تقدم الحاشية على المتن في كتاب تاريخ القدس والخليل

تم نشره في الثلاثاء 4 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

      يؤكد محمد عدنان البخيت في عمله الذي صدر مؤخرا عن مؤسسة الفرقان في لندن وبالاشتراك مع نوفان السوارية أن المؤرخ قد يكون أكبر من مشروع الدولة، لسبب واحد مفاده؛ أن الدولة تنشغل في صناعة إطارها وهويتها وصهر أجناسها، وقد يكون للمؤرخ الدور الكبير في عملية التأطير، في حين أن اختيارات المؤرخ لدائرة اهتماماته المعرفية وعمله على تنوعها هو الأمر الذي يقدر به حجم مقاس أي مؤرخ أو باحث، ومقاس البخيت يبدو انه كبير جدا في  المشهد الأردني والعربي والإسلامي، فهو في كل سنة ورغم كل ما أشغلته به الدولة يفاجئنا بجديد، وظل قادرا على أن يوائم عبر طاقته الخارقة في العمل، بين أن يكون باحثا في مكتبه ومشرفا على الدراسات والبحوث وطلبة الدراسات العليا من دار رئاسة الجامعة التي عمل فيها في الأردنية ومؤةه وآل البيت لمدة قاربت على العقدين من الزمن.

 وهو اليوم في مكانه الذي يحب، باحث ومحقق ومدرس، نال ما أراد دون أن يخرج كما هو حال الكثير من النادبين لحالهم عند تركهم العمل العام، لينضموا في حالة من الاصطفاف السياسي الناقد والمضاد للدولة، إذ أن البخيت خرج من وظيفة الدولة ليكون في مؤسسة  للدولة عبر البحث العلمي من خلال قناة اللجنة العلمية التي يرأس العمل فيها وهي "لجنة تاريخ بلاد الشام".  وهي دنيا جميلة لطالما حلم الرجل بالتفرغ لأجلها والركون على شواطئها بعدما أبحر مع التأسيس والبناء كثيرا دون أن يتيح لمنافسيه من المؤرخين العرب أن يفرغوا الهواء من أشرعته، ليجد في حصيلة الأرشيف الذي عمل على جمعه من كل حدب وصوب الزاد الوفير.

      لأسباب كثيرة ترددت في الكتابة عن عمل البخيت والسوارية حتى لا أقع أسير المدح وحسب لاستاذ وعالم،غير أن الوفاء للبخيت ولفكرة المشروع الذي بشر به وعمل لأجله دهرا ،وهو تأسيس اتجاه قد يرقى إلى مدرسة في التاريخ الشامي، إضافة للقيمة العلمية للكتاب الذي أصدره المحققان، فإنهما يحتمان ضرورة تناول هذا الجهد بالقراءة، فهو يعرض لتاريخ مدينتي القدس والخليل في القرن الثامن عشر الميلادي، وقد دوّن الكتاب على هيئة رسالة قصيرة تقع في نحو سبعين صفحة من قبل شيخ خليلي هو محمد بن محمد بن شرف الدين المتوفى عام 1147هـ/1734م، واعتقد ان في الرسالة التي حققها علمان من أعلام التحقيق العربي في بلاد الشام اليوم الكثير من المعطيات الحضارية للمنطقة التي تتناول الـتأريخ لها.

      فبصدور هذا العمل اضحى امام الباحث المتخصص في القرن الثامن عشر مادة تمكنه من مقارنة تاريخ القدس والخليل مع غيرها من الحواضر العربية المجاورة في ذات الفترة، ومنها دمشق وحلب وطرابلس، لقد أضحت المقارنة بين تواريخ الحواضر العربية ممكنة إلى درجة مقبولة، خاصة وان المؤلف الشيخ الخليلي يبدو على صلة مع غيره من المؤرخين العرب في مدن أخرى أمثال محمد سعيد السمان في دمشق واحمد بن علي المنينيي، وأشار له الشيخ عبدالغني النابلسي المتوفى سنة 1147هـ/1730 وانه قد أفاد منه وأجازه.

