نحن والإرهاب

تم نشره في الاثنين 10 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

 


كنت من الشباب الذين ولد وعيهم السياسي على هزيمة العراق في حرب الخليج الثانية، وقد أصبت بخيبة أمل كبيرة من فشل كل الشعارات المرفوعة آنذاك –كما أصيب أبناء جيلي-  الأمر الذي أدى بنا في تلك المرحلة إلى دخول باب السياسة من التدين أو دخول الدين من باب السياسة، في الوقت الذي كان – وما يزال- يسيطر فيه المد الإسلامي على الساحة الشعبية، ولأن الاتجاه الإسلامي المهادن والمعتدل آنذاك لم يكن ليرضي طموحنا اتجهنا إلى التفكير الراديكالي، القائم على الإيمان بالعمل المسلح في سبيل التغيير، والخروج من حالة "تأنيب الضمير" التي كانت تنتابنا ونحن نشاهد الواقع العربي العام المهين، وأذكر أن الساحة الاجتماعية الأردنية كانت تنغل بـ"الشباب الإسلامي الصغير" الذي انخرط في جماعات سرية أو تبنى فكرا راديكاليا يقوم على رؤية متطرفة اتجاه الواقع في منتصف التسعينات.


 كل هذا  يعود بالدرجة الاولى إلى غضب "المزاج العام" من الوضع السياسي الراهن، ومن حالة العجز الرسمي العربي أمام المشروع الأميركي والصهيوني، وفئة الشباب هي الفئة المؤهلة فكريا وجسديا إلى المضي قدما بمغامرة "الراديكالية السياسية" تجاه الأوضاع السائدة، الأمر الذي يعني إمكانية تورطهم في اتجاهات سياسية خاطئة تختزل الواقع وتحاول تغييره بالقوة نتيجة الضعف الكبير في خبرتهم السياسية والاجتماعية، الأمر الذي بالشباب ليتحولوا من جيل الأمل والمستقبل  إلى "حالة أمنية خطيرة" تهدد أمن المجتمع والدولة.


وكم أعرف من الشباب المحكوم عليهم اليوم بقضايا أمن الدولة، يمضون فترة السجن، وقد كانوا في الدراسة الجامعية من المتميزين بالاستقامة الشديدة، لكنهم تحت ضغط الواقع أخطؤوا في اختياراتهم السياسية والفكرية، ووقعوا فريسة سهلة لواقع مرير يدفع إلى حالة من التطرف الفكري والسياسي إما استجابة لسؤال الدين والكرامة والسياسة، وإما جراء ظروف اقتصادية اجتماعية سيئة. لكن على العموم المسألة ليست مرتبطة بميول إجرامية حقيقية.


لذلك من الخطأ الكبير التعامل مع الشباب الإسلامي المتطرف وكأنهم "حالة أمنية خطيرة" فقط، فهؤلاء الشباب دلفوا إلى العنف بنوايا طيبة لكن برؤى خاطئة، ونحن لا نتحدث هنا عن عشرات بل عن مئات إن لم يكن بضع ألوف من الشباب، كلهم يقتربون من الأفكار المتطرفة. ومن خلال خبرتي الشخصية في دراسة الجماعات المتطرفة بالأردن أجزم أن المتوسط العمري لأعضائها في أوائل العشرينيات، وأغلبهم من الشباب البسطاء الطيبين المثاليين، الذين لم يصلوا إلى مرحلة النضوج المطلوبة بعد.


ما هو مطلوب في ظل ظروف يمكن أن نفسر من خلالها حالة "التطرف الديني" -الذي يجر عددا كبيرا من الشباب إلى الجماعات والتنظيمات السرية- ألا نكتفي بـ"المنظور الأمني" وأن نفكر بمنظور متكامل يقوم على أساس خطاب إسلامي مستنير معتدل يناقش حجج التطرف ويتوجه إلى الشباب ليوجه طاقاتهم في الطريق الصحيح، وإلاّ فإن الحالة السياسية والاجتماعية العامة المتعانقة مع أيدلوجيا متطرفة تتكفل دوما بتوفير شروط التجنيد والتعبئة السياسية لجماعات العنف الإسلامي.


بالتأكيد، ليس مشهدا جميلا أن نرى مئات الشباب في السجون وأن ننتظر الأعداد الأخرى، فلا بد وأن نتحرك سريعا لإنقاذ أبنائنا والحيلولة دون وقوعهم بحبال "التفسيرات النصوصية الخاطئة" للدين، وفي هذا المجال لا بد من القول وبصراحة: أن تبني "رؤية مؤسسة راند" -القائمة على دعم التيارات التقليدية لمواجهة قوى التطرف- غير سليم أبدا لأنها إن خدمت مؤقتا السلطة فهي على المدى تشكل مصادر خصبة للتفكير المتطرف، ولدي الكثير من الأمثلة على ذلك.


ما تدعو الحاجة اليوم إليه المساهمة في بناء خطاب إسلامي مستنير يكون كفيلا بتفنيد حجج التطرف، وكبح أدواته، وبناء جدار حصين يجعل من الإيمان والدين سياج حماية للمجتمع والدولة، ويدفع الشباب بالاتجاه الصحيح في فقه الدين ووظيفته السياسية والاجتماعية.

التعليق