الإصلاح الديمقراطي وثنائية الداخل والخارج

تم نشره في الأربعاء 5 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً


   من الطبيعي مع تسارع التطورات التي تشهدها المنطقة وخصوصاً في العراق وفلسطين، ومع كل مشروع جديد يطرحه الغرب أو أمريكا لإصلاح المنطقة وتنميتها، أن يحتدم الحوار في صفوف الديمقراطيين حول واقع الإصلاح السياسي ودوافع التغيير أهي داخلية أم خارجية، فتختلط الأوراق وتتجدد عمليات الفرز، بين رافض لأي شكل من أشكال الاستقواء بالأجنبي مؤكداً أن لا خير يأتي من الخارج وأن التغيير إنما ينبع من الذات، وبين واجد، تحت وطأة تباطؤ بل ركود مسار الإصلاحات الداخلية، في الدور الخارجي رديفاً رئيساً وفاعلاً.


   إلا أن حدة المواقف ووضوح الاصطفافات، إذا تجاوزنا لغة المصالح وحسابات المنافع الضيقة، لا يحجب كونها في اتجاهها العام انفعالية ومضطربة أو لا تزال أشبه بردود أفعال سياسية ظرفية، إما نكاية بالأمريكيين ومواقفهم الداعمة لإسرائيل وسياساتهم في العراق أو رداً على استهتار السلطات بالوضع الداخلي وتمنعها عن الإصلاح، ولعل من المفيد توضيح بعض أسباب التراجع الموضوعي وحضور الذاتي والانفعالي في رؤية عملية التغيير وشروط إنجازها:


أولاً، عجز الفكر الإصلاحي إلى الآن عن إحداث قطيعة معرفية مع أفكار الماضي وتصوراته المهزومة، خاصة لجهة قراءة جديد العلاقة بين المحلي والوطني كداخل، وبين العالمي والإقليمي كخارج. فرغم مرور زمن غير قصير على انهيار الدول الاشتراكية وما خلفته من دروس وعلى ثورة الاتصالات وتعزز مكانة العولمة الاقتصادية وانتشارها في حقول السياسة والثقافة، ثمة من لا يأخذ في الاعتبار المعنى الحقيقي للقول بأن العالم أصبح قرية صغيرة ويستمر في الترويج لأوهام الماضي عن السيادة والاستقلال كصورة من صور الانعزال التام عن الغرب الرأسمالي، متوهماً أن رؤيته الأيديولوجية تمكنه من بناء أسوار حديدية يتحصن خلفها وهي التي انهارت وعجزت عن حماية دول أقوى أيديولوجياً وأشد منعة.


   والحقيقة أن العلاقة بين الداخل والخارج أخذت أبعاداً جديدة بعد التحولات الكبرى التي عرفتها البشرية في العقدين المنصرمين فبقدر ما ازداد حجم انتقال السلع والناس والرساميل والتقانة والمعلومات وتحررت الثقافة والأفكار من العبء الأيديولوجي بقدر ما اختصرت المسافات وضعفت الحدود والموانع الذاتية بين الدول، ليتحول العالم من غلبة منطق الخصوصية والسيادة إلى غلبة المنطق الكوني العام وتفاعلاته، ولتحتل العوامل العالمية أسبقية ملموسة في تقرير نتائج الأزمات الإقليمية والصراعات الوطنية، وبات سير الأحداث ونتائجها يتوقف إلى درجة كبيرة على مدى حضور الإرادة العالمية وطابع قراراتها، الى أن  ذهب البعض إلى حد اعتبار ما يحدث من تطور في شبكات الاتصال والتفاعل الكثيف بين المجتمعات يسير نحو إلغاء حدود الدول ويؤدي إلى تبلور مجتمع عالمي، لعل أحد تجلياته تنامي تيارات سياسية تنادي بواجب التكامل الإنساني لردع أسباب الاضطهاد الداخلي تستند في دعوتها إلى نمو أخلاق عالمية ذات معايير وقيم موحدة تستدعي انبثاق دور مركزي يملك حق التعامل مع أي طرف يهدد المشروع الإنساني العام.


ثانياً، تشوش الاجتهادات وعدم وضوح الصورة التاريخية من دور " الخارج " في صياغة مجتمعاتنا الحديثة وانتشار اعتقاد واهم بأن بلداننا عاشت فعلاً أو استطاعت النمو والتطور بمنأى عن التأثيرات الخارجية وتداعياتها.
    ومن هذه الوجهة ثمة خارج وخارج، ومن تبسيط الأمور حصر هذا المفهوم في أميركا فقط، وتالياً من المحال استحضار مرحلة خاصة لم يخضع فيها داخلنا العتيد لتأثيرات الخارج وبصورة رئيسة.


    فالخارج الاستعماري هو الذي صاغ باقتسامه تركة " الرجل المريض" تركيبة مجتمعاتنا وحدودها ونموذجها السياسي الأول، والخارج الإسرائيلي حضر ولا يزال يحضر بقوة في شروط بناء الداخل ليفرض على مجتمعاتنا سيادة طويلة الأمد لحالة الطوارئ والأحكام العرفية ويرهق مقومات تطورها بحالة شبه دائمة من الاستنفار تحت عناوين الخطر الخارجي وظروف الحرب.


   ثم كيف يغيب عن أذهاننا دور الخارج العربي وخاصة في زمني الوحدة والانفصال وفترة المد والاندفاعات القومية من نتائج وآثار، ولماذا ننسى أو نتناسى ما ترتب على مجتمعاتنا من الخارج السوفييتي وتلك الصور والأشكال التي استمدت من تجربته لصياغة علاقة السلطات مع الدولة والمجتمع؟!
ثالثاً، حساسية القضية الفلسطينية وبدرجة ثانية الوضع العراقي وقوة حضورهما في وعي النخبة المثقفة ووجدانها، والانجرار تالياً إلى توظيف "الخارج" توظيفاً تعبوياً سياسياً بعيداً عن كونه إطاراً مرجعياً وواقعاً موضوعياً لا يمكن إغفاله أو إهمال تأثيراته على حاضر مجتمعاتنا ومستقبلها، ما أظهر كثيرا من المفارقات والتناقضات في فهم دور الخارج والموقف منه، فبينما ترفض فئة مشروع الإصلاح الأمريكي، بسبب العداء لمواقف واشنطن الداعمة لإسرائيل واحتلالها العراق، ثمة حماس عندهم لمشروع أوروبي مشابه إن لم نقل مطابق ولدور أوروبي ضاغط من أجل توسيع هامش الحريات وضمان حقوق الانسان العربي!!.


   ثم إذ يجد البعض إن إشهار المهام الديمقراطية يعني التقاطع مع المشروع الأمريكي ويمكن تالياً أن يصب الماء في طاحونة واشنطن، فإن البعض الآخر يؤكد أن ما تحمله أمريكا من وعود لنشر الديمقراطية هو كذبة كبيرة وأن الإصلاح الديمقراطي هو الطريق الناجعة لكف أذى بوش وهزم مشاريعه، وهؤلاء لا يكلون أو يملون من الاستقواء بالمحنة العراقية في أحاديثهم والتأكيد على أن ما وصل إليه المجتمع العراقي بعد قمع معمم وفساد مستشرٍ كان أحد أهم العوامل التي شجعت أمريكا وحلفاءها على العدوان.


   لا يختلف اثنان أن الإصلاح الديمقراطي في مجتمعاتنا هو حاجة قديمة قدم ما تعانيه من أمراض فساد وتخلف وقهر قبل أن تطرح أمريكا مشاريعها عن التنمية والإصلاح، بل ربما يشكل هذا الإصلاح في حد ذاته، وعند الكثيرين، مطلبا وطنيا في مواجهة مطامع أمريكا ومخططاتها، لكن الإقرار بهذه الحقيقة شيء والتسليم بأن محفزات الإصلاح هي محفزات داخلية شيء آخر، إذ لوما العامل الخارجي ما كنا لنحلم أن تفكر السلطات مجرد تفكير بالإصلاح والتغيير، فالخارج هو ما كشف أزمات مجتمعاتنا وسخن مسارات الإصلاح بدءاً من دور النتائج التي خلفها " الخارج " السوفييتي وانهيار المنظومة الاشتراكية ومناخات الحرب الباردة، انتهاء بالدعوات الخارجية لنشر الديمقراطية في المنطقة وما أحدثه الاحتلال الأمريكي للعراق من جديد في توازن القوى في صالح شروط التغيير؟!.


   الاعتراف بهذه الحقائق ليس دعوة للاستقواء بالمشروع الأمريكي الشرق أوسطي أو غيره، بل محاولة للوقوف على أرض موضوعية وإعادة بناء وتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي حكمت آليات عملنا وتفكيرنا لسنين طويلة خاصة تصويب القراءات اللاموضوعية الشائعة حول علاقة الخارج والداخل.

فالتحدي اليوم لمن يرغب حقاً في اعتراض المبادرة الأمريكية ليس في توظيفها كعدو مفترض وكيل اللعنات عليها أو على دعاة الحرية وحقوق الانسان بل في تركيز كل الجهود لإطلاق حركة الإصلاح على مداها، ففي تنمية الدعوات والقوى لمشروع التغيير الديمقراطي خير رد على السياسات الخارجية المعادية، ولا ضير تالياً من الاعتراف بأن بعض ما تطرحه المشاريع الخارجية من مهام ديمقراطية هو مطلب مجتمعاتنا أيضاً وحاجة حيوية لمعالجة أزماتها، وأن الشروع في الإصلاح السياسي وتحقيق نتائج مهمة على طريق بناء المواطنة وضمان الحريات وتوسيع فرص التعددية وحقوق الانسان لا يسبب أية خسارة على صعيد شروط مواجهة الخارج بل على العكس لن تستقيم هذه المواجهة طالما يقهر الإنسان وتدمر روح المبادرة والمساواة لديه، ويفقد إحساسه بأنه يبذل ويضحي من أجل وطن حر كريم لا من أجل دوام حال الفساد والقهر والتمييز.  

التعليق