الهدف الفلسطيني.


إسرائيل اعترفت بالأرقام بتأثير الانتفاضة على اقتصادها كما تمتلئ الصحف العبرية بالتحليلات الاستراتيجية والعسكرية بأهمية أي خرق فلسطيني للأهداف الإسرائيلية خاصة العسكرية. ذلك لا يعوّض عن أهمية وجود برنامج وطني ووضع استراتيجية؛ فذلك ضرورة سياسية احتراماً لإنسانية الشعب الفلسطيني وتضحياته.

التعليق