شرط الشروط في الموقف الاسرائيلي

تم نشره في الأربعاء 5 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

 اغلب الذين يريدون الانتهاء من مرحلة الانتفاضة والمقاومة والصمود الشعبي والمواجهات او بعبارة اخرى يريدون التهدئة والعودة الى المفاوضات يبدون الكثير من التحفظ على امكان نجاحها, وبعضهم يقول لنعط شارون فرصة اخرى مع عدم ثقته بنتيجتها, وهنا تسمع تردادا لموضوعة مستهلكة، مثل لنحرج شارون واميركا والرباعية, كيف? هل احرجوا في تجربة المفاوضات السابقة, وما قدم الفلسطينيون والعرب من تنازلات تمس حقوقا وثوابت لا جدال فيها, ام خرجوا متهمين باضاعة الفرص, وحُمّل ياسر عرفات (ومحمود عباس معه) مسؤولية فشل مفاوضات كمب ديفيد/2 .

وبكلمة، لقد أثبتت التجربة الفلسطينية باستمرار ان نظرية الاحراج, او اعطاء فرصة مع سخاء في ما يقدم من طرفنا كانت تنقلب علينا ونصبح مطالبين بالمزيد من التنازلات, والدليل ببساطة السقف الذي وصلنا اليه, والسقف المطلوب الهبوط اليه حتى قبل ان تبدأ اول جولة من جولات التفاوض.

خطابات القادة الاسرائيليين, ليكودا وعملا, ومن شئت من توجهات صهيونية في مؤتمرهرتسليا الاخير زادت دعاة "التهدئة" و"المفاوضات" تحفظا عن امكان النجاح ولو مع تنازلات مع اضافية من جانب المفاوض الفلسطيني, ومن ورائه المصري العربي- الاوروبي, لكنهم مع ذلك لا يستطيعون ان يتخلوا عن "طريق الفشل" مثل العاشق الذي يكابد الصدود, ويلقى من الذل والعيش بلا امل ما يلقى, ومع ذلك لا يخرج من اسر ذلك العشق, وهنا يتساءلون: ما البديل?

البديل مثُل امامهم طوال اربع سنوات, ولو وضعوا فيه جهدهم لزادوه قوة, وكان في قلبه شهيده ياسر عرفات الذي يؤكدون انهم يسيرون على خطاه في كل شيء الا هذه, وقد سار على هذا البديل: الانتفاضة والمقاومة والصمود, واسهم في توحيد الشعب الفلسطيني حوله بكل عزيمته, ليس لأنه لا يريد المفاوضات, بل كان متلهفا عليها اكثر منهم, فهو اصلا رائدهم فيها, وقد اصبحت بالنسبة اليه منجاته من الاسر وخطر القتل كذلك, لكنه كان قد خرج بنتيجة بعد تجربة سبع سنوات من المفاوضات انه لا بد من ممارسة الضغوط من خلال اندفاع الفلسطينيين الى الانتفاضة والمقاومة والصمود, وقد رفض اتخاذ المفاوضات هدفا بحد ذاته, وانزالها بمنزلة المبدأ والقدر, وانما استهدف عودة ناجحة اليها, وهذا لا يكون الا اذا فرض على المحتل التراجع عن شروطه المستحيلة للتسوية, وهذه الشروط كانت مرفوضة ايضا من كل القمم العربية, وحتى من كان يريدها في سرها كان يأمل ان يقبلها الفلسطينيون اولا لكي يتستر بعباءتهم.

والسؤال للقائلين ان "مرحلة ما بعد عرفات", كما يصر البعض على تسميتها "فتحت آفاق التسوية", هل يستطيع احد منهم ان يذكر شرطا واحدا تغير من الشروط الاسرائيلية التي افشلت كمب ديفيد 2 وكانت ازّمت العلاقة مع الدول العربية بين 1995-2000? واذا لم يكن قد تغير شرط واحد بل زادت تلك الشروط شرطا مع خطة شارون والجدار الذي كان متضمنا في شروط باراك وحزب العمل, وان توسع اكثر في عهد شارون واصبح من حديد واسمنت, فأين التغيير هذا؛ ويمكن القول ان الموقف الاميركي زاد تماهيا مع الموقف الاسرائيلي,

والموقف الاوروبي تراجعا من خلال ادراج خطة شارون في "خريطة الطريق"؛ علما ان الجدار وخطة شارون يسيران الى فشل في حال استمرار الانتفاضة والمقاومة والصمود والمواجهات, وذلك لأن شرط نجاح اهداف شارون من وراء خطته وجداره تثبيت امر واقع في ظل "تهدئة"؛ سواء اتمت من خلال القوة ام من خلال مظلة العودة الى المفاوضات.

ولهذا فإن عدم تغير الشروط الاسرائيلية للتسوية مضافا اليها تثبيت واقع الجدار يعني ان طريق التسوية مسدود سلفا حتى لو تنازل محمود عباس تحت ضغوط بعض حلفائه فلسطينيا وعربيا واوروبيا عن بعض ما رفضه في كمب ديفيد/2 او اعلنه قبل تغييب عرفات وبعده عندما استهل حملته الانتخابية, لأن ذلك لن يكون كافيا قطعا, وسيعيد الوضع مرة اخرى الى ما يشبه الوضع بعد فشل كمب ديفيد/ 2.

وباختصار المشكلة كانت دائما ولم تزل وستبقى كامنة في الشروط الاسرائيلية ما ظهر منها وما بطن, ولم تكن يوما في انتفاضة او مقاومة, او في مفاوض فلسطيني او عربي او دولي, الا اذا اعتبر ان المطلوب التسليم بالكامل لتلك الشروط, بل حتى هذا المستوى لن يكون كافيا الا مؤقتا لأن هناك شرطا اسرائيليا غير معلن, اي شرط الموالاة وهو شرط الشروط في جوهر الموقف الصهيوني, ومن لا يصدق فلينظر كيف تتعامل الحركة الصهيونية مع الساسة الاميركيين والغربيين, وكيف تميز بين من يتعاطف فقط ولديه بعض الحدود ومن يسلم تسليما ويدخل في المشروع, وينفذ ما يطلب منه, فالاول يرحب به, ثم يصار لتحويله الى موال، وبالمناسبة فان مشكلة المشاكل في السياسة هي الموالاة, وهذه مضاعفة في الموقف الاسرائيلي من الفلسطينيين؛ فمن لا يذهب الى تلك النقطة سيرحب به مع كل درجة من التنازلات ثم يبدأ الدفع باتجاه المزيد, وحين يتحقق هذا المزيد تصبح الموالاة اساس المشكلة, وهذه الموضوعة استنتجت من تجربة ياسر عرفات لا سيما بعد اتفاق اوسلو, وقد ظن الكثيرون ان ما قدمه الفلسطينيون من تنازلات خطيرة عن ثوابت لهم في ذلك الاتفاق سيكون كافيا لتحقيق تسوية, ثم تبين ان المطلوب ظاهريا المزيد من التنازلات الجديدة, وباطنا الاتجاه نحو الموالاة.

وهذه النهاية ليست مطلوبة من القيادة الفلسطينية فحسب وانما مطلوبة, ولا يستغربن احد, من القادة العرب كذلك, والا ما معنى قول شمعون بيريز في المؤتمر الاقتصادي العالمي للشرق الاوسط الذي عقد في الدار البيضاء عام 1994 مخاطبا القادة العرب: لقد جربتم قيادة مصر خمسين عاما فانظروا اين وصلتم, جربوا قيادة اسرائيل عشرين عاما وسترون اين ستصلون؟

هذه القناعة هي التي أعادت ياسر عرفات الى الانتفاضة والمقاومة والصمود لغرض التراجع عن التراجع عن الشروط الاسرائيلية حتى لو كان الثمن ان يؤسر ويعزل ويستشهد مقتولا بالسم.

التعليق