الحكومة والبرلمان في الميزان

تم نشره في الاثنين 10 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

 

تحاول السلطة التشريعية تولي مهامها الدستورية اليوم بمرحلة تشتد فيها وتيرة العمل التنفيذي على اكثر من صعيد.

وفيما تنشغل السلطة التشريعية اليوم بالتحضير لعمليات الإقلاع على محاورعدة  فإن العديد من محاولاتها تتأثر بقصور ذاتي يضطرها الى استئخار عملية السير قدما ولو على حساب مسيرة الاصلاح الديمقراطي ككل.

 وقد اثبتت الدورات النيابية سواء للمجلس الحالي ام سابقه ان الآمال المعقودة على وجود سلطة تشريعية في بلد متعطش لأحياء روح العمل الديمقراطي لعقود بقيت دون توقعات المواطن وأدنى منها بكثير . ولم تكن تلك الحالة بخافية على احد حيث ان المعطيات السياسية التي عملت الحكومات السابقة على إعادة الحياة الديمقراطية من خلالها ابتداء كانت اقل بكثير مما يستوجبه مشروع العمل الديمقراطي بشكله المتكامل.ورغم كافة المحاولات الحكومية لدفع المسيرة السياسية قدما لكن ثمة قصورا واضحا بات يلازم عمل السلطة التشريعية إلى حد اصبح التشكيك فيه بجدوى الرهان عليها امرا متوقعا من اكثر من جهة وتيار سياسي.

ومعالم هذا القصور عديدة ليس اقلها ان جانبا كبيرا من القوانين التي نسجتها الحكومة طوال السنين السابقة كانت موضع رفض حاد من التيار الشعبي العام لمساسها بأوضاع المواطن المعيشية او لاسباب اخرى سياسية لكنها رغم لك حظيت بمصادقة نيابية عليها خلافا لمعظم التوقعات.

 وإزاء وضع تضاءلت فيه فرص تمكن السلطة النيابية من تشكيل قواعد معارضة حقيقية فقد آثرت  السياسات الحكومية الابقاء على الوضع نيابي دون تفعيل لدوره الرقابي لاسباب عدة تبررها بالنتيجة الرغبة الطبيعية لاي من السلطات الاستئثار بما امكن من الصلاحيات وعدم التنازل عنها.

 وقد تجسدت تلك السياسات بسلسلة من القوانين المؤقتة التي صدرت على مدار الاعوام السابقة خلال فترات انحلال المجلس علما ان معظم تلك القوانين - ان لم نقل باكملها- لم تأت تلبية لظروف استوجبت الاستعجال بإصدارها حتى تعرض على المجلس بأول فرصة لانعقاده بل كانت قوانينا مالية وإقتصادية يمكنها الانتظار بضعة اشهر إضافة للسنوات العديدة التي قضتها في أدراج الدوائر والمؤسسات المعنية باصدارها. وبعد تراكم القوانين المستصدرة بصفة مؤقتة -والتي شارفت على المئتي قانون- فقد جرى عرضها دفعة واحدة على السلطة التشريعية بغرض النظر فيها غير ان احدا لم  يتوقع من السلطة التشريعية – رغم كل ما يؤخذ عليها في هذا السياق- التعاطي مع تلك القوانين بالرؤية التشريعية التي نستشفها لدى واضعي الدستور.

 وهذا الامر يبدو واضحا إذ ان النص الدستوري في المادة 94 منه جاء ليتحدث عن حالة وضع قوانين مؤقتة في الامور التي    تستوجب اتخاذ تدابير ضرورية لا تحتمل التاخير او تستدعي صرف نفقات مستعجلة غير قابلة للتاجيل.

 وبحكم هذين القيدين على اصدار تلك القوانين فإن توقع ظروف موجبة هو امر استثنائي يفترض ألا يتعدى بضعة قوانين ولكن ليس العشرات . وبالتالي فإن وضع السلطة التشريعية امام حالة تستلزم اقرار او رفض القوانين المؤقتة بعد ان تكون اصبحت نافذة ورتبت مركزا قانونية لفئات من المجتمع يضطرها الى اجازتها درءا  للإضرار التي قد تلحق بالمواطن من جراء رفضها وليس اقتناعا بها. والى هذا الحد يمكن للسلطة التشريعية تبرير ما ينعى عليها من قصور في مواطن عدة .

 وأبعد من ذلك فإنه يصعب ايجاد اسبابا تبريرية إلا ما كان سابقا لوجود السلطة التشريعية كقانون الانتخاب مثلا. وبعد هذا فإن واقع الحال يعبر عن نفسه :  تيارات تسعى الى تحقيق تقدم على صعيد دورها الرقابي على الحكومة ، ورغم تقدمها حينا  - خاصة ما تعلق  بأمور الفساد-  إلا ان ارادة الاصرار على متابعتها تظل موقوفة على معادلات جانبية يتم صياغتها خارج القبة البرلمانية وليس في الداخل. والمناسبات عديدة على ذلك ، إذ لا تكاد بعض المواجهات مع الحكومة تبدأ بخصوص عدد من الملفات الساخنة حتى يخفت الحديث عنها تدريجيا دون ان يعرف لاحقا عن مصيرها شيئا.

وثمة تيارات أخرى تستجمع نفسها تحت مسميات وسطية أو غيرها في وقت هي اكثر ارتباطا بالمرجعية التنفيذية منها بمرجعيتها التشريعية. وبحكم تلك الازدواجية في الروابط لعدد غير قليل من اعضائها فإن قدرة العمل التشريعي على وضع منهجية جماعية للممارسة دوره الرقابي لن يقيض له نجاحا ما لم ترغب السلطة التنفيذية في منحه متعة الاحساس بتحقيق شيء من ذلك. 

التعليق