تم نشره في الأحد 18 أيار / مايو 2014. 12:00 صباحاً
  • لقطة من فيلم بثته حركة "بوكو حرام" للطالبات اللواتي اختطفتهن في نيجيريا - (أرشيفية)

غوردون براون*

لندن- اختطاف أكثر من 200 تلميذة في شمال نيجيريا على يد المجموعة الإرهابية بوكو حرام هو عمل قبيح ومشين. ومن المحزن أن هذه الواقعة ليست سوى أحدث معركة في حرب وحشية تشن ضد حق أساسي لا بد أن يكون مكفولاً لجميع الأطفال، وهو الحق في التعليم. وهذه الحرب عالمية، كما تشهد أحداث لا تقل بشاعة وترويعاً، والتي تجري في باكستان وأفغانستان والصومال.
في مختلف أنحاء العالم، وقع نحو عشرة آلاف هجوم عنيف على المدارس والجامعات في السنوات الأربع الماضية، وفقاً لتقرير صادر عن التحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات. والأدلة وافرة بقدر ما هي مؤلمة ومروعة، من مقتل 29 تلميذاً على أيدي مسلحين يشتبه في انتمائهم إلى بوكو حرام في ولاية يوبي النيجيرية في وقت سابق من هذا العام، إلى إرغام تلاميذ المدارس في الصومال على الانخراط في الجندية، إلى تعرض صبية مسلمين للهجوم من جهة قوميين عرقيين بورميين بوذيين في ميانمار، فضلاً عن تلميذات المدارس في أفغانستان وباكستان اللاتي يقتلن بالقنابل الحارقة والرصاص والسم على أيدي منتمين إلى حركة طالبان عقاباً لهن على جرأتهن وسعيهن إلى الحصول على حقهن في التعلم.
ليست هذه أمثلة منعزلة على الأطفال الذين يقعون في تقاطع مرمى النيران؛ فهذا هو ما يحدث عندما تصبح الفصول المدرسية هدفاً فعلياً لإرهابيين ينظرون إلى التعليم باعتباره تهديدا. (الواقع أن "بوكو حرام" تترجم حرفياً إلى: إن التعليم "الزائف" أو "الغربي" مُحَرَّم). وفي ما لا يقل عن ثلاثين دولة، هناك نمط متسق من الهجمات التي تشنها مجموعات مسلحة. والبلدان الأكثر تضرراً بهذه الهجمات هي أفغانستان وكولومبيا وباكستان والصومال والسودان وسورية.
تكشف مثل هذه الهجمات بوضوح صارخ أن توفير التعليم لا يدور حول الألواح الصفية والكتب والمناهج الدراسية فحسب. فالمدارس في مختلف أنحاء العالم، من أميركا الشمالية إلى شمال نيجيريا، تحتاج الآن إلى خطط تأمين لضمان سلامة تلاميذها وزرع الثقة لدى الآباء والمجتمعات.
في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي انعقد في أبوجا عاصمة نيجيريا مؤخراً، قمت بالتعاون مع شركاء من قطاع الأعمال والمجتمع المدني بإطلاق برنامج لضمان سلامة الأطفال الشخصية في المناطق حيث التهديدات التي يتعرضون لها حقيقية ومباشرة. وسوف تجمع مبادرة المدارس الآمنة بين الخطط المدرسية المجتمعية واتخاذ تدابير خاصة لحماية الأطفال الذين يذهبون إلى نحو خمسة آلاف مدرسة ابتدائية وثانوية في المناطق الأكثر عُرضة للخطر.
وسوف تتضمن الخطة في التعامل مع المدارس الفردية تعزيز البنية الأساسية الأمنية، والتخطيط والاستجابة، وتدريب العاملين، وتقديم المشورة للطلاب وأفراد المجتمع. وعلى مستوى المجتمعات المحلية، سوف يتم تشكيل لجان تعليم تضم الآباء والمعلمين والمتطوعين، فضلاً عن تكوين وحدات دفاع خاصة تتألف من المعلمين والطلاب والآباء والتي تكون مهيأة للاستجابة السريعة للتهديدات.
لقد أظهرت تجارب بلدان أخرى تتصارع مع تهديدات مماثلة أنه من الأهمية بمكان إشراك الزعماء الدينيين رسمياً في تشجيع وحماية التعليم. ففي أفغانستان، وبالتعاون مع مجالس الشورى ولجان الحماية المحلية، يستخدم الأئمة الذين يحظون باحترام مجتمعاتهم خطبة الجمعة لرفع مستوى الوعي بين الناس حول أهمية التعليم في الإسلام.
وفي بيشاور بباكستان، في إطار برنامج تدعمه منظمة اليونيسيف، يتحدث كبار رجال الدين الإسلامي حول أهمية التعليم وإعادة التلاميد والطلاب إلى المدرسة. وفي الصومال، يتحدث كبار رجال الدين في برامج الإذاعة العامة في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، وقاموا بزيارة المدارس ونددوا بتجنيد الأطفال في منظمات مسلحة.
في بلدان مثل نيبال والفلبين، ساعدت المفاوضات التي تجري في المجتمعات المحلية في تحسين الأمن وإبعاد السياسة عن الفصول المدرسية. وفي بعض المجتمعات، جلس المنتمون إلى مجموعات سياسية وعرقية متنوعة معاً واتفقوا على إنشاء "مناطق مدارس آمنة". وقد كتبوا ووقعوا على مدونات لقواعد السلوك تنص على المسموح به وغير المسموح به على أرض المدرسة، من أجل منع العنف وإغلاق المدارس وتسييس التعليم. وبشكل عام، وفت الأطراف الموقعة بالتزاماتها، فساعدت المجتمعات على الإبقاء على المدارس مفتوحة وتحسين سلامة التلاميذ وتعزيز الإدارة المدرسية.
لكن الملايين من الأطفال في مختلف أنحاء العالم مبعدون عن المدرسة. وليست هذه مجرد أزمة أخلاقية؛ فهي أيضاً فرصة اقتصادية ضائعة. في أفريقيا على سبيل المثال، يشكل التعليم أهمية بالغة بشكل خاص مع تحول اقتصادات القارة على نحو متزايد من الاعتماد على استخراج الموارد إلى صناعات قائمة على العلم والمعرفة. وتوفير البيئة الآمنة للتعليم هو الخطوة الأولى والأكثر أهمية وإلحاحاً نحو حل أزمة التعليم العالمية.



*رئيس وزراء بريطاني ووزير خزانة بريطاني سابق، وهو مبعوث الأمم المتحدة الخاص لشؤون التعليم العالمي.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سينديكيت".

التعليق