الانتخابات الفلسطينية: فرصة مراجعة

تم نشره في السبت 8 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

   لم يعد يفصلناعن الانتخابات الفلسطينية الا أيام معدودة والصورة تبدو واضحة ولا تحتاج الى الكثير من الاجتهادات. محمود عباس سيكون رئيس السلطة الفلسطينية وبهذا يثبت الفلسطينيون، رغم كونهم يمرون في أزمات متلاحقة، القدرة في تبصر الأمور وذلك باختيارهم للسيد محمود عباس. ولا يمكن اعتبار الانتخاب المتوقع للسيد عباس مجرد انتخاب عادي وانما يعبر بوضوح عن تغيير فلسطيني في استراتيجية التحرر كعلامة فارقة للمرحلة ما بعد العرفاتية.

 

    استطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسة صوت المجتمع والذي نشرت نتائجة يوم الأحد الماضي تبين بوضوح انتصار خط عباس وفتح شعبيا رغم كل المقولات السابقة بأن السيد عباس يفتقد للشعبية والكارزما في الشارع الفلسطيني. فقد عبر 57،9% من المستطلعين بانهم سينتخبون السيد عباس لمنصب رئيس السلطة الفلسطينية. وقد بين الاستطلاع أيضا تدني مستوى شعبية قرارات حماس والجهاد الاسلامي فيما يتعلق بمقاطعة الانتخابات. فقد بين الاستطلاع بأن ما يقارب من 65% من المستطلعين يعارضون قرار حماس والجهاد في مقاطعة انتخابات الرئاسة. وهذ يمكن أن يقودنا الى استنتاج رفض الشارع الفلسطيني لاستراتيجية حماس.

 

   المثير حقا في نتائج الاستطلاع والذي يعزز قناعات سابقة لدينا هو أن غالبية الفلسطينيين يقومون باعادة النظر في وسائل التحرر. فعلى سبيل المثال أفاد 53،3% من المستطلعين بانهم يؤيدون استمرار الانتفاضة ولكن بأساليب ووسائل سلمية أخرى غير العسكرة. وهذا التوجه يتبناه السيد محمود عباس منذ فترة طويلة وقد أظهر شجاعة غير عادية عندما صرح وفي أكثر من مناسبة بانه ضد عسكرة الانتفاضة.

 

    ففهم السيد عباس هو مبني على احساسه باختلال موازين القوى بين الجانبين. ودعوته لنزع صفة العسكرة عن الانتفاضة لا يجعل الرجل خارج الصف الوطني الفلسطيني ولا يجب أن ينسحب على رصيده السياسي وانما يجب أن ينظر اليه كمحاولة جادة وجريئة ليس فقط في تحقيق التحرر وانما في هزيمة القوى المعادية للسلام ايا كان مصدرها.

 

    نتمنى على القيادة الفلسطينية أن تستغل هذا التوجه الجديد لدى الشارع الفلسطيني وتعمل على تبني سياسات واضحة واستراتيجية موحدة للتعامل مع آخر احتلال كولونيالي على وجه البسيطة. كنا قد أشرنا سابقا في سلسلة مقالات بأن وسائل النضال هي وان كانت شرعية الا انها غير مقدسة. فاذا ما تبين أن احدى وسائل النضال وان كانت شعبية لا تجلب منافع على الجمهور الفلسطيني فمعنى ذلك انها عرضة للتغيير. فمن الخطورة بمكان أن يتحول الهدف ليصبح المحافظة على وسيلة ما وكأنها لا يمكن المس فيها.

 

    فرصة المراجعة التي أدعو اليها هي جارية ويؤكد على ذلك استطلاعات الرأي الفلسطينية الوطنية المختلفة. بطبيعة الحال لن يقف شارون موقف المتفرج على الاعتدال الفلسطيني وسوف يحاول بكل ما أوتي من خبث في أن يقلب هذه المعادلة رأسا على عقب ويقوم باستفزازات متكررة من أجل توجيه ضربة استباقية للاعتدال الفلسطيني الخطير جدا على أهداف شارون في دفن عملية السلام.

 

    والسؤال المركزي هو هل تستطيع القيادة الفلسطينية على ضبط الأمور من أجل الاستعداد للهجوم الدبلوماسي الفلسطيني أم لا؟ نظريا يمكن القول أن لدى الفلسطينيين من الدهاء النظري ما يمكنهم من هزيمة اسرائيل في الضفة والقطاع. ولكن الاجراءات العملية على أرض الواقع ومحاولة تطبيق هذا التوجه الجديد يلقي بضلال الشك على قدرة ابومازن في الدخول في مواجهة مع معارضي السلام في المجتمع اافلسطيني. وستتوقف الأمور ودينماكياتها على سياسة ابومازن في التعامل مع خصومه في الحكم الفلسطيني.

التعليق