مستقبل سورية حبيس في متاهة جنيف

تم نشره في الأربعاء 22 كانون الثاني / يناير 2014. 02:00 صباحاً

تسفي برئيل -هارتس
قبل أيام من انعقاد مؤتمر جنيف الثاني ليس واضحا بعد للمستضيفين كم كرسي ينبغي لهم أن يعدوا ولمن. فهل سيأخذ الائتلاف الوطني السوري ذاك الجسم المعقد الذي يضم تحت جناحيه معظم فصائل المعارضة السياسية، بالتحذيرات الاميركية ويحترم مندوبوه حضور المؤتمر؟. وهل ايران ستدعى وفي أي ظروف؟ وبالأساس على ماذا بالضبط ستجري المفاوضات؟.
الجلبة الدبلوماسية التي تسبق انعقاد المؤتمر تثير نوعا من الصخب والتقديرات التي تتغير كل يوم بل وكل ساعة. كل مقابلة صحفية يمنحها زعيم، مندوب معارض او دبلوماسي مطمور، تجر وراءها سلسلة تفسيرات جديدة تسرق الاوراق، على فرض ان ثمة اوراقا كهذه. فاللقاءات التي أجراها وزير الخارجية السوري وليد المعلم مع نظيره الروسي سيرجيه لافروف واللقاء مع بوتين هي من عداد هذه الحالات. وكان وزير الخارجية الإيراني محمد ظريف عرض في موسكو مذهبه وشروطه لانضمام إيران.
وتنتظر الولايات المتحدة الآن ما ستطلعها عليه روسيا قبل ان تتمكن من ان تبشر المعارضة وأصدقائها بكيفية تصرفها. عندها فقط سيكون ممكنا على الاقل التخمين كم غرفة فندقية سيتعين على المضيفين أن يحجزوا.
محدثة الصدمات الرئيسة في الأرجوحة السورية هي بالذات الولايات المتحدة التي من الصعب ادراك وتيرة الانعطافات السياسية التي عرضتها في السنوات الثلاث الماضية. في البداية أيدت رحيل بشار الأسد كشرط لكل حل سياسي. بل انها اوشكت على مهاجمة سورية بسبب استخدام السلاح الكيميائي. ووحدها نجدة روسيا وايران اللتين استخدمتا ضغوطا هائلة على الأسد، منعت حربا جديدة في الشرق الاوسط. ولم تنتهي بعد قضية نزع السلاح الكيميائي وفجأة اكتشفت الولايات المتحدة بان الخطر في سورية ليس الاسد بل منظمات الارهاب الاسلامية المتفرعة عن القاعدة. تقرير "وول ستريت جورنال" هذا الاسبوع عن لقاءات اجراها رجال الاستخبارات الاميركيين مع كبار مسؤولي نظام الاسد يعزز فقط تقارير سابقة نشرها رجال المعارضة عن التغيير الذي طرأ على السياسة الاميركية في صالح الاسد.
في الخطاب الدبلوماسي نشأ الآن تعبير جديد – قديم، "الحرب ضد الارهاب" الذي يعني تفضيل التصدي للمنظمات المتشددة على الكفاح ضد النظام. وهذا تعبير يهدد ايضا المعارضة السورية وذلك لأنه اذا ما أصرت سورية وايران بشدة على أن يتكرس مؤتمر جنيف للبحث في الحرب ضد الإرهاب فان مسألة نقل الحكم ورحيل الاسد من شأنها ان تدحر الى الزاوية. كما أن هذا هو أحد الاسباب التي تجعل المعارضة تتردد في المشاركة في المؤتمر. فقد كان مندوبوها مستعدين لصيغة يقال فيها "الحرب ضد العنف" والتي تلقي بالذنب ايضا على النظام السوري، وليس فقط "الحرب ضد الارهاب" والتي تتضمن حسب تفسير الأسد المليشيات غير الاسلامية ايضا. ولكن هذا المطلب للمعارضة رفض حاليا.
وفي مسألة اشراك ايران ايضا ما تزال واشنطن لم تقل الكلمة الأخيرة. ولكن من موقف قاطع كان يقول ان ايران لا يمكنها أن تشارك في المؤتمر لأنها طرف في النزاع، انتقلت وزارة الخارجية الاميركية الى الحديث عن شروط مشاركة طهران، أولها هو الطلب ان تعترف ايران بالقرارات التي اتخذت في مؤتمر جنيف الاول في حزيران 2012. الشرط المركزي الذي تقرر في ذاك المؤتمر هو نقل الحكم من الاسد، ولكن على تفسيره تنقسم روسيا والولايات المتحدة. ويبدو أن واشنطن، التي تفحص الآن إيران عبر الاتفاق المرحلي في مسألة النووي، كفيلة بان تتراجع عن هذا الشرط ايضا.
واضح لكل الاطراف المعنية، باستثناء المعارضة السورية بان اشراك ايران حيوي من أجل فرض تنازلات سياسية على الاسد. غير أن ايران ترفض حاليا، وعن حق من ناحيتها، كل شرط مسبق لمشاركتها، بما في ذلك الاقتراح في أن تحظى بتمثيل في المؤتمر الفرعي للاجتماع. وذلك لانه اذا ما شاركت ايران – فسيكون هذا حسب شروطها، واذا لم تشارك – فيمكنها أن تعرقل من الخارج الاتفاق الذي سيتحقق اذا ما تحقق. وهكذا فان ايران ستكسب في كل الاحوال.
