أجندة تقسيم العراق

تم نشره في الجمعة 7 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

      في غمرة الحديث عن الانتخابات المزمع إجراؤها في العراق في الثلاثين من الشهر الجاري كما يفترض، ووسط دعوات المقاطعة وطلبات التأجيل وفشل قوات الاحتلال الأنجلو- أميركي وأعوانها في فرض حد أدنى من الأمن المطلوب لإجراء هذه الانتخابات أو المحافظة عليه بسبب تصاعد أعمال جماعات المقاومة العراقية التي دعت إلى عدم التعاون مع مخططات الاحتلال ومشاريعه،تنهمك أطراف عديدة للاستفادة من هذه الفوضى الشاملة لتنفيذ مشاريعها الانفصالية والتقسيمية الخاصة في العراق وعلى نحو أصبح يهدد فعلا لا قولا وحدة وسلامة الأراضي العراقية، ووحدة شعبها بكل مكوناته الدينية والقومية، وبالتالي أصبح يهدد هوية العراق العربية0

      ومنذ البداية وقبل الغزو الأنجلو- أميركي للعراق واحتلاله، كانت المخططات الأميركية تضع على أجندتها تقسيم العراق لأهداف معروفة تتعلق بإلغاء هويته العربية وإضعاف احتمالات التقارب العربي حتى لا نقول الوحدة العربية في المشرق العربي على الأقل، وتسهيل السيطرة الأميركية عليه وعلى المنطقة كلها، والأهم ربما من ذلك كله من أجل ضمان أمن إسرائيل وضمان تفوقها وتكريسها كقوة إقليمية عظمى في المنطقة قادرة على تنفيذ مشاريعها التوسعية ومشاركة أميركا في السيطرة عليها بوصفها الوكيل الأميركي المعتمد الأول فيها0 ولم تختلف أكاذيب أميركا بشأن المحافظة على وحدة العراق عن أكاذيبها الأخرى سواء ما تعلق بها بأسباب الغزو أو بأهدافه، والتي أصبحت معروفة للقاصي والداني على حد سواء0

       وقد كانت تطلعات الزعامة الكردية العراقية دائما هي أخطر التطلعات الانفصالية والتقسيمية، وطالما تحالفت الزعامات الكردية مع الدول الاستعمارية بدءا ببريطانيا وانتهاء بإسرائيل من أجل تحقيق هذه التطلعات غير المشروعة، بالرغم من أن أفضل ما حصل عليه الأكراد في أماكن تواجدهم كان في العراق0 وقبل الغزو الأنجلو- أميركي الأخير للعراق، ومنذ فرض الحصار عليه بعد العدوان الثلاثيني في العام 1991 وفرض ما سمي في حينه (مناطق الحظر الجوي) شمال وجنوب العراق، بدأت مظاهر الانفصال الكردي في شمال البلاد تتزايد برعاية الولايات المتحدة وبحماية طيرانها الحربي0 

الآن، يعتقد مسعود البرزاني وجلال الطالباني أن الفرصة مواتية لتحقيق ما كان مستحيلا في كل العهود السابقة0 وواضح أن الأميركيين يعلنون أنهم مع وحدة العراق ويسرون للأكراد بأن يتحركوا ولكن بتخطيط جيد لتنفيذ مآربهم0 وقد بدأت الأمور تتضح من خلال ما سمي (قانون إدارة الدولة العراقية المؤقت) وما أعطاه من امتيازات للأكراد، ثم من خلال المعاملة العنصرية التي يلقاها المواطنون العرب في مدينة كركوك، كما أصبحت تتحدث عنها التقارير الأميركية نفسها، والبدء بتهجيرهم من المدينة  والاستيلاء على ممتلكاتهم فيها، وكذلك من خلال التهديدات التي تطلقها الزعامات الكردية باجتياح كركوك والموصل أيضا تحت سمع وبصر بل ودفع الإدارة الأميركية0

