نهاية فلسطين؟ مقابلة مع نورمان فنكلستاين

تم نشره في الاثنين 27 كانون الثاني / يناير 2014. 02:00 صباحاً
  • الرئيس الفلسطيني محمود عباس يلتقي وزير الخارجية الأميركي جون كيري في رام الله بداية الشهر الحالي - (أ ف ب)

موقع "مشروع اليسار الجديد" (2014/1/11)

جيمي ستيرن-واينر *

عمان - الغد-  مرة أخرى، يعود وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، إلى الشرق الأوسط هذا الأسبوع لإجراء محادثات مكثفة مع المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين، إضافة إلى لاعبين إقليميين آخرين. وحسب ما تم تداوله إعلامياً، وبشكل موسع، فإن كيري يسعى إلى التوصل إلى "اتفاقية إطار"، يتم التوافق عليها كمقدمة لحل نهائي للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.
وقد ناقشت مع نورمان فينكلستاين الذي شارك معين رباني في تأليف كتاب "كيف يحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني" (وكتب عدة لاحقة)، بشأن ما يتعلق بهذه المفاوضات وأهميتها ونحن ندخل مرحلة حاسمة من النضال الفلسطيني الطويل من أجل نيل حق تقرير المصير.

• في معرض سؤالي له عن تقديراته لما وصلت إليه الجهود الدبلوماسية الحالية في ضوء ما دأب على إطلاقها مؤخراً من تنويهات، بأن المحادثات الإسرائيلية-الفلسطينية الحالية، بوساطة وزير الخارجية الأميركية جون كيري، تختلف عن سابقاتها من مفاوضات؛ من حيث قدرتها على ابتكار صفقة لحل هذا الصراع، وقدرة هذه الصفقة على محاكاة الشروط التي طالما تشددت إسرائيل في وضعها أمام أي حل للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. أجاب فينكلستاين:
-عما قريب، سيتم التوصل الى "اتفاقية إطار". أما بشأن الحل النهائي، فأغلب الظن أنه سيتم التوقيع عليه خلال الأشهر الست الأخيرة من ولاية باراك أوباما الرئاسية. في بادئ الأمر، وعندما تم الإعلان عن خطوات كيري، كنت وحيداً في تفاؤلي حيال إمكانية إحرازه لأي تقدم.
أما الآن، فإن تفاؤلي هذا أكثر قبولاً. فكثير من المعلقين الإسرائيليين المعتبرين يأخذون أمر التوصل إلى اتفاق ما على محمل الجد، وأن التوصل لهذا الاتفاق ما هو إلا مسألة وقت فقط.
في الأسابيع القليلة الماضية، تركزت جهود كيري على متطلبات إسرائيل، وأولها: التواجد العسكري الإسرائيلي الدائم في غور الأردن؛ وثانيها: اعتراف الفلسطينيين "بالدولة اليهودية". وسوف يناقش الفلسطينيون صفقة تحفظ ماء الوجه بما يتعلق بغور الأردن، عبر تواجد ثنائي إسرائيلي-أميركي لفترة محدودة.
وقد تم حل موضوع غور الأردن، وبشكل أساسي، في مفاوضات أنابوليس العام 2008. وقد أثار رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، المسألة مجدداً ليدعي لاحقاً أنه قدم "تنازلات توجع القلب" (والإسرائيليون بارعون في "التنازل" عن أمور ليس لها عنوان في المقام الأول)، وذلك عبر السماح بتواجد إسرائيلي-أميركي مؤقت على طول الحدود.
إن غور الأردن لا يشكل أي قيمة استراتيجية. وهذه حكمة متفق عليها منذ سنوات طوال، يسلم بها دنيس روس، وهو من أشد الموالين لإسرائيل.
أما فيما يتعلق بموضوع "يهودية الدولة"، فمن المرجح أن تتضمن الاتفاقية معادلة ما لحلها؛ من قبيل: إسرائيل دولة للشعب اليهودي ومواطنيها، كما ودولة فلسطين هي دولة للشعب الفلسطيني ومواطنيها. وبهذا، تتوافر أدوات الحماية القانونية لمواطني إسرائيل من الفلسطينيين، لكن بما ينفي حق العودة للاجئين الفلسطينيين، والذين هم أهم ما يقلق إسرائيل. في المقابل، يستطيع الرئيس محمود عباس ادعاء النصر بسبب ضمانه لحقوق الفلسطينيين المتواجدين في إسرائيل.
كل الأمر شيطاني بحيثياته. فالإسرائيليون -بتواطؤ أميركي نشط وخبيث، بطبيعة الحال- تمكنوا من حرف مسار النقاش وتغيير شكل جدول الأعمال. فكل ما يتم الحديث بخصوصه الآن هو يهودية الدولة وغور الأردن، وهما أمران لم يكونا قط موضع طرح أو توافق الآراء الدولية المطالبة بحل للصراع (وحتى في المفاوضات الثنائية السابقة برعاية أميركية كما هي الحال في أنابوليس، فإن هاتين المسألتين كانتا ثانويتين حينها). فيما القضية الجوهرية (إضافة لقضية اللاجئين)، وحسب الإجماع العالمي، فكانت تتعلق بالأراضي المتبادلة على طول الحدود؛ فهل يسمح لإسرائيل باقتطاع وضم أراضي المستوطنات الرئيسية، وبالتالي إفشال قيام دولة فلسطينية؟
النقاش بشأن هذا الأمر تم تجاوزه، لأن ضم المستوطنات الكبرى قد تم وأنجز، ولم يعد بنداً على جدول النقاش. ومن المرجح إذن أن يتناول اتفاق الإطار تبادلا للأراضي على مبدأ نسب مئوية، وبالتلميح بشكل أساسي -وبحسب معايير كلينتون- للكتل الاستيطانية الرئيسة التي ضمتها إسرائيل، من دون إفشاء أي تفاصيل أخرى ذات عمق أو مغزى.
وما يثير الغرابة أن كل المباحثات التي دارت رحاها خلال الأسابيع القليلة الماضية، لم تتطرق لأي من المستوطنات المفصلية؛ مثال مستوطنة معاليه أدوميم بوصفها الكتلة الاستيطانية الأكبر حجماً التي تقسم الضفة الغربية إلى نصفين غير متصلين. وسبب ذلك أن أمر هذه الكتل الاستيطانية كان قد تم البت فيه وحل الإشكال بخصوصه لصالح إسرائيل.
• وماذا عن الصفقة النهائية التي ستأتي فيما بعد؟
- ما يزال هناك الكثير من التسييس لما يجب القيام به، وكثير من التسويق، وكثير من الهستيريا في إسرائيل، كما جرت العادة. وهناك أيضا مكان لإنجازات تصلح لاحتفاليات منح جوائز الأوسكار. ومشوار التوصل إلى حل نهائي سوف يستغرق السنوات الثلاث المتبقية من ولاية باراك أوباما، مع ذروة يتم بلوغها في قمة شبيهة بقمة كامب ديفيد (فأوباما كذلك من محبي الدراما، ولربما يقوم منذ الآن بتأليف خطاب الافتتاح لهذه القمة، ويفكر ملياً بأي من سترات الاحتفاء السوداء سيرتدي).
إحدى أهم النقاط الشائكة التي تعيق التوصل لاتفاق، حسب رأيي، هي ليست التفاصيل، لأن التفاصيل جميعها معروفة للجميع. لذلك، فإن ضم إسرائيل للكتل الاستيطانية الكبرى، وإلغاء حق العودة، هما أهم العوائق التي ستؤدي إلى تعثر التوصل لأي اتفاق. وإذا ما قمنا بتأريخ الصراع عودة الى وعد بلفور العام 1917، فسنكون بصدد الحديث عن صراع عمره قرن من الزمان. وحين يحتمل صراع ما هكذا وقتا طويلا من الحمائية، يقوم عدد كبير من الأشخاص والمؤسسات بتطوير مصالح متشابكة، ليس في حل الصراع ذاته، وإنما في إطالته؛ أو ما يسمى الآن صناعة السلام.
فالكثيرون الآن تستهلكهم مخاوف احتمال نهاية صراع قرن كامل من التاريخ. وحتى التفكير في احتمالية نهاية الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني يهز القلوب. كل قرارات الأمم المتحدة تلك، واللجان المتخصصة، والمؤسسات غير الحكومية في رام الله، كما جمعيات حقوق الإنسان الإسرائيلية، وجميع طروحات حل الصراع، وتقارير الأزمات الخاصة، والبرامج الأكاديمية التي تم التأسيس عليها لإضفاء الشرعية على السياسات الإسرائيلية (والتي لا يتمتع أي منها بمحتوى ذي قيمة فكرية، في حين أن معظمها قد تم تحضيره بتمويل من قبل عائلات يهودية يمينية ثرية)، وأيضا كل مهرجانات الأفلام والدراسات الأكاديمية والمذكرات و"قصائد الشعر"؛ وكذلك الأمر بشأن جميع نشاطات التضامن الفلسطينية، والجماعات والجمعيات والمواقع الإلكترونية والأبحاث والتحليلات.. والتي تم تشييدها على خلفية الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، كل ما سبق كما يبدو بمثابة عقبات أمام اتفاقية يتقدمها الخوف والقشعريرة على كلا الجانبين.
• لكن القصور الذاتي لهكذا اتفاقية لربما يؤخر تحقيقها، لكنه لن يمنعها؟
- أنا اتفق معك.
• وماذا يفعل كيري ليحصد الدعم الكافي لاتفاقية ما؟
- قام معين رباني، بصفته محللا سياسيا فلسطينيا، بملاحظة الهوة الكبيرة بين الرئيس كلينتون ووزير الخارجية كيري؛ إذ قام كلينتون بتجاهل الجميع خارج الولايات المتحدة، وتخيل أن بمقدوره منفرداً ومن دون مساعدة أحد من الخارج، أن يكون صانعاً للملوك. على الجهة المقابلة، يتعمد كيري التمتع بطرازه الخاص في جمع الكل في طابور مستقيم، كالسعودية وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي، وبالتالي محاصرة الفلسطينيين. وكذلك هي الحال بالنسبة للإسرائيليين، لكن بدرجة أقل، لأنها شروط إسرائيل التي يتم فرضها للحل النهائي.
فالأوروبيون يقومون بدور شد الحبال هنا. وكل يوم نجد تقريرا جديدا يتعلق بمبادرة شخصية أو مجموعة أو جمعيات أوروبية، تدفع بعلاقاتها مع كيانات إسرائيلية باتجاه القطيعة على خلفية الاستيطان غير الشرعي.
وبتقديري أن جميع التهديدات لإسرائيل القادمة من أوروبا، هي بتنسيق مع كيري، والهدف منها نقل رسالة ليست موجهة للحكومة الإسرائيلية على وجه التحديد، بل لإسرائيل بكافة قواعدها. وفحوى الرسالة أنه لا مستقبل لمشاريع الاستيطان خارج الجدار.
• وماذا عن مختلف الدول العربية؟
- إن القضية الفلسطينية، على الأقل مؤقتاً، باتت في حكم الميتة كمحرك فعال في العالم العربي والإسلامي. ومن السهل بمكان لأميركا الآن أن تأتي بالسعودية وتركيا ومصر وإيران على متن الحل، أو أن تجعلها تنحي بفلسطين جانباً.
فإيران لم تتفوه بشيء فيما يتعلق بمفاوضات كيري حتى الآن، ولربما لا يهمها الأمر كثيراً. وسورية أصبحت عنصراً غير فاعل. ومصر تلعب دوراً شائناً، لكن بإيجابية؛ من أجل خلع "حماس" عبر تجويع الغزيين. أما السعودية، فقد أيقنت أنها إن لعبت مع أميركا فيما يتعلق بقضية فلسطين، فإنها لربما تحقق نقاطاً لمصلحتها مع أميركا فيما يتعلق بقضيتي سورية وإيران. أما تركيا، فلها أجندتها الخاصة، كما كانت عليه الحال لحين من الزمن (مثال سفينة مرمرة)، لكنها لم تعد تكترث للأمر، بما في ذلك فلسطين. فتركيا منهمكة بخطأ أردوغان الفادح في سورية، وهمومه المتعلقة بالتقارب الأميركي-الإيراني، الأمر الذي قد يؤدي إلى خسران تركيا بعضا من منافع موقعها الإقليمي، وتطلعات أردوغان للإمبراطورية العثمانية المتجددة.
