مستقبل العراق بين المزاد الأمني والعملية السياسية الغائبة

تم نشره في الأحد 16 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

تصريحات رئيس الوزراء العراقي حول مخصصات مالية جديدة للأمن، تكشف أحد أهم قطبي التفاعل المكون لديناميكا الصراع في العراق. وهي ببساطة شعار من أجل ضمان غياب أي صيغة سياسية فعالة لاحتواء الحالة العراقية ووقف نزيف الدم فيها.

فالأمن العراقي لا ينقصه المال والمخصصات، الأمن العراقي يحتاج إلى عملية سياسية فعالة. وجود مئة وخمسين ألف جندي أمريكي بكل عدتهم وعتادهم وموازنتهم، إثبات حقيقي على أن الأمن العراقي لا ينقصه مقاتلون، ولا تنقصه الموارد، ولكن تنقصه عملية سياسية. وما تزال الولايات المتحدة تصر على تغييبها، واستبدالها بالعمل الأمني باعتباره هو مظلة تغييب العملية السياسية.

تغييب العملية السياسية للآن لا يأتي فقط بسبب أولوية مواجهة واقع أمني متردي، بل هي متطلب للهدف الذي قاد لقرارات هامة تتمثل في حل المؤسسة العسكرية والأمنية العراقية، للتخلص من أرث حزب البعث في العراق، وهي العملية التي تعرف بتفكيك بعثية العراق، وإعادة إنتاجه ضمن نموذج سياسي جديد.

 المضمون السياسي لشعارات علاوي، ودعوته لبناء جيش وشرطة عراقية، هو خلق مؤسسات دولة عراقية غير بعثية، وتعبير عن واقع الاحتلال، ويصاغ ويتطور ضمن عملية إعادة إنتاج عراق جديد. 

 النموذج السياسي الجديد للعراق ما زال غائباً، ولم يظهر منه إلا الشق العسكري والأمني. فعلى حد تعبير أحد المراقبين العراقيين، أين هي العملية السياسية التي يريدون من المقاومة أن تلقي السلاح وتلتحق بها؟ الغريب في الأمر، أن المقاومة، وعلى لسان العديد من رموزها هي التي تتحدث سياسة.

في حين الولايات المتحدة والحكومة العراقية يتحدثون في الأمن. إصرار الولايات المتحدة على تغييب العملية السياسية الفعالة في العراق، وحصرها فقط في عملية بناء عراق غير بعثي، موقف يضع الكثير من العراقيين أمام خيار صعب وهو اللجوء للعنف والسلاح.

المعضلة الآن ليست هي ما تبقى من ملامح العراق القديم للمرحلة القادمة، بل المعضلة هي ملامح العراق للمرحلة القادمة.

منذ الاحتلال، ومجيء بريمر بعد فترة وجيزة من تعيين جي غارنر، وهناك حديث متصل عن ديناميكا سياسية تقترحها الولايات المتحدة عنوانها العشيرة والطائفة للعراق. حيث تحول المشروع الأمريكي برمته إلى محاولة لخلق ديمقراطية من خلال تعبيرات سياسية غير دولانية ولا تمت للدولة الحديثة وعناوينها الوطنية بأي صلة. وحتى يتم التغطية على فشل مشروع التحديث الأمريكي للعراق الذي يعتمد على تشكيلات تنتمي للقرون الوسطى، تم لوم فئة واحدة في العراق، وتحميلها وحدها مسؤولية تردي حال العراقيين، وهي المقاومة، واتهمت بأنها مجرد مجموعة من بقايا نظام صدام تسعى للدفاع عن مصالحها.

وذلك لتبرير الموقف الأمريكي الرافض لبلورة عملية سياسية حقيقية في العراق. اللجوء للقوة لم تكن مبادرة عراقية، بل هي تعبير واستجابة عراقية موضوعية في مواجهة مشروع سياسي حقيقي.

المقاومة شكل لاستجابة العراقيين لمشروع الولايات المتحدة القاضي بتنفيذ التفكيك السياسي للدولة العراقية لصالح مشروع مجهول لم تتضح أي من معالمه للآن. وهذه المقاومة بشكلها الراهن، وإن كانت لا تطرح مشروعا سياسيا واضحا، ولكنها تمانع وتعترض عملية التفكيك التي تمت، وعملية الـ (لا بناء) التي تجري الآن، تصر على أن العملية السياسية للعراق يجب أن يكون عنوانها الواضح هو إنهاء الاحتلال. في حين ترفض الولايات المتحدة هذا العنوان وتصر على أن العنوان هو الأمن. مما يدفع العالم للتساؤل هل حقاً تفكر الولايات المتحدة في الانسحاب من العراق؟ وإذا كانت فعلاً تفكر بهذا الخيار، لماذا ترفض الحديث حوله.