ففي أول أيام العام الجديد، التقى ريتشارد أرميتاج، نائب وزير الخارجية الأميركية خلال زيارة لمدينة أربيل، التقى زعيم الحزب الوطني الديمقراطي الكردي، مسعود البرزاني0 وكانت أسباب اللقاء المعلنة تتعلق بإقناع الأكراد بالمشاركة في الانتخابات، حيث لم يعلن تأكيد رسمي من جانب الأكراد بنية المشاركة فيها0 لكن الحقيقة تبدو غير ذلك، إذ أشار أرميتاج في معرض تأكيده على ضرورة مشاركة الأكراد في الانتخابات، إلى المادة (58) من (الدستور العراقي المؤقت الذي وضعه الحاكم المدني الأميركي السابق بول بريمر)، وقال: " أعتقد أنه لا يجب فقط تصحيح الأخطاء، ولكن يجب أن تصحح بسرعة وعلى نحو عاجل بقدر الامكان"! ويذكر أن المادة (58) هذه تنص على قيام حكومة انتقالية تتخذ الخطوات العاجلة لرفع الظلم الناجم عن ممارسات النظام السابق وتغيير التركيبة السكانية لمناطق معينة من بينها مدينة كركوك0  وذكرت الأنباء أن أرميتاج سلم البرزاني رسالة من الرئيس الأميركي جورج بوش عبر فيها عن (دعمه لشعب كردستان وحقه في إقامة كيان ديمقراطي داخل بلد موحد) !

       وبعد ساعات من لقاء أرميتاج- برزاني ، هدد جلال الطالباني، زعيم الحزب الوطني الكردستاني، باجتياح الموصل وكركوك وذلك لـ (حماية الحدود الكردية) ! وقال الطالباني: إن للقيادة الكردية (خطة جاهزة للتدخل في الموصل وكركوك للدفاع عن المواطنين الأبرياء في حال أراد الإرهابيون جعلهما أوكارا لهم ولعملياتهم الإجرامية لأن المدينتين قريبتان من حدودنا، وعلينا أن ندافع عن منجزاتنا ومكتسباتنا 000) !! يبدو أن كردستان العراق لم يعد جزءا من العراق بل تحول إلى دولة مستقلة وعظمى أيضا حتى أنه أصبح يهدد بالتدخل والمشاركة في (الحرب على الإرهاب)!! على كل حال معروف أن أكثر الجرائم بشاعة والتي ارتكبت في الفلوجة وبغداد ومناطق عراقية أخرى كانت على أيدي قوات (البشمركة) الكردية التي قررت على ما يبدو (تحرير العراق) على الطريقة الأميركية0

ويضاف إلى مظاهر ونوايا الانفصال لدى الزعامات الكردية، تلك العريضة التي وقعها أكثر من مليون كردي وقدمت إلى الأمم المتحدة تطالب بإقامة دولة كردية في شمال العراق، وترفض البقاء في إطار السيطرة العربية في ظل عراق موحد0
      وبطبيعة الحال لم يكن شيء من ذلك ليحدث لو كانت الإدارة الأميركية صادقة في المحافظة على وحدة العراق0 وقبل أيام ولأول مرة يصدر تصريح أميركي يشير إلى موافقة هذه الإدارة على تقسيم العراق وجاء على لسان وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر الذي قال يوم 28/12/2004 في حديث أجرته معه شبكة تلفزيون (سي إن إن) الأميركية حول الموضوع: إن واشنطن يجب ( أن لا تقبل بهيمنة شيعية في العراق)، وأنه ( إذا وصلت الأمور إلى هذا الحد، فإنه لا مصلحة لنا في إبقاء العراق موحدا)0 وأوضح كيسنجر في حديثه أن ( الأفضل لنا عندئذ أن نترك كل مجموعة اثنية متنافسة تشكل حكومتها الخاصة000 )!

لقد كذبت الادارة الأميركية، كما كذبت الزعامة الكردية، وكلاهما لا يهمهما ولا يريدان ولا مصلحة لهما في المحافظة على وحدة العراق وليس على أجندتهما غير تقسيمه، وهما تنويان وتخططان وتعملان لتقسيمه إلى دويلات طائفية وعرقية00 وإسرائيل ستكون الرابح الوحيد في هذه العملية0 أما الدول العربية التي تتفرج على ما يجري بل وتساهم فيه على نحو أو آخر، فعليها أن تنتظر حتى يصل إليها الطوفان، وساعتئذ لن ينجو أحد !   

التعليق