كذبة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس

تم نشره في الأربعاء 19 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

من الحداثة إلى العولمة


     يحاول مجموعة من الباحثين الإجابة عن جملة من أسئلة الحداثة والتنمية في رحلة الانتقال إلى عصر العولمة ومن هذه الأسئلة؟ لماذا تكون الدول فقيرة ؟

وماذا عليها أن تفعل حتى تقلب وضعها؟ ماذا يحدث للدول والأفراد عندما ينتقلون من التخلف إلى الحداثة؟؟ وماذا يعني بكل الأحوال أن تتطور وأن تصير حداثيا؟

ما هي التأثيرات الاجتماعية لعملية التكامل الاقتصادي والثقافي والسياسي الشاملة المسماة بالعولمة؟


     يشارك في هذا الكتاب والذي صدر عن سلسلة عالم المعرفة في الكويت وهو الجزء الثاني في موضوعه نخبة من دارسي ظاهرة العولمة والحداثة في أكثر من مجتمع، وقد شمل الجزء الأول الفصول من الأول إلى الفصل الحادي عشر، إذ تقدم دراسة "ألان جانفري وكارلوس جارامون"  في الفصل الثاني عشر مجموعة من الحقائق حول ديناميات الفقر الريفي في أمريكا اللاتينية .


      وفي الدارسة معالجة لمسألة التراكم على النطاق الدولي والتراكم البدائي، وفيها يرى الكاتب أن التراكم الحاصل في المحيط يقتضي ظهور أربعة تناقضات مهيمنة وهي: أن تحول جزءا من القيمة الفائضة لإيجاد القدرة على الاستهلاك لدى القطاع الحديث يقتضي معدلا منخفضا مما يقلص بصرامة معدل الاستثمار في الدخل الوطني ونموا محدودة الحجم، وثاني هذه التناقضات أن التصنيع البديل للاستيراد يقتضي ازدياد الحاجة إلى استيراد البضائع الرأسمالية والمعرفة التكنولوجية موجدا بذلك عجزا هيكليا في ميزان المدفوعات يكبح التوسع الصناعي، أما التناقض الثالث فيكمن فيما تخلقه المصالحة بين الرأسماليين ورأس المال في  نضالهم من أجل يد عاملة رخيصة من منطق المنتوجات الغذائية الرخيصة وهذا يجعل تحديث الزراعة غير مجزٍ مما يؤدي إلى ركود إنتاج المواد الغذائية، ويظهر التناقض الرابع في أن التصنيع البديل للاستيراد يقتضي ازدياد الحاجة إلى استيراد البضائع الرأسمالية والتكنولوجية.


     وتخلص الدراسة إلى أن المتناقضات التي تتصف بها الزراعة الكفافية هي التجسيد النهائي لهذه المتناقضات الناتجة عن عملية التراكم في ثنائية المركز المحيط. في الفصل الثالث عشر من الكتاب يعنون إيمانويل والرشتين، دراسته بعنوان:البزوغ والزوال المستقبلي للنظام الرأسمالي، وذلك باعتماد مفاهيم التحليل المقارن.

 وقد كان قرر في كتابه النظام العالمي الجديد : أن المرء لم يعد بإمكانه النظر إلى تاريخية الأمم منفردة، بل أن نظاما عالميا ككل أخذ يتطور معا. وفق تراتبية من دول المركز الغنية والدول المحيطة الفقيرة والدول نصف المحيطة التي لها نفس الخصائص من كلا الطرفين والتي ساهمت في السيطرة على الدول الواقعة خارج المركز وتفتيتها.


 ويرى والرشتين في دراسته هذه أن لا شيء يفسر تشوهات النماذج اللاتاريخية للتغيرات الاجتماعية أفضل من الأزمات التي يظهرها مفهوم المراحل(ص/25).

ويعتقد أن القضية المهمة عند مقارنة المراحل هي تحديد الوحدات التي تعم المراحل لوحات متزامنة منها، بيد أن الخطأ الذي وقع به علم الاجتماع التاريخي هو أن جسد بشكل ملموس أجزاء الكل في مثل هذه الوحدات، وهنا فإن الاقتصاديات العالمية كانت كلها في بنيات غير مستقرة تاريخيا تؤدي إما إلى التجزئة, وإما إلى الإخضاع من قبل مجموعة واحدة ومن ثم التحويل إلى داخل إمبراطورية عالمية.


      ومن جهة أخرى فإن ما يسمى إمبراطريات القرن التاسع عشر مثل بريطانيا وفرنسا لم تكن إمبراطورية عالمية بالمعنى العام لكلمة إمبراطورية على الإطلاق بل أنها دول ذات ملاح استعمارية تظهر ضمن إطار الاقتصاد العالمي.(ص/27) ويرى والرشتين أن هناك ثلاث آليات رئيسة مكنت الأنظمة العالمية من الاحتفاظ باستقرار سياسي نسبي وهي : تمركز القوة العسكرية بين القوى المسيطرة وثانيها الالتزام الأيديولوجي بالنظام ككل، وثالثها ليس في القوة ولا الأيدولوجيا بل في التقسيم العادل بين الطبقات من دنيا إلى أكبر فوسطى،(ص42).

ويمضي الكاتب في تحليل بنية النظام الأوروبي والأزمات التي مر بها في عصر الأزمة الإقطاعية ثم مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى..