ايران وروسيا ليستا ذاتي المصلحة الوحيدتين في هذه العقدة الدبلوماسية. فللسعودية، قطر وتركيا ايضا مصلحة كبيرة في الشكل الذي سيرسم فيه مؤتمر جنيف الثاني مستقبل سورية. السعودية التي تدعم ماليا وعسكريا بعض المليشيات المسلحة تتطلع لان تضمن رحيل الاسد عن دمشق. قطر هي الاخرى لها موالون خاصون بها في سورية. ولكن بينما تسعى قطر الى ان تضمن ان يكون للمنظمات الاسلامية، ولا سيما للاخوان المسلمين في سورية نصيب محترم في الحكم المستقبلي، فان السعودية تمقت حركة الاخوان (في مصر أو في سورية) وتسعى الى الدفع الى الأمام لحركات دينية معتدلة إلى جانب حركات علمانية.
اضافة الى ذلك فإنها تسعى الى تعطيل نفوذ ايران في سورية وفي لبنان. ومع ان "أصدقاء سورية" الذين اجتمعوا هذا الاسبوع في الكويت، تعهدوا بتبرع اكثر من 2.4 مليار دولار لإعادة بناء سورية الا ان هذه التعهدات، التي حسب التقديرات بالكاد ستغطي 5 في المائة من المبالغ اللازمة لهذا الغرض، مشروطة بهوية الحكم التالي.
تقضم تركيا هي الاخرى أظافرها بعصبية متزايدة. فالدولة التي قادت الحملة الدولية ضد الاسد بل وطالبت بمهاجمة جيشه، من شأنها أن تجد نفسها في موقف غبي إثر عدم قراءته على نحو جيد الخريطة السياسية في الوقت المناسب، فقدت علاقاتها مع مصر والآن ستفقد ايضا فرصة لموقع في سورية اذا ما بقي الاسد. صحيح أن الاسد تحدث في الأسابيع الاخيرة بشكل "يدعو" فيه تركيا الى أنت تستأنف معه العلاقات، إلا أن اردوغان سيجد صعوبة جمة في ان يحول بحركة حادة سياسته ويشرح تذبذبه. الأمر صحيح على نحو خاص في ضوء حقيقة أن اردوغان يعيش احدى ساعاته الأصعب في السياسة، حيث في الخلفية قضية فساد تعرض حكمه للخطر.
الأسد هو الآخر ليس معفيا من الترددات. فالتعبير الذي يكثر من استخدامه وزير إعلامه، عمران الزعبي هو "ارادة الشعب". ويتناول هذا التعبير مسألة الترشيح المحتمل للرئيس في الانتخابات القادمة. ارادة الشعب هي ارادة الاسد ومسألة الانتخابات تضع أمامه معضلة صعبة. فالولايات المتحدة ستطلب الا يتنافس الاسد في الانتخابات للرئاسة وانه في نهاية الفترة الانتقالية (التي عليها ايضا ينبغي الاتفاق) سيختفي عن المشهد السياسي. الاسد، ايران وروسيا يرفضون هذا الشرط الذي تتمسك به اجزاء من المعارضة السورية. آخرون سيطالبون الا يرحل الاسد فورا.
ولكن الى جانب الاسد يقف تفسير قانوني يعتمد على الدستور السوري المعدل الذي صيغ بعد بداية الثورة. فالدستور يقضي بان يواصل الرئيس اداء مهامه حتى موعد الانتخابات التالية، حتى لو مر موعد الانتخابات الدستوري. وبالمقابل، ذات الدستور يقيد الرئيس بولايتين فقط، وهاتان ستنتهيان في شهر تموز القريب المقبل. معضلة الاسد اي البندين يتمسك به: اذا ما اختار أن يكون في كامل الفترة الانتقالية التي قد تستمر لسنة، سنتين أو أكثر – فانه  لا يمكنه دستوريا ان يتنافس على الانتخابات. أما اذا قرر التنافس مرة اخرى في تموز – فيتعين عليه ان يدخل تعديلا على الدستور، الامر الطفيف من ناحيته، مما سيضمن له ولاية اخرى على الاقل.
وهكذا يتبين فجأة للمعارضة السياسية والعسكرية للاسد بانها ليست بعد المسؤولة عن المسار السياسي الداخلي والخارجي. وان الاسلاميين والقاعدة بالذات هم الذين سيملون النتائج. تهديد القاعدة بعدم المشاركة في المؤتمر لنزع الشرعية عنه يبدو في هذه اللحظة هو الوسيلة الوحيدة المتبقية لها كي تحاول تحقيق انجاز سياسي ما. غير أن هذا التهديد يبدو بائسا وتعيسا في ضوء تصميم القوى العظمى على منع تحول سورية الى دولة لمنظمات الإرهاب.

التعليق