المتن والحاشية
     يأخذ متن الكتاب القارئ إلى رحلة عن مؤلف عاش في القدس في منتصف القرن الثامن عشر، كما أنه يوجه الذهن إلى طبيعة الفعل التاريخي لتاريخ القدس والخليل إبان العهد العثماني، ومن خلال إثبات المحققين لموجودات مكتبة الشيخ الخليلي وعدد الكتب الموجودة فيها يمكن لنا ان نتعرف على طبيعة الثقافة المكتبية في ذلك العصر، إذ أن مكتبات الشيوخ مرآة عاكسة لأهتمامات النخبة من جهة، كما أنها تفيدنا في معرفة طبيعة السمة الثقافية لأهل المدينة والكتب الرائجة في أوساط المثقفين من جهة أخرى، ففي مكتبة الشيخ الخليلي أرقام تحتاج لتحليل غاب عن المحققين والارقام الواردة تتيح للقارئ المدقق تحليل البنية المعرفية التي خرج منها الشيخ الخليلي، فقد حوت مكتبته 34 كتابا في التفسير و104 كتب في الحديث النبوي، و30 كتابا في التوحيد و36 كتابا في النحو و35 في التاريخ و32 كتابا في التصوف، وإذا ما قورن هذا النموذج مع نموذج شامي مثلا أو طرابلسي، أمكننا التعرف على طبيعة البنيات الثقافية السائدة في إقليم الشام, وهذا ربما تتم دراسته أيضا من قناة أخرى وهي تحليل البنية المعرفية للكتب الأكثر رعاية ودعما من خلال دراسة محددات الكتب الموقوفة أو في التركات.

     عند قراءة سبب تأليف الرسالة يبدو ان المؤلف كان معجبا بأعمال قام بها وال عثماني تولى القدس اسمه الوزير رجب باشا، وقد نهض الأخير بأعمال رأى فيها المؤلف ما يستحق ان تدون وذلك بعد ما واجهت المدينة حالة من الفوضى والاضطراب، وما شهدته أوقاف الحرمين القدسي والإبراهيمي من إهمال.

 وهذا السبب في التاليف لا يحمل الجديد؛ فهو تقليد في دوافع الكتابة التاريخية في المدرسة الشامية ومثاله رسالة "البغي والتجري في ظهور ابن جبري"، كتاب ميخائيل بريك الدمشقي عن تاريخ الشام، حيث بين أن من أسباب تأليفه ظهور طائفة آل العظم.

    لكن المميز عند الخليلي هو نوعية الرسالة التي ألفها مقارنة مع أنماط التأليف في مجتمع مدينته، التي عرفت الكثير من الأنماط التقليدية، فالرسالة المُحققة تدون أوضاع أوقاف القدس والخليل وتوجه نقدا لما آلت له الأوقاف من نهب ودمار وتراجع في المدخول.

     إن القيمة المعرفية في هذا العمل لا تحسب فقط ، لشيخ دون رسالة تاريخية اظهارا لنقد أحوال محددة ،أو رغبة في أن ينال رضا وزير عثماني  جاء كي يضمن للدولة التي عينته واليا للقدس بطريق "الأربلق" أو التابيد، تحصيل ضرائبه على اكمل وجه ولذا نجده يقوم بأعمال ومبرات، بل تكمن في الحواشي التي جاءت شاملة ووافية لكل ما غمض وعجم وما اعتراه لبس أو تضليل، وقد عمل المحققان عليها مدة تزيد على العامين ونيف.

تأكيد نسبة الكتاب لمؤلفه
     كيف يمكن لسجلات المحاكم الشرعية ان تقدم دليلا على نسبة الكتاب لمؤلفه؟ (راجع صفحة من الكتاب57)، هذا السؤال يطرح في ظل تأكيد المحققين على جملة من الدلائل والمستمسكات الدالة على تأكيد نسبة الكتاب للشيخ الخليلي ،ويبدو انهما من ضمن ما اعتمدا عليه ما طابقاه من أحداث في الكتاب لما يرد من وقائع في السجلات الشرعية وهذا دليل لا يحتج به من قبل مؤرخ مثل البخيت او السوارية، لكن البخيت يبدو انه فطن لذلك  إذ يعود إلى الانتباه لهذا المثلب حين يبين بأنه لجأ إلى مقارنة خط المخطوط مع مؤلفات جُزم بتأليفها للشيخ الخليلي،  والاستدلال بالاحتكام لنوع الخط هو أحد المستمسكات التي يؤخذ بها، وبهذا يدحض المحققان أي غمز قد يأتي بصحة نسبه المخطوط للشيخ الخليلي.