تبوأت قضية فلسطين أهمية سياسية في العالمين العربي والإسلامي بسبب صدى رنينها في الشارع العربي والإسلامي. لكن عامة الناس لا تهتم لها كثيراً في الوقت الحاضر. ذلك أن اهتمام عامة الناس منصب على مآسي أخرى غير فلسطين، كسورية على سبيل المثال. وفي أماكن أخرى، كليبيا مثلاً، حيث كان الليبيون يمنحون فلسطين شيئاً يسيراً من قوتهم، فمن الواضح أن هناك كثيراً مما يشغل بالهم في الوقت الراهن.
ليس كيري عبقريا، لكنه بذكاء كبير قام بتهيئة المكان حين توافرت اللحظة المثلى لفرض تسوية على الفلسطينيين.
• من المثير للانتباه حفاوة الجميع بأفيغدور ليبيرمان وزير الخارجية الإسرائيلي. فجأة، هو النجم الساطع في واشنطن، ووزير الخارجية البريطاني سيلتقي به.. إلخ.
- ليبرمان كالسكين التي تقطع بالاتجاهين؛ فهو يريد أن يصبح رئيس وزراء إسرائيل التالي. لذلك، هو التوقيت المناسب ليخلع من على كتفيه رداء حارس النوادي الليلية (صحيفة النيويورك تايمز نشرت تقريراً عن أن ليبرمان يقوم بقراءة مجلدات كتب كبيرة تتعلق بالتاريخ، في حين يستغل عطل نهاية الأسبوع لممارسة الباليه في البولشوي)، ليتقلد شخصية رجل الدولة بمسؤولية. لذلك، فهو سيذهب مع كيري إلى نهاية المطاف. وقد باشر الأسبوع الماضي إطلاق إشارات على ذلك لمجالسيه ومشجعيه. كذلك، بدأ بالحديث عن تهجير فلسطينيي إسرائيل للدولة الفلسطينية الجديدة. لكن ذلك لن يجديه نفعاً، لأنه سيشكل خرقاً فاضحاً لأبسط قواعد القانون الدولي، عبر تعديلات حدودية تهدف إلى استبعاد الأقليات غير المرغوب فيها. و هذا أمر لن يقبل به أحد.
• ما هي درجة جدية خطوات "حماس" للتقارب مع "فتح"، وإنهاء الخلافات بينهما؟
- أحد الاحتمالات أن السلطة الفلسطينية تلعب لعبة سخيفة، عبر تهديد الولايات المتحدة وإسرائيل بالقول: "إن لم تأتوا إلينا، فسنذهب نحن للوئام مع حماس، ولن نتعامل معكم بعدئذ".
أما الاحتمال الثاني، فهو أن حماس ترغب بجزء من الكعكة. لذلك، سيتم تشكيل حكومة وحدة وطنية تضمن لحماس شيئاً في الحل النهائي.
أما الاحتمال الثالث، وبحسب معين رباني، وهو من المرجح، فإن عباس يرغب في تحييد "حماس" عبر استقدامها إلى ظهر القارب. بالتالي، يقوي ادعاءه بتمثيل جميع الفلسطينيين، وينقذ حماس أيضا من برد عريها القاسي، وبالأخص في ضوء علاقاتها الكارثية مع مصر.
• ما هي قدرة اتفاقية الإطار على إلزام الفرقاء مستقبلاً؟
- ليس من شيء مضمون هنا. لكن ما يجري سيخلف قدراً كبيراً من العزم خلفه، والمد سيصبح من الصعب إيقافه. وحتى تأخذ كل القطع مكانها من الأحجية، فسوف تكون هناك حاجة لتآلف حكومي إسرائيلي جديد، كحكومة وحدة وطنية بزعامة نتنياهو. واستطلاعات الرأي في إسرائيل تبين أن هناك تأييداً من أغلبية الإسرائيليين لمقترحات كيري.
