أكراد سورية يرسمون ملامح استقلالهم وسط الصراع المحتدم

تم نشره في الجمعة 24 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً
  • مقاتلون اكراد بعد مواجهات مع تنظيم "داعش" في منطقة راس العين في مطلع تشرين الثاني(نوفمبر) الماضي. -(رويترز)

القامشلي (سورية)- في الركن الشمالي الشرقي من سورية بدأت تظهر ملامح منطقة مستقرة وسط الحرب الاهلية.. فهنا يدور الحديث عن البناء وليس القصف.
أطلق زعماء محليون مشروعات لتنشيط مظاهر الحياة الطبيعية وتشجيع الناس على البقاء. كما عمدوا الى تأسيس إدارة اقليمية وينتجون وقودا رخيصا ويوفرون الدعم لبذور المحاصيل ويحاولون إعادة الكهرباء الى منطقة كان انقطاع التيار فيها يستمر لنحو 24 ساعة في اليوم. وتمكنوا حتى الآن من صد قوات الرئيس السوري بشار الاسد ومقاتلي المعارضة الساعين للاطاحة به.
ومن يديرون الامور الآن هنا هم الاكراد الذين يمثلون غالبية السكان في أجزاء من جنوب سورية وشرق تركيا وشمال العراق وغرب إيران.
وقال مدرس يبلغ من العمر 30 عاما ويدعى هاردين وهو يرتعش من البرد مع تساقط الامطار على جنازة مقاتل كردي :"ليس لدينا كهرباء ولا ماء. يوجد نقص في الغذاء.. كانت عقولنا وأرواحنا تحت القمع في الماضي أما الان فأحلامنا تتحول الى حقيقة. هذا هو وقت الاكراد. ان الرجوع لما كنا عليه ليس مطروحا. سيكون خيانة لمن ضحوا بحياتهم".
وما يزال 30 مليون كردي يعيشون في المنطقة منذ سنوات هم أكبر مجموعة عرقية بدون وطن مستقل في العالم. ويستثنى من هذا أكراد العراق الذين طردوا القوات العراقية في التسعينيات عندما فرضت الولايات المتحدة وبريطانيا منطقة حظر طيران ضد الرئيس الراحل صدام حسين وأسسوا اقليما يحظى بالحكم الذاتي الفعلي.
ويستشعر بعض أكراد سورية البالغ عددهم 2ر2 مليون شخص فرصة لاتخاذ خطوة أخرى تجاه تحقيق الحلم القديم باقامة دولة "كردستان" المستقلة.
وأعلن الاكراد السوريون حكومة اقليمية في المنطقة يوم الثلاثاء عشية محادثات سلام تعقد في سويسرا لتحقيق السلام في سورية. واتخذت الخطوة بعد رفض القوى الدولية طلب الاكراد ارسال وفد خاص بهم الى محادثات السلام.
ويصر الزعماء المحليون أنهم لا يخططون للانفصال وانما يعدون دستورا محليا ويهدفون الى اجراء انتخابات في أوائل العام الحالي. ويقولون ان هذا ليس استقلالا ولكنه "ادارة ديمقراطية محلية".
وبغض النظر عن المسمى فان ما يحدث يساهم في تعقيد حرب تنذر بإعادة رسم الشرق الاوسط. وانقسمت سورية الى دويلات لكن لم تظهر أدلة كثيرة على تحقيق أي طرف انتصارا واضحا في الصراع.
وتخشى سورية وجارتها تركيا أن يمهد تمدد الحكم الذاتي الطريق أمام الانفصال. وأغلقت تركيا حدودها مع سورية في محاولة لاحتواء مثل هذه الخطوة. وعززت أنقرة التي تحارب تمردا كرديا منذ عقود سورا من الاسلاك الشائكة على طول أجزاء من الحدود مع المناطق السورية الكردية. وأثارت خطط بناء جدار في المنطقة احتجاجات كردية كبيرة.
ولانقرة وطهران وبغداد ودمشق تاريخ في قمع الطموحات الكردية وبلا رحمة في كثير من الاحيان. لكن في ضوء الصراعات الداخلية التي تمزق سورية والعراق ومحاولة تركيا تحقيق السلام مع أكرادها يرى أكراد سورية فرصة في المطالبة بالاحقية في أراض يقولون انها ملكهم. ولم يعد السكان يطلقون على المنطقة شمال شرق سورية وانما "روج افا" أو غرب كردستان.
وفي بلدة القامشلي السورية الحدودية القريبة من الحدود مع تركيا تحدث الصحفي محمد شارو عن شعور بدأ يظهر باستعداد مجتمع الاكراد لتحدي الحدود الرسمية. وقال : "احتج الاكراد في تركيا على جدار تركيا المقرر كما عبرنا عن احتجاجنا على الجانب الاخر في سورية.. وما اشعر به الآن هو أن دعوهم يبنون الجدار.. هذا الشيء الذي يسمونه حدودا لم يعد موجودا بالفعل".
بلدة تلو الاخرى
يمثل أكراد شمال شرق سورية منذ وقت طويل واحدا من أفقر الاقليات وأكثرها تعرضا للقمع في البلاد حيث لا يتمتعون بحقوق رسمية في الاراضي الخصبة التي يعيشون فيها وليس لهم حقوق في احتياطيات النفط فيها. كما حظرت اللغة الكردية التي اعتبرت تهديدا لحكم الاسد القومي العربي. وحرم الآلاف من استصدار أوراق هوية رسمية. والكثير من قرى المنطقة ليست سوى متاهة من الاكواخ الطينية.
وأضافت قرابة ثلاثة أعوام من الحرب الاهلية السورية والصراع الذي راح ضحيته أكثر من مائة ألف شخص وتشرد بسببه ستة ملايين آخرين إلى الحرمان المادي للاكراد لكنها حررتهم من الناحية المعنوية.
وبينما كانت قوات الاسد تتخبط في قتالها لمقاتلي المعارضة في غرب سورية كان زعماء الاكراد يسيطرون تدريجيا على أراض. وقال الدار خليل العضو الكبير في حزب الاتحاد الديمقراطي أقوى فصيل سياسي في المنطقة الكردية السورية : بدأنا من ضيعة على الحدود العراقية... وضعنا حاجزا صغيرا...ومن حاجز لحاجز وحاجز لحاجز وفجأة صار عندنا منطقتا القامشلي والحسكة".
ويمكن الآن للزائر الذي يحصل على تصريح من حزب الاتحاد الديمقراطي التنقل لمسافة 200 كيلومتر تقريبا من المناطق الخضراء على الحدود مع العراق الى السهول المنبسطة خارج بلدة رأس العين حيث تنتهي الاراضي الكردية. ومثل هذه الحرية في التنقل مستحيلة في معظم باقي أجزاء سورية حيث تسيطر الحكومة أو فصائل المعارضة المتباينة على بلدات بل وطرق مختلفة في بعض المناطق. وظهرت عودة شعور الاكراد بهويتهم جلية في الجنازة حيث احتفل المشيعون وأنشدوا أغنيات عن "كردستان" و"الحرية" في ملمح لم يكن يخطر على بال أحد قبل الانتفاضة على حكم الاسد.
وخارج منطقة المقابر بدت الحقول البنية جاهزة للزرع. وفي بلدة عامودا أدى رجل يدعى بشير سليمان دوره الصغير في الكفاح من أجل الحكم الذاتي. وقف سليمان بجوار مولد كبير للكهرباء ركبه في سوق واختلط صوته بأصوات أبواق السيارات والزبائن الذين فحصوا الخضراوات واصطفوا لشراء الخبز في ميدان بوسط البلدة.
ورغم تصدي القوات الكردية لمعظم أعمال العنف في شمال شرق سورية يوجد عجز في المواد الاقتصادية الاساسية بما في ذلك الكهرباء. ويرأس سليمان شركة جديدة للكهرباء تدعى روناك وهو اسم ينطوي على تفخيم لمجموعة تحاول تأسيس شبكة للكهرباء باستخدام امدادات مهربة ومسروقة.
وقال سليمان : "في كابلات اشتريتها من مهربين... البعض الذين اشتروا اشتروا من هالمجموعات اللي نهبو. أخدنا من هالمجموعات قسم كانوا تابعين لشركات عامة".
وأضاف : "هذه الشركات اللي كان لها عقود مع الدولة توقفوا يعني كانت شركات انمائية انشائية توقفوا وكانت هي المولدات موجودة عندنا فقسم من نصب ضمن مجموعات مسلّحة، بعتنا وفد اللي كان لها علاقة راحوا عالشرق واشتروا هيدول من هيدول المجموعات وجابوهن".
ويستمر التيار الكهرباء في المناطق الرئيسية بعامودا الآن لنحو عشر ساعات في اليوم مقسمة على النهار والليل.
 المسألة النفطية
كان من الممكن أن يعزز النفط طموحات الاكراد لكن الانتاج توقف بعدما بدأت الجماعات المسلحة في سرقة الخام من خطوط الانابيب التي تؤدي الى معامل تكرير تسيطر عليها الحكومة في المناطق الساحلية ومناطق وسط سورية. وللتعويض عن ذلك صادر حزب الاتحاد الديمقراطي مخزونات كبيرة من الخام وقام بتكريره لصناعة بنزين لجرارات المزارعين ومواقد التدفئة. ويبيع الحزب الوقود بسعر 30 ليرة فقط للتر أي أرخص مما يمكن أن تقدمه حكومة الاسد.
والى جانب تشكيل الكيانات العسكرية والسياسية أنشأ الحزب أيضا شركة نفطية هي سادكو ومجلسا للاقتصاد والتنمية. ولا تسمح الشركة والمجلس للصحفيين بدخول حقل الرميلان النفطي لكنهما عرضا اجراء مقابلة مع عبد الرحمن حمو رئيس المجلس الاقتصادي.
ورافق حمو زواره حتى ركبوا سيارة بي.ام.دبليو سوداء ونحى جانبا بندقية كلاشنيكوف على المقاعد الجلدية وقاد السيارة الى عدد من حاويات الشحن المحاطة بسور وتتخذ كقاعدة للعديد من مشروعات التطوير من صنع الاسمدة الى الوقود.
ويقول مسؤولو حزب الاتحاد الديمقراطي ان الحقل النفطي سيظل كما هو دون المساس به لحين التوصل الى اتفاق حول مصير سورية لكن يبقى السؤال هو ماذا سيفعل الاكراد اذا امتد الصراع الى ما بعد نفاد مخزوناتهم من النفط الخام..
اذا بدأ الاكراد في استخدام حقل الرميلان النفطي فانهم اما سيرسلون النفط الى معامل التكرير الحكومية أو سيطلقون مشروعا مكلفا لنقله عبر كردستان العراق. وسيحتاج الاكراد على أي حال الى اتفاق مع قوات لا تبادلها الود في الوقت الحالي.
لكن حمو واثق من أن المصالح الاقتصادية ستغلب في نهاية المطاف على الاختلافات السياسية واشار الى أنه يأمل ايضا في جذب استثمارات أجنبية.
وقال ان الشركات الاجنبية ستحصل على اعفاء من الضرائب لمدة عام وأضاف أن السلطات ستسهل الامر أمام أي شركة بغض النظر عن جنسيتها حتى تستثمر. واذا كانت مكاسبها الاقتصادية ستعود على السوريين بالنفع فستسهل عليها فعل هذا بتسريع وتيرة صدور التراخيص وتوفير الامن ومكان العمل.
عراقيل كثيرة
ورغم نبرة التفاؤل هذه مايزال هناك الكثير من المشكلات في المنطقة الشمالية الشرقية سواء داخل سورية أو مع جيرانها في تركيا والعراق.
وفي بلدتي القامشلي والحسكة يضطرب توازن القوى. مايزال جيش الاسد وبعض الميليشيات الموالية له يسيطرون على أجزاء من القامشلي بما في ذلك وسط المدينة وقاعدة عسكرية قريبة والمطار. وما تزال الرحلات الجوية سارية من القامشلي الى دمشق.
أما باقي المدينة التي كان يعيش فيها 200 ألف شخص قبل الصراع فهو تحت سيطرة قوات الشرطة الكردية التي تعرف باسم أسايش وحلفائها.
وحتى الآن بدا أن الجانبين يتعايشان جنبا الى جنب. ويمر المقاتلون بجانب بعضهم البعض كالاشباح. ففي ميدان بقلب القامشلي يتحرك جنود في شاحنات مزودة بأسلحة مضادة للطائرات وسط حشد من تلاميذ المدارس الذين يعبرون الشارع بينما تمر دورية كردية على الجانب الاخر من الميدان.
وهذا هو شكل التعايش بين القوات التي يقول معارضو حزب الاتحاد الديمقراطي انها اما موالية لنظام الاسد أو مخدوعة فيه.
وقال محمد اسماعيل العضو في الحزب الكردي الديمقراطي المنافس : هناك اسم للادارة الذاتية ولكن النظام موجود بكل مكان بهذه المناطق... كل ما يحدث الآن في المنطقة تحت سيطرة النظام...الهاتف والصحة ومعاشات الموظفين... كلها بايد النظام. واذن اين هي الادارة اذا كان كل ما تعمله تحت سيطرة النظام..
وينظر معارضو حزب الاتحاد الديمقراطي الى مشروعاته الاجتماعية المقترحة بعين الريبة ويقولون ان الاسد سلمه السلطة في محاولة لاضعاف المعارضة. ويضيف المعارضون أن الخطوات التي تبدو انها ترمي للحكم الذاتي تقوض الانتفاضة السورية ولن تصبح سوى تمثيلية ستنكشف اذا انتصر الاسد على اعدائه فعندئذ ستسحق كل المكاسب الكردية.
ويتعجب الدار خليل من الاتهامات بوجود اتفاق تحت الطاولة مع الحكومة السورية. وقال انه يمكن للنظام التمسك بقاعدة هنا أو هناك وان وجوده الآن شكلي فحسب. وأضاف أن حزبه يمارس السياسة.
وتوجد انقسامات كذلك بين الاكراد السوريين وابناء عرقهم على الجانب الآخر من الحدود مع العراق. وتتحدث المجموعتان الكرديتان بلكنة مختلفة. وعلى الرغم من انتقال 250 ألف كردي من سورية الى كردستان العراق فان هناك خصومة واضحة بين حزب الاتحاد الديمقراطي في سورية ومسعود البرزاني زعيم الاقليم العراقي.
وتعرف قوة المقاتلين الرئيسية في المنطقة الكردية السورية باسم وحدة الدفاع عن الشعب المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي. ويستقي الحزب والوحدة فكرهما من حزب العمال الكردستاني في تركيا وأصبحت صور زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله اوجلان منتشرة الآن في شمال شرق سورية.
ومنعت وحدة الدفاع الجماعات المتناحرة من دخول الجيب الكردي. ويرى اكراد سورية أن البرزاني يريد توسيع سيطرته بالسيطرة على اراضيهم. وقال البرازاني انه فقط يريد الحفاظ على وحدة الاكراد.
كما يخشى اكراد سورية تدخل تركيا التي لا ترغب في وجود علاقات بين الاكراد فيها مع منطقة كردية تحظى بالحكم الذاتي في سورية. واتهم حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني تركيا بارسال اسلاميين الى سوريا لمحاربتهم لكن أنقرة تنفي هذا الامر.
 سورية المنقسمة
وترى دمشق في الاستقلال الكردي المتنامي تحديا. وتبدو فرص عودة سورية دولة موحدة لها حكومة مركزية واحدة ضئيلة حتى اذا تسنى التوصل الى تسوية للسلام. وتضيف النزعة القومية الكردية الى تحدي اعادة توحيد بلد يمزقه صراع على السلطة بين مقاتلي معارضة معظمهم من السنة ومقاتلين من الطائفة العلوية الشيعية التي ينتمي اليها الاسد.
وبعيدا عن الطموحات الكردية تخلق الحرب السورية دويلات صغيرة يسيطر مقاتلون من السنة على بعضها ويدير العلويون بعضها الاخر. ومع تفكك سورية قد تشكك الجماعات العرقية والطوائف في أماكن أخرى على نحو متزايد في الحدود القائمة. فعلى وجه الخصوص يستطيع الاكراد والسنة في العراق القول ان القواسم المشتركة بينهم بين اخوتهم في سورية أكبر منها مع باقي العراقيين. وبالنظر الى مجموعة المصالح المتضاربة يرى بعض السياسيين المحليين أن نظاما اتحاديا قد يقام في سورية. وتوقع خليل نظاما اتحاديا بدلا من سيطرة الاكراد السوريين على أراض جديدة بالكامل.
لكن بعض الاكراد مازالوا يأملون في هوية كردية واحدة وموحدة. وما يزال شبان أتراك يتسللون للانضمام الى القتال في سورية ويحاول آخرون من تركيا وإيران مساعدة اكراد سورية على احياء ثقافتهم.
وأصبح نشطاء وكتاب اكراد من إيران وتركيا مصدرا للالهام في المناطق الكردية السورية. وقال صحفي وشاعر في القامشلي يدعى خوشمان قادو : أمامنا فرصة لتطوير أفكارنا بشأن القضايا الاجتماعية والديانة والسياسة وقد تصبح نهضة للاكراد .(رويترز)

التعليق