     تكمن أهمية الكتاب في كونه منهلا لدراسة واقع الأوقاف في حاضرة عربية وإسلامية في العهد العثماني، إذ نقل مشاهد المعاناة اليومية من عسف وتجبر الولاة في جمع الضرائب ووفر مصدرا جديدا عن تاريخ القرن الثامن عشر المقارن في مجال الحياة اليومية. وشكل وطبيعة إدارة الدولة، والكتاب يبين واقع التكوينات المجتمعية ويتضمن بعض المعلومات عن التحالفات المحلية القبلية كما يقدم وصفا للظروف العمرانية للحرم القدسي والحرم الإبراهيمي من حيث البناء والإدامة.

      يكمن جديد الكتاب في مضامين الأبواب الخمسة الأولى التي تعرض لمختلف أحوال  الحرمين في القدس والخليل، وبخاصة الباب الخامس الذي يحمل عنوان "بيان ما فعله – والمقصود رجب باشا-  من الخيرات عموما في جميع ولاية القدس الشريف، وما يتبع ذلك من الأمن وسلوك الطرقات والرخاء والدعاء"، أما الباب السادس فلا جديد فيه .


الموقف من العثمانيين
     ينجلي موقف المؤلف من الدولة العثمانية وهو ما لم يلتفت له المحققان في الدراسة التي سبقت النص علما انه يظهر في صفحة 132 بقوله: وعمدت الدولة العثمانية أيدها رب البرية في كل بكرة وعشية"، فهو د اعٍ لها، ولا يظهر أي نقد بصورة ندب أو تحسر من سؤء ألاوضاع ولا يحمل السطان العثماني مسؤولية ذلك، فيعود بالدعاء للسلطان في موقع آخر،  لكن ذلك لا يعني عدم ملاحظته لسوء أحوال مجتمعه التي نجده يشير لها، وهنا لا نجزم بانعدام النقد فذكر الأحوال وتصوير بما بها من سوء هو محاولة نقد بحد ذاتها، بيد أنه يمكن القول أن الحس النقدي لم يكن عاليا لدى المؤلف.
 
     يلاحظ في الحوارية التي دارت بين الوالي والشيخ عدم ذكر الأسماء وهذا يثير سؤال آخر عن هذا الإبهام- يذكر المؤلف أن الوالي خاطبه بقوله: فقال لي يا شيخ ..." هنا راجع صفحة 140- وفيها يعمد الوالي إلى إظهار محاسن الدولة العثمانية بقوله -أي الوالي -: أنا نقطة في بحر السلطنة ولو أطلعت على ما تفعله السلطنة من المبرات والصدقات  والإحسانات والرأفة والشفقة والحنو والدعاء للرعايا والخوف عليهم وانتقامهم من الظلمة ونصرتهم للمظلوم لرأيت أمرا عظيما ومقاما وسيما".

     كان ذلك ما لهج به الوالي معبرا عن دور السلطنة العثمانية في حمل همّ الرعية، هذا النص كان يدون والناس جياع أرهقتهم سياسات الولاة، وهو يقدم صورة عن دور الولاة في رسم العلاقة بين الدولة ورعاياها في زمن كانت الفوضى تدب في أوصال الدولة العثمانية وكانت تستهدف فيه العودة لهيبتها الضائعة في القرن السادس عشر. انظر صفحة 140.
*استاد التاريخ والحضارة/ جامعة فيلادلفيا.
الكتاب:تاريخ القدس والخليل
تأليف:الشيخ محمد بن محمد الخليلي
الناشر:مؤسسة الفرقان/لندن
حققه وكتب مقدمته وحواشيه ووضع فهارسه محمد عدنان البخيت ونوفان رجا السواريه عدد الصفحات447

التعليق