سوف يتم إخلاء الخليل. بالطبع، سيكون هناك نواح إسرائيلي بسبب ذلك، لكن لن يكون من الصعب إخماده. ما يلزم لفعل ذلك لا يتعدى إنسحاباً للجيش الإسرائيلي، والقول للأربعمائة مستوطن يهودي: "تريدون البقاء؟ يمكنكم البقاء لوحدكم، ضمن 150 ألف مسلم".
• هل للقيادة الفلسطينية قدرة على المقاومة؟
- لا أستطيع، ولما بقي من حياتي، رؤية كيف للفلسطينيين أن يتخلصوا مما هم فيه في هذه اللحظة. هناك قوى سياسية واسعة تدعم خطوات كيري، بما لا يتيح للفلسطينيين من مخرج. عباس وصديقه صائب عريقات يلعبون أدوار الشرطي الجيد والشرطي السيئ. عباس يقول: "نعم، هذه الاتفاقية قد تؤدي مفعولها"، وعريقات يهمس للإعلام: "هذه الاتفاقية سيئة، بل وسيئة جداً". ويعتقد عريقات بذكاء ما يفعل، وأنه يضغط على الأميركيين، لكن ليس هناك على وجه الكرة الأرضية من يكترث لما يقوله عريقات.
الفلسطينيون محشورون في زاوية؛ هم معزولون. وعندما تكون في وضع يائس، تحاول لعب أقوى أوراقك. فالقيادة الحكيمة بادئ ذي بدء تحاول التواصل مع جمهورها من الفلسطينيين قائلة: "نحن في متاهة معتمة، لقد تم هرسنا وتم قمعنا. نحن بحاجة لكم، نحن بحاجة لتجنيد كافة مواردنا واحتياطاتنا للمواجهة والتحدي". وثانياً، يمكن للقيادة الفلسطينية التضرع لمؤيديها في الخارج بالقول: "نحن على وشك أن نضرب فنهلك، نحن بحاجة لمساعدتكم". لا يمكنني القول إن ما سبق يمكنه أن يحرك الموج. لكن، وكما تدري، فللقضية الفلسطينية رنين كبير، ولها قدر كاف من التعاطف في الخارج، بحيث إن تجرأ الفلسطينيون على القول "نحن نواجه لحظة الحقيقة الآن، فنحن على وشك الانقراض"، فلربما وبالتوازي مع انتفاضة جماهيرية فلسطينية عظيمة، يمكنهم فعل شيء قد يكون مؤثراً. لكن القيادة الفلسطينية غير كفوءة، في حين أن مناصري فلسطين في الخارج لا يتصرفون بحكمة وذكاء. هم يعتقدون أن القضية الأهم حالياً هي قضية التصويت التي تمت في رابطة الدراسات الأميركية الهادفة لمقاطعة إسرائيل، والمناظرة الخاصة بفضائل الحرية الأكاديمية في مؤتمر رابطة اللغات الحديثة. لكن ذلك يتعلق بالتضامن مع الدولة الفلسطينية. فهم يمضون قدماً كما لو أن خطوات كيري هي عبارة عن استعراض لا معنى له؛ كشيء يمكن تجاهله دونما خطر.
حسب تقدير معين رباني وتقديري، عما إذا كان الجدار غير قانوني أو أنه يشكل حدوداً قانونية، فتلك مسألة تعني الكثير، لماذا؟ لأنها تحول ما يعتبر بأنها مستوطنات يهودية غير قانونية الى بلدات إسرائيلية قانونية، فإسرائيل بإمكانها حينئذ مصادرة أراضي فلسطينية وتهجير أهلها من الفلسطينيين من بيوتهم. ففي الهند أو الصين، حين تنوي الحكومة هناك بناء سد هيدوكهربائي هائل، تستطيع خلع 100 ألف من السكان بغرفة ملعقة واحدة. أما السكان المخلوعون من مكان سكناهم، فلا يكترث لهم أي قانون دولي لأنها الحقوق الوطنية للدولة ذات السيادة، وذلك يعتبر حق الدولة في استملاك الأراضي.
في اللحظة التي شيد فيها الجدار، تحولت المستوطنات خلف الجدار لقضية ميتة ومنتهية. فهي مناطق ذات سيادة لإسرائيل. ومعظم العالم سيكون أكثر فرحاً بالتخلص من الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، سيكون العالم أكثر غبطة عندما يتم التوقيع على السطور المنقطة. وماذا بإمكانك فعله حينئذ؟ هل ستقاطع رابطة الدراسات الأميركية العالم بأسره يا ترى؟
• حين يتم التوقيع على اتفاقية الإطار، ألا يبقى تطبيقها صعباً؟ وعلى سبيل المثال، إن وافق الرئيس عباس على معادلة يتم بموجبها تحييد قضية اللاجئين بشكل جذري، فإنه سيظل تسويقها بين الفلسطينيين صعبا للغاية.
- ماذا بوسع الفلسطينيين فعله؟ إسرائيل تريد اقتطاع قضية اللاجئين من الأجندة العالمية فقط. إسرائيل تريد وثيقة تنص على أن قضية اللاجئين "ليست بعد الآن مسؤولية إسرائيلية". إذا نجح كيري، فإنهم سيفهمون ذلك بشكل تلقائي، وخصوصاً إذا استطاعوا نيل العبارة التالية: "إسرائيل هي دولة لليهود ومواطنيها" في اتفاق الإطار، والتي ستلغي قضية اللاجئين. كيف بوسع الفلسطينيين إيقافها؟ هم جميعهم يخضعون لإبتزاز المال الأوروبي والأميركي. في العام 1993، وقع ياسر عرفات اتفاقية أوسلو بسبب إفلاس منظمة التحرير الفلسطينية نتيجة لتحالفها مع صدام حسين خلال حرب الخليج الأولى، فما كان أمامه سوى الموافقة على أوسلو، تماماً كما تم وضعها حينذاك. والتاريخ الآن يعيد نفسه. فمن يمول الموسيقار يتحكم بلحن الأغنية.
• على المستوى الشعبي، فإن للفلسطينيين تأثيرا على قيادتهم؟
- ليس للفلسطينيين أي نفوذ على السلطة الفلسطينية. العامة من الفلسطينيين مغيبون سياسياً. وفي المقابل، فإن قوات الأمن الفلسطينية قادرة الآن على قمع أي معارضة معزولة. وليس بمقدور فلسطينيي الشتات في لبنان والأردن فعل شيء ذي أهمية. ولم يكن بمقدورهم التأثير على أي شيء منذ أوسلو، غير المكوث في مخيماتهم.
• ماذا عن الفلسطينيين في المناطق المحتلة؟ لا يمكنهم الوقوف دون حراك حيال التخلي عن حق العودة.
- هذا السيناريو ليس سوى نظرية رومانسية بعيدة كل البعد عن الواقع. فالمكان مقطع الأوصال بشكل يائس. وغزة الآن هي بمثابة مكان غريب ومنفى منعزل عن الضفة الغربية. ماذا فعل أهل الضفة الغربية في العامين 2008 و2009 عندما حصلت مجزرة بحق أهل غزة؟ هل كانت هناك مظاهرات عارمة؟ علينا ان نكون واقعيين حيال الوضع الراهن. ليس هناك إرادة متضافرة ومتضامنة بين الفلسطينيين. هم أناس حقيقيون، أناس على قيد الحياة، وليسوا بأسطورة. والآن، فإن روحهم المعنوية محطمة. لكن بالطبع، فإن شرارة صغيرة قد تغير الأمور.
لقد لاحظت قبل عدة أسابيع مقالا لأميرة هاس في صحيفة "هآرتس"، تفيد بأن إمكانية صعود مقاومة شعبية بين الفلسطينيين ما تزال واردة. تلك تكهنات لا رهان عليها، إذ إننا الآن لا نرى أي إشارات تفيد بجهوزية الفلسطينيين لفعل ذلك، كما لا نرى إشارات تدل على قدرتهم أو استعدادهم لمقاومة حل يفرض عليهم.  بل على العكس، إذا كانت الإتفاقية النهائية من الغموض بقدر يمكنه إعماء البصر والبصيرة (كما هي حال اتفاقية أوسلو) ويصار الى تحليتها بحزمة ضخمة من "المساعدات"، فإن من الممكن إقدام الفلسطينيين على القبول بها ولو بقدر من التردد. لدى الولايات المتحدة و الاتحاد الأوروبي ثلاث سنوات لتليين الفلسطينيين وتضييق الخناق الاقتصادي عليهم، لكن دونما تماد، كي لا يخرج الأمر عن نطاق السيطرة.
