الحكومة والنقابات

تم نشره في الثلاثاء 18 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً


حلقة التوتر الجديدة التي تدور رحاها بين الحكومة والنقابات، وحصرياً هذه المرة بين وزير الداخلية وقادة النقابات تحت يافطة الإنصياع للقانون، في أحدث أزمة بينهما؛ تختزل عملية طويلة فيما يشبه صراع الإرادات المتكرر عبر السنين، ولن يكون ضحيتها الا القانون وسمعة الوطن ومصالحه، بينما يحاول فيها كل طرف اختبار قوة الطرف الآخر.


لم تفلح كل محاولات الحكومات المتعاقبة منذ عام 1989 في إقناع النقابات بأن ما كان يصلح في الزمن العرفي لم يعد له مكان في الحياة السياسية الجديدة بعد ترخيص الأحزاب، وما زالت النقابات تعتقد خطأً بعد استئناف الديمقراطية أنها الوريث الشرعي للعمل السياسي، وتتصرف وفق هذه المعادلة، رغم وجود قوانين أخرى ناظمة لهذه المسألة، مما أدخل الخلاف بين الطرفين في مرحلة عض الأصابع؛ وفيما تسلحت وتتسلح الحكومة دائماً بالقانون فان النقابات تعتبر نفسها قوى مجتمع مدني لها الحق في ابداء الرأي حول القضايا الوطنية اضافة الى دورها المهني.


ومع أنه توافرت في كل صدام سابق مساحةٌ كافية للاتفاق على إغلاق ملف المواجهة، إلا أن الأمر هذه المرة يبدو مختلفاً تماماً، ويوحي بأن المعركة لم تعد معركة اختبار للإرادات في اجواء تشدد سياسي وديمقراطي تسود المنطقة، بقدر ما هي مواجهة  سيقتصر الاحتكام فيها للقانون من أجل طي صفحة تم قراءتها عدة مرات دون أن يبدي بها القضاء رأيه، وبخاصة أن عددا كبيرا من القوى الحزبية، خارج مظلة الحركة الإسلامية، تطالب الحكومة بوضع حد لهذه اللعبة، كي تتمكن الأحزاب من القيام بدورها السياسي، وأن تحتكم النقابات لدورها المهني.


ومع أن النقابات بيوت خبرة مهنية وسياسية بحكم الممارسة أيضاً بسبب ارتباطها العضوي بالأحزاب، إلا أنه يبدو انها لم تحسن قراءة الوضع الداخلي هذه المرة، في ضوء الأوضاع المحيطة بالأردن (العراق وفلسطين)، الأمر الذي سيجعل الحكومة في حِلٍّ من أي إلتزام يقضي بالمحافظة على مساحة الاختلاف التي كانت تنتهي بها الأزمة مع النقابات في كل مناسبة. 


فالنقابات لم تلاحظ هذه المرة أن الأردن يقع بين حريقين يهددان استقرار المنطقة، إلى الحد الذي بات معها الأمن ومصالح الوطن الإقليمية أكثر أهمية من التوافق والتستر على القضايا المسكوت عنها، والتي تعوّدنا أن يتم القفز عنها، حفاظاً على سمعة الوطن، وأصبح تطبيق القانون بالنسبة للحكومة ووضع الأمور في نصابها الصحيح أهم من ممارسة السياسة في غير موقعها، بدعوى الحرية والديمقراطية، خاصة حينما تكون تلك الممارسة ذات لون واحد ولمصلحة فئة سياسية بعينها، وبات الوطن يجني منها عوائد تلحق الأذى ليس بسمعته فقط، وإنما تشير إلى خلل في بنيته السياسية طالما أن نتائجها تلامس قضايا لها أبعاد تتعدى حدود الوطن وتصل إلى مناطق ملتهبة في الجوار، تثير مشاكل للحكومة وتعتبرها قوى الإقليم الجديدة تدخلاً في شؤونها الداخلية وتطاولاً على مصالحها الوطنية.


لقد مل الجميع هذه اللعبة في الحياة السياسية الأردنية، وآن الأوان لإيجاد حل لهذه المسرحية، التي تكررت مشاهدها دون أن تقدم أية إضافة نوعية على لعبة الديمقراطية، سوى المزيد من عدم وضوح رؤية الحكومة بالنسبة للتنمية السياسية، وضعف الأداء الحزبي على حساب قيم الديمقراطية الحقيقية التي تخدم الشعوب وتحقق التقدم للأوطان؛ واذ كان هناك نقص في التشريع، فعلى الحكومة وبالتحاور مع النقابات، العمل على تعديل قانون النقابات حتى يستقيم الأمر بشكل يحقق التقدم في الحياة السياسية ولا تطغى فيها فئة على أخرى.

التعليق