 وما الذي يميز المنطق الأمريكي في التعامل مع المقاومة العراقية عن منطق شارون الذي يصر على فترة هدوء مطلق وكافية لاستئناف عملية سياسية خاصة به. رفض الولايات المتحدة أن تبحث في جدول ومتطلبات انسحابها من العراق، يعطي تفسيراً سلبياً للعبارة الغامضة التي تبنتها الدبلوماسية الأمريكية وهي: ( لن تبقى الولايات المتحدة في العراق يوماً واحداً أكثر مما هو مطلوب).

اعتماد الولايات المتحدة على المشروع الأمني كبديل لبلورة مشروع سياسي، وغياب المشروع السياسي العراقي الذي يساعد على بلورة معادل موضوعي وطني للاحتلال، إضافة إلى غياب مخجل للمشروع السياسي العربي للعراق، أهم سبب لإدامة العنوان الطائفي والعشائري للحياة السياسية العراقية في الوقت الحالي.
إبقاء العراق في ديناميكيا الدين وتعبيراته كبديل للسياسة الوطنية، هو موقف أمريكي، يكذب كل دعاواها عن الديمقراطية والتقدم. المهم بالنسبة لهم هو فقط ضمان أن تبقى العراق تحت الهيمنة، وإذا تعذر ذلك يتم تقسيمها.

 وإصرار الحكومة العراقية على البحث عن دور على هامش فشل القوات الأمريكية بتحقيق الأمن في العراق، يؤكد على أن الهوامش التي تتيحها الولايات المتحدة لحلفائها هي فقط العمل الأمني. مما يؤكد رغبة الولايات وقرارها الحاسم بتغييب أي إطار وطني لديناميكا سياسية في العراق.

شرط انطلاق العملية السياسية في العراق هو قبول الولايات المتحدة أن تبحث مع الأطراف العراقية ترتيبات مغادرتها للأراضي العراقية. عندها فقط يمكن الحديث عن عملية سياسية حقيقية تحافظ على عراقية العراق، وتديمه بشكل فعال، ويصبح الامن العراقي مهمة عراقية وطنية وليست مهمة مقاولين سياسيين في العراق.

ورفض الولايات المتحدة لمثل هذا الخيار يعني أمراً واحداً هو الرغبة بتصعيد الدين بدل السياسة، وتهيئة العراق للانقسام، ويفضل بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، أن تتم هذه النتيجة بعد حرب أهلية مريرة تستهلك كل منجزات الشعب العراقي وترهن موارده لعشرة أجيال قادمة.

أمام المقاومة، بشقيها السياسي المدني والعسكري، خيار واحد هو البحث عن شركاء، واختراق حدود الطائفة بشكل سريع، وإلا فإنها وإن كان لا يمكن التشكيك بنواياها ومقاصدها، تلعب ضمن المربعات المرسومة إسرائيلياً وأمريكياً لتقسيم العراق.

 وتتحول بسبب غياب غطاء سياسي عربي وإقليمي، وغياب مشروع سياسي عراقي جاد تشارك به الولايات المتحدة إلى مجرد حقيقة موضوعية تبني الولايات المتحدة مشروع تقسيم العراق بناء على وجودها.

وإذا لم تستطع الوسائل والأدوات السياسية للمقاومة العراقية من اختراق الحواجز الطائفية، فعليها أن تفعل ذلك عبر الأدوات العسكرية، وهذا يلزمها بتحقيق خسائر مروعة بالقوات الأمريكية في العراق، بحيث تجعل رحيل هذه القوات مطلبا أمريكيا سريعا جداً.

وفي ظل عدم القدرة على تحقيق هذا الشرط، فليس لدى المقاومة إلا أن تثبت أنها ليست مقاومة سنية، بل مقاومة عراقية. والساحة العربية كلها مفتوحة لتتم هذه العملية. قيادة المقاومة معنية بان تلتقط الفاعلية السياسية التي يمكنها منها وزنها العسكري. وضمن موازين القوى الراهنة، المقاومة العراقية تستطيع أن تعرقل بناء طائفيا عشائريا على الطريقة الأمريكية، ولكن هذا التعطيل قد يقود إلى تقسيم العراق. وحتى يتم تجاوز التقسيم على المقاومة أن تسعى لبناء إطار سياسي فعال، يؤكد أن لها مشروعاً سياسياً لكل العراقيين، وليس فقط استجابة اعتراضية.

التعليق