تحليل اقتصادي

عندما ينضب معين المال السهل

تم نشره في الخميس 30 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً

ريتشارد كوبر؛ ريتشارد دوبس*
لندن ـ لقد غذى رحيل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بن برنانكي التكهنات حول توقيت وكيفية تقليص بنك الاحتياطي الفيدرالي وغيره من البنوك المركزية لمشترياتها البالغة الضخامة من الأصول الطويلة الأجل، والتي تعرف أيضاً بالتيسير الكمي. فيستغل المراقبون كل شذرة من البيانات الاقتصادية للتكهن بمدى استمرار برامج التيسير الكمي أو تسارع تراجعها. ولكن لابد من تكريس قدر أعظم من الاهتمام للتأثير الذي قد تخلفه أي من النتيجتين على مختلف المشاركين في الاقتصاد.
إن حجم برامج التيسير الكمي ليس موضع شكل. فمنذ بداية الأزمة المالية، استخدم بنك الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي وبنك انجلترا وبنك اليابان التيسير الكمي لضخ أكثر من 4 تريليون دولار من السيولة الإضافية إلى شرايين اقتصاداتها. وعندما ينتهي العمل بهذه البرامج فإن الحكومات وبعض الأسواق الناشئة وبعض الشركات قد تصبح عُرضة للخطر. وينبغي لها أن تتوخى الحذر.
يشير بحث أجراه معهد ماكينزي العالمي إلى أن أسعار الفائدة المنخفضة وفرت لحكومات الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية ما يقرب من 1.6 تريليون دولار أميركي في الفترة من 2007 إلى 2012. وقد ساعدت هذه الوفرة غير المتوقعة في زيادة الإنفاق الحكومي والإقلال من تدبير التقشف. وإذا عادت أسعار الفائدة إلى مستويات عام 2007، فإن مدفوعات الفائدة على الدين الحكومي قد ترتفع بنسبة 20%، في حال بقاء العوامل الأخرى بلا تغيير.
والواقع أن حكومات الولايات المتحدة وبلدان منطقة اليورو معرضة للخطر بشكل خاص في الأمد القريب، لأن متوسط استحقاق الديون السيادية 5.4 سنوات فقط في الولايات المتحدة ونحو 6 سنوات في منطقة اليورو. والمملكة المتحدة في وضع أفضل، حيث متوسط الاستحقاق 14.6 سنوات. مع ارتفاع أسعار الفائدة يصبح لزاماً على الحكومات أن تحدد ما إذا كانت زيادة الإيرادات الضريبية أو تدابير التقشف مطلوبة للتعويض عن الزيادة في تكاليف خدمة الديون.
وعلى نحو مماثل، وفرت الشركات غير المالية الأميركية والأوروبية 710 مليار دولار بفضل انخفاض مدفوعات خدمة الديون، وبالتالي تعزيز أسعار الفائدة البالغة الانخفاض للأرباح بنحو 5 % في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وبنحو 3 % في منطقة اليورو. وسوف يختفي مصدر نمو الأرباح هذا مع ارتفاع أسعار الفائدة، وسوف تحتاج بعض الشركات إلى إعادة النظر في نماذج الأعمال ــ على سبيل المثال، الأسهم الخاصة ــ التي تعتمد على رأس المال الرخيص.
كما استفادت الاقتصادات الناشئة من القدرة على الوصول إلى رأس المال الرخيص. فقد تضاعفت مشتريات المستثمرين الأجانب من سندات الأسواق الناشئة السيادية وسندات الشركات إلى ثلاثة أمثالها تقريباً من 2009 إلى 2012، لكي تبلغ 264 مليار دولار. وكانت بعض هذه الاستثمارات تمول في البداية عن طريق الاقتراض في البلدان المتقدمة. ومع انتهاء العمل ببرامج التيسير الكمي فإن بلدان الأسواق الناشئة قد تشهد تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج.
وعلى النقيض من هذا، خسرت الأسر في الولايات المتحدة وأوروبا 630 مليار دولار من صافي الدخل من الفوائد نتيجة للتيسير ا لكمي. وهذا من شأنه أن يلحق الضرر بالأسر الأكبر سناً التي تمتلك أصولاً كبيرة تعتمد على الفوائد، في حين يفيد الأسر الأصغر سناً التي تعتبر مقترضة صافية.
ورغم أن الأسر في العديد من الاقتصادات المتقدمة خفضت من أعباء الديون المستحقة عليها منذ بدأت الأزمة المالية، فإن إجمالي ديون الأسر في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأغلب بلدان منطقة اليورو ما يزال أعلى كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي (وبالأرقام المطلقة) مما كان عليه قي العام 2000. وما تزال أسر كثيرة تحتاج إلى خفض ديونها إلى مستويات أدنى وسوف تتضرر بفعل ارتفاع أسعار الفائدة فيما تحاول القيام بذلك.
وقد تأثرت بعض الشركات أيضاً بالتيسير الكمي وسوف تحتاج إلى اتخاذ الخطوات المناسبة إذا ظلت مثل هذه السياسات قائمة. والواقع أن العديد من شركات التأمين على الحياة والبنوك تتلقى ضربات موجهة بسبب انخفاض أسعار الفائدة. وكلما ظلت برامج التيسير الكمي قائمة لفترة أطول كلما أصبحت هذه الشركات أكثر عُرضة للخطر. وتتفاقم صعوبة الوضع بشكل خاص في بعض البلدان الأوروبية. فشركات التأمين التي تقدم لعملائها منتجات مضمونة السعر على الفائدة تجد أن العائدات على السندات الحكومية أدنى من المعدلات التي تُدفَع للعملاء. ومن المؤكد أن عِدة سنوات أخرى من أسعار الفائدة المنخفضة للغاية من شأنها أن تجعل العديد من هذه الشركات أكثر عُرضة للمخاطر. وعلى نحو مماثل، خسرت البنوك في منطقة اليورو ما بلغ مجموعه 230 مليار دولار من صافي الدخل في الفترة 2007-2012. وإذا استمر التيسير الكمي فإن العديد من هذه البنوك سوف تضطر إلى البحث عن سبل جديدة لتوليد العائدات وإلا فإنها قد تواجه عمليات إعادة هيكلة كبرى.
وقد نشهد أيضاً عودة فقاعات أسعار الأصول في بعض القطاعات، وخاصة القطاع العقاري، إذا استمر التيسير الكمي. في العام 2013 لاحظ صندوق النقد الدولي بالفعل وجود "علامات تشير إلى فرط النشاط في أسواق العقارات" في أوروبا وكندا وبعض اقتصادات الأسواق الناشئة. وفي المملكة المتحدة أعلن بنك إنجلترا أنه يعتزم إنهاء خططه لتمويل قروض الرهن العقاري في شهر شباط (فبراير)، الأمر الذي سمح للمقرضين بالاقتراض بأسعار فائدة منخفضة للغاية في مقابل تقديم القروض.
لا شك أن برامج التيسير الكمي وأسعار الفائدة البالغة الانخفاض خدمت غرضاً محددا. فلو لم تتحرك البنوك المركزية بشكل حاسم لضخ السيولة إلى شرايين اقتصاداتها، فإن العالم كان ليواجه نتائج وخيمة. وكانت الأنشطة الاقتصادية والأرباح التجارية لتصبح أدنى كثيرا، وكان العجز الحكومي ليصبح أعلى كثيرا. وعندما ينحسر الدعم النقدي أخيراً فإن هذا سوف يكون مؤشراً يدلل على قدرة التعافي الاقتصادي على تحمل أسعار الفائدة الأعلى.
ولكن يتعين على كل الأطراف رغم ذلك أن تفهم كيف قد يؤثر إنهاء التيسير الكمي عليها. فبعد أكثر من خمسة أعوام، عمل التيسير الكمي على ترسيخ التوقعات باستمرار أسعار الفائدة الحقيقية المنخفضة أو حتى السلبية ــ والتي تعمل على نحو أشبه بمسكنات الألم التي قد ندمنها وليس المضادات الحيوية القوية، على حد تعبير أحد المعلقين. ويتعين على الحكومات والشركات والمستثمرين والأفراد الآن أن ينفضوا عنهم هذا الشعور بالرضا عن الذات وأن يتبنوا نهجاً أكثر انضباطاً في الاقتراض والإقراض استعداداً لنهاية ــ أو استمرار ــ التيسير الكمي.

*ريتشارد كوبر أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة هارفارد. وريتشارد دوبس مدير معهد ماكينزي العالمي.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق