سورية ومخاطر الحرب بالإنابة

تم نشره في الثلاثاء 21 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً

دويل مكمانوس - (لوس أنجيلوس تايمز) 12/1/2014
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
كانت الحرب الأولى التي قمت بتغطيتها كمراسل صحفي أجنبي هي الحرب الأهلية اللبنانية. وعندما بدأ ذلك الصراع في العام 1975، كان مجرد سلسلة من المناوشات. كانت حرباً لئيمة، لكنها صغيرة ومحدودة من أجل السيطرة على دولة صغيرة.
بعد ذلك انخرطت في تلك الحرب بلدان أخرى؛ سورية والعراق وليبيا وإسرائيل. وقامت بتقديم الأموال والأسلحة للفصائل التي تفضلها، بحيث حولت بذلك نزاعاً محلياً إلى حرب بالإنابة، أطول زمناً وأكثر قتلاً، والتي حاربت فيها القوى الخارجية بعضها بعضاً من خلال الوكلاء. وفي نهاية المطاف، زجت حتى الولايات المتحدة بقواتها هناك، