د.باسم الطويسي

ثقافة الجدارة والاستحقاق المتأخر

تم نشره في الخميس 6 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

قبل أيام أعلن وزير تطوير القطاع العام النية لتشكيل "هيئة الاستحقاق والجدارة" يناط بها مسؤولية اختيار كبار موظفي الدولة في الفئات والمناصب العليا. وعلى رأي المثل الأردني الدارج بعد أن وقعت الفأس بالرأس يأتي إعلان هذه النية الحسنة، وبعد أن تشكل معظم جسد الإدارة الحكومية وفق الآليات التقليدية التي ستضفي ظلالها على مصير البلاد لعامين آخرين على الأقل وهو الأمر الذي شكل آنذاك صدمة للرأي العام وصداعا مزعجا للحكومة.


ومع كل ذلك فان هذه الخطوة الجريئة تسجل للحكومة الحالية، وإذا ما سارت الأمور وفق المحددات الموضوعية المرجوة فإنها ستكون نقطة تحول حقيقية في تاريخ الإدارة العامة، وستكون هذه الحكومة ذات الجسد المثخن بروابط العلاقات الخفية وضغوط ثقافة الواسطة هي التي أدخلت الإدارة العامة الأردنية ولاول مرة في تاريخها في صفوف محو أمية الإصلاح.

عادة ما يتردد بان السياسة المحلية تخضع لمعايير لعبة متداخلة ومعقدة أحيانا كثيرة، فيها أمزجة سياسية للنخب الفاعلة وأخرى لنخب متقاعدة، وقوى اجتماعية نافذة ومراكز قوى متنافسـة، واوراق وملفات يلوح بها؛ مما يخضع رأس الحكومة الى طوفان هذه الضغوط والحسابات والبحث عن التوازنات والانتقال من الإدارة الاستراتيجية المعنية بالتوظيف الأمثل للموارد الى الإدارة اليومية أي إدارة الوضع الراهن، وهذا الواقع ينسحب بالتدريج على مختلف مستويات الإدارة ولدى معظم المؤسسات العامة بغض النظر عن استقلاليتها او عدمه.

فرؤساء الجامعات على سبيل المثال فوق رؤوسهم همّ ضغوط المخاتير والوجهاء اكثر من هَم البحث العلمي وبناء جامعات معاصـرة، ومدراء المؤسسات العامة ترهقهم التوازنات وتطييب الخواطر اكثر من إرساء قواعد المؤسسية وإنجاز مهام دوائرهم بكفاءة، وقِس على ذلك مختلف مواقع العمل العام. وهو الواقع الذي يقودنا الى افتقاد المجتمع ومؤسساته لثقافة الجدارة والاستحقاق والمساءلة، ولعل جانبا مهما من هذه الخبرة التاريخية يعود في جذوره الى سلوك الإدارة العامة عبر حقب وتحولات المجتمع والدولة معا.

إن إرساء قواعد الحكم الرشيد كما تتحدث عنه الأدبيات العالمية اليوم بإصلاح القطاع العام يتطلب الأخذ بخصوصية كل مجتمع وبناء المفاهيم والمدخلات والإجراءات في ضوء محددات هذه الخصوصية والثقافة المجتمعية السائدة، وإلا ستبقى هذه الثقافة مصدر تفريخ قوى الإعاقة والعرقلة والعودة دوما الى مربع الاكتفاء بإدارة الوضع الراهن ، فتعديل الثقافة الخاصة بالعمل العام وادوار الحكومة ومبادئ المساءلة وتقاليد المؤسسية ومبادئ الجدارة والاستحقاق يعني القدرة على تحمل آلام ومتاعب التغيير، فالمهمة بالتأكيد ليست سهلة ولن تثار بين ليلة وضحاها.

