الفقيد الراحل الخبير السياسي توفيق ابو بكر

تم نشره في السبت 8 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

   ان الحياة في هذا الكون الفسيح المتباعد الارجاء, اشبه ما تكون بغرسة, وهذه الغرسة بعد ان تتحقق لها عوامل كينونتها, ويصار الى غرسها في اي بقعة من بقاع الارض, ويشأ لها خالق الكون والكائنات الحية اسباب المضي في حياتها الدنيوية المقدرة لها, فإن جذورها تأخذ بالتوغل في جوف الارض, ثم تنمو وتسمو فروعها واغصانها نحو الآفاق السماوية الرحبة, الى ان تكتمل حيويتها وبهاؤها لتغدو مسارها الظاهر والباطن في خضم الحياة ردحا من الزمن قد يطول امده او يقصر, شأنها كشأن اي كائن حي او انسان دب على هذه البسيطة.

 

    ولما كان لكل كائن حي (بداية ونهاية محتومة) تعرف بالموت وهذا امر طبيعي مألوف ومعروف, وكذلك الحال بالنسبة الى الشجرة فإنها تفرز خلال كينونتها اوراقا خضراء يانعة متعة للناظرين, وثمرا يمد المخلوقات مع المشيئة الالهية بأسباب الحياة.

 

   غير انه لا مندوحة من اتيان يوم من شأنه ايقاف حياة تلك الشجرة وتمنى بالموت المحتوم, بأن يذهب بهاؤها وينضب عطاؤها من الثمر, وتجف اوراقها, وتمسي صفراء شاحبة كلون الموتى من البشر, وتعصف بها رياح الزمن العاتية, فتجعلها حطاما متناثرا كرفات الموتى من البشر, وهنا يحضرني قول الشاعر: (خفف الوطء ما اظن اديم الارض الا من هذه الاجساد).

 

   لا مراء انه على هذا النحو ستؤول كافة الكائنات الحية الى الفناء من بعد نشأتها, حيث تنشأ من العدم, ثم تحيا حينا من الدهر وتنمو وتترعرع لتعود تارة اخرى الى العدم, وهكذا الى ان يرث الله الارض ومن عليها.

 

   تلك هي حكمة الخالق, ولكن ليس من الطبيعة ان يستبق الحد اوانه, كأن تقتحم النهاية قبل اكتمال البداية, كأن يتعرض غصن رطيب وهو في اوج عطائه (لأمر عارض) كما اذا تحول ظهر احد ايام شهر اب بحرارته الملتهبة ونوره الساطع الى ديجور دامس, حينئذ لا نكون امام الطبيعة بل بمواجهة امر يصدق عليه وصف (الحدث) وهذا ما حدث لفقيدنا الصديق الفاضل توفيق ابو بكر, تغمده الله بواسع رحمته واسكنه فسيح جناته, وانا لله وانا اليه راجعون, وهنا يحضرني قول الشاعر: (ان كل ابن انثى وان طالت سلامته يوما على آلة حدباء محمول).

التعليق