     أما تأثيرات التبعية الاقتصادية العالمية على التنمية وعدم المساواة في بعدها الأممي، فهي عنوان دراسة "كريستوفر تشايس دن" في الفصل الرابع عشر، وكاتب الدراسة هو رائد الدارسات الكمية للتبعية وتحليلات النظام العالمي، وتبرز أهمية هذا البحث في كونه ساعد في فتح اتجاه جديد في مجال التنمية وساعد على بقاء هؤلاء الباحثين كعلماء سياسة واجتماع في جامعات الولايات المتحدة، ويناقش الكاتب ادعاء بعض علماء نظرية التبعية في أن التبعية الاقتصادية العالمية تنتج تنمية تخلف(ص،52).

ولذلك يلجأ إلى دراسة مسألة التبعية الاقتصادية العالمية ثم مقاربات في نظرية التبعية والتنمية, وعند قراءة خلاصة الجداول والدراسات التي قام بها كريستوفر نجده يوجز نتائجه بالقول:إن تبعية الدين لا تعني حتما التنمية الاقتصادية وهناك دليل ضعيف على أنه يقوم بإعاقتها ويرى أن تأثيرات التبعية غير متساوية.(ص/73)، وهنا يرى الباحث أن اتباع استراتجيات التجمعات الإقليمية والمنظمات الدولية يمكن لها أن تحد من ذلك الخلل الناتج عن انعدام ضبط التأثيرات بين المحيط والمركز ويستشهد بمثال منظمة الأوبك؟(ص76).


      ومن اجل تحقيق فائدة أكبر لتوضيح البعد التنموي وأثره في عملية التحول والتغيير يأتي الفصل الخامس عشر من الكتاب بدراسة لجاري جيفري بعنوان: إعادة النظر في نظرية التنمية، من خلال دراسة رؤى من شرق آسيا وأمريكا اللاتينية.


      ويمضي فولكر فروبل وجوكن هينريكز وأوتوكراي في دراسة التقسيم العالمي الجديد للعمل في النظام الاقتصادي العالمي من خلال البحث عن كيفية انتقال الشركات في مصانعها إلى مناطق الأجور المنخفضة مدمرة اقتصاديات في مناطق كثيرة كانت تسود فيها النقابات العمالية وسبل الحماية الوطنية،(ص،115)

 ويناقش الباحثون في هذا الفصل مسألة إفقار العمال ومخاوفهم المستقبلية من جراء التغير العالمي في بنية السوق. ويستعرض الباحثون مجموعة من الأمثلة على ذلك التخوف المصاعب لتغول الشركات العابرة للقارات .  

   ويستعرض البحث في هذا الفصل المراحل الهامة في تحول بنية الاقتصاد المعاصر، ويخلص البحث إلى أن بنية الاستخدام في مناطق الإنتاج الحرة ومصانع السوق العالمية غير متوازنة على الإطلاق وبالنظر إلى العرض غير المحدود من العاملة العاطلة تختار مصانع السوق العالمية في مناطق الإنتاج الحرة أو المواقع الأخرى نوعا واحدا محددا من العمال.(ص140).


     ويواصل "فليب ماكمايكل" في دراسته التي تحمل عنوان "العولمة أساطير وحقائق"، دراسة مشروع التنمية ومشروع العولمة واتجاهات الدمج العولمي، وهنا يرى ماكمايكل أن مشروع العولمة نشأ من مشروع التنمية لأن التنمية تضمنت علاقات دولية معينة، وتحت هذا البند أعد البنك الدولي في تقرير التنمية العالمية لعام 1980 تحديد تعريف التنمية على أنها تعني"المشاركة في السوق العالمية".(ص150)


      في الدراسات التالية يقدم مجموعة من الباحثين أبحاثا مختلفة حول ظاهرة العولمة، فيعرض "ديفيد هارفي" للرأسمالية كمصنع للتفتيت في محاولة للكشف عن اللحظة التي صنعت النقلة النوعية العامة من أسلوب تراكم رأس المال إلى أسلوب جديد وهو التراكم المرن القابل للتكيف مع انسحاب الحكومات الوطنية من سياسة التدخل المترافق مع تحرير التجارة.

(ص171)، أما "داني رودريكا" استاذ علم الاقتصاد السياسي فيناقش موضوع "شطط العولمة"، ويرى أنها كظاهرة أصبحت تكشف عن صدع عميق بين الجماعات التي لديها المهارات والقدرة على الحركة، ويرى رودريك بأدلته أن السنوات المقبلة سوف تشهد أخطر تهديد للاقتصاد العالمي عندما نجعل العولمة منسجمة مع الاستقرار السياسي والاجتماعي.(ص179)


       وعبر رؤية اجتماعية تنموية يستعرض الكوبي المولد "أليخاندروس بورتس" الليبرالية الجديدة وعلم اجتماع التنمية ونشوء اتجاهات وحقائق غير متوفرة، ويخلص أليخاندروس، إلى أن دمج التجديد في المفاهيم الآمنة من نظريات علم الاجتماع حول الاقتصاد يجب أن يقدم المساعدة في هذا المجال لإنتاج وصف جميل رائع التناغم للظروف الاجتماعية وردة الفعل المحتملة من قطاعات مختلفة من السكان.


أستاذ التاريخ والحضارة/جامعة فيلادلفيا


الكتاب:من الحداثة إلى العولمة
عدد الصفحات 320
الناشر:المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب/الكويت
المؤلف مجموعة باحثين
تحرير:ج.تيمونز روبيرتس وإيمي هايت

التعليق