وإذا ما أخذنا واحدا من أركان الدولة كوحدة لتحليل القدرة على التغيير وبناء ثقافة الجدارة والاستحقاق وإرساء دعائمها مجتمعيا، على سبيل المثال القضاء الأردني او مجلس النواب، فإننا حتما سنعود إلى نواميس التنمية السياسية ومبادئها الأولى التي غرر بنا حينما صورناها للناس بأنها أحزاب ونقابات وانتخابات فقط ، إن أي عملية مخطط لها ومقصودة في تغيير وعي الناس حيال بنية الدولة وسلوكها تتطلب تغيير الاتجاهات في حقل الثقافة السياسية، ولا يمكن التعامل مع هذه الحالة على أساس إصلاح إداري معزول عن سياقات المجتمع فجميع عمليات الإصلاح الكبرى مرتبطـة بشكل جذري ببناء ثقافـة سياسيـة جديدة، وهي الحلقـة الضائعـة غالباً في جهـود التغيير، فلطالما تعثرت جهـود الإصلاح وذهبت بدون ان يلمسها الناس في حياتهم اليوميـة ودونما ان تنعكس في سلوك المؤسسات والنخب رغم النوايا الحسنة وإصدار التشريعات وبناء المؤسسات إلا ان الأرضية الموضوعيـة لم تمهد قبل ذلك بإرساء ثقافـة قابلـة لنشر القيم والاتجاهات الإيجابية الصديقـة للإصلاح، التي تصل بالمجتمع والدولـة معاً للاتفاق حول قيم كبرى غير قابلـة للمساومـة والتفريط.

وهذا يقودنا الى وثيقة السياسات الحكومية لاصلاح القطاع العام (2004- 2009) والتي صدرت تحت عنوان " إدارة حكومية افضل لتحقيق نتائج افضل" والتي يبدو واضحا الفصل بينها وبين التنمية السياسية بإنشاء وزارة مستقلة تعنى بإصلاح القطاع العام وأخرى بالتنمية السياسية وثالثة تعنى بمراقبة الأداء الحكومي. ويهمنا في هذا المجال الجانب الخاص بالموارد البشرية حيث تهدف هذه السياسات الى الوصول بالجهاز الحكومي الى عدد مناسب من الموظفين بالمؤهلات المطلوبة من خلال تطبيق نظام للتصنيف الوظيفي وسلم للرواتب وبناء قدرات الوزارات والمؤسسات الحكومية في مجال الموارد البشرية، ومراجعة دور ديوان الخدمة المدنية والمراجعة الشاملة لعمليات التدريب والتطوير، حيث سيتم إنشاء هيئة الجدارة والاستحقاق في سياق المبادئ العامة لهذه السياسة التي تدعو نظريا الى تكافؤ الفرص وبناء جيل جديد من التكنوقراط والقادة الإداريين على قواعد الكفاءة والجدارة.

إن الكلام النظري الذي تتضمنه وثيقة السياسات الحكومية لاصلاح القطاع العام والمبادئ والقيم التي تدعو إليها فكرة إنشاء هيئة الجدارة والاستحقاق ستبقى جميعها كلاما نظريا لن يغادر الخطاب الرسمي الى ارض الواقع إذا لم يصاحبها تغيير في سلوك الحكومات يقود الى نشر ثقافة جديدة تعيد بناء صورة الدولة والحكومة في وعي المجتمع وترسيخ قيم العدل والجدارة والاستحقاق بممارسات مادية مسؤولة، فمقاومة الإصلاح سوف تستسلم حينما لن تجد أي منفذ لتسريب قيم الاسترضاء والتنفيع وحسابات التوازن والمصالح المتبادلة وتبديد الموارد الوطنية؛ وحينما تغلق المنافذ أمام مراكز القوى وصناعة النجوم الباهتة سوف يصل المجتمع والأفراد الى حقيقة أن قيم الجدارة والاستحقاق وحدها هي القادرة على تصعيد الأفراد في سلم الدولة، وبناء هذه الثقافة ليس بالمعجزة وهو مرتبط بسلوك الحكومات قبل الأفراد والمجتمع وهي عملية دائرية تبدأ بالمؤسسات وتنتهي بها.    

Basimtwissi@hotmail.com          

التعليق