• إذا تم توقيع اتفاقية حسب الشروط الإسرائيلية، فما مقدار النكسة التي ستصيب نضال الفلسطينيين للنيل من حقهم في تقرير المصير؟
- سيكون الأمر لا رجعة فيه. الكثير من الناشطين لا يريدون الاعتراف بذلك، لكن هذا النوع من الاتفاقيات المدونة، دائما ما تترتب عليه عواقب حقيقية. فهل يكفي قرار التقسيم العام 1947 المدعوم بالإرادة الإسرائيلية لإثبات ذلك؟ ليس هناك من سبب وجيه لعدم التوصل لاتفاقية يتم بموجبها ترسيم الحدود بين إسرائيل والمناطق الفلسطينية،خصوصاً إن كانت هكذا إتفاقية تحظى بمصادقة مجلس الأمن، وهي مصادقة شبه مؤكدة في واقع الأمر. ولدى إسرائيل الإرادة والمقومات اللازمة لترسيم هكذا حدود.
بكل تأكيد، هذا هو واقع الأمر، بغض النظر عن قانونيته. وأي تسوية سياسية ستتوج الأمر الواقع بغطاء من الشرعية. وتحويل جدار غير قانوني إلى حدود دولية دائمة، هو خطوة في غاية الأهمية، وذلك ليس بعيد عن متناول إسرائيل. واعتباراً من تلك اللحظة، فإن أي شيء بمقدور الفلسطينيين  المطالبة به بعدئذ؟ لا شيء.
• في كتابك المنتظر بالتعاون مع معين رباني، توصي الفلسطينيين والنشطاء المتضامنين معهم بخطوات عليهم اتباعها لحل النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني بطريقة عادلة ودائمة. هل يجب اتباع هذه الخطوات خلال السنوات الثلاث المقبلة، أم أن الآوان سيكون قد فات عندئذ؟
- حتى يتحقق أي شيء، فيجب أن يبدأ ذلك بين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وبما يكفي للفت أنظار المجتمع الدولي. لكن أيضاً، علينا أن نكون واقعيين فيما يتعلق بالوضع السياسي على الأرض في هذه اللحظات. فالاهتمام الدولي الآن منهمك بأمر سورية وإيران. و هناك مؤتمر "جنيف2". ومن الصعب بمكان على الفلسطينيين أن يلفتوا الانتباه إلى قضيتهم في هذه الأثناء.
لكن ذلك هو الشيء الوحيد المتوفر حالياً لوقف أو إبطاء تفاقم الأمور. أي شيء آخر هو تافه وعديم المعنى أو القيمة، كعدم قيمة نيرون عندما كانت روما تحترق.
نشرت المقابلة تحت عنوان:
The End of Palestine? An Interview with Norman G. Finkelstein

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إسرائيل باطل يجب أن يزول (القيسي)

    الخميس 30 كانون الثاني / يناير 2014.
    الفلسطينيون والعرب والمسلمون لن يسلموا بالمؤامرات وإن اشتدت ... ستهب الجماهير وتقلب الطاولة على كيري ومخططاته وكل من يتعاون معه.
  • »لن تضيع فلسطين (هاني سعيد)

    الثلاثاء 28 كانون الثاني / يناير 2014.
    ما دام فلسطيني على وجه الارض لن تضيع فلسطين ...
    فلسطن هي الأمل وهي قلب الامة الغربية النابض لن تضيع ..
  • »كلام غير دقيق (محمد)

    الاثنين 27 كانون الثاني / يناير 2014.
    هذا الكلام غير منزل وغير دقيق، فهو يخلط التمنيات بالوقائع، وسيبقى الفلسطينيون جالسون فوقهم وفي نفس البلاد التي سرقوها من أصحابها حتي يأتي يوم يهربوا فيه مثل ما هرب البيض من جنوب إفريقيا بعد 130 سنة من سيطرتهم عليها.
  • »الله يستر (ضياء مبيضين)

    الاثنين 27 كانون الثاني / يناير 2014.
    الله يستر ضاعت القضية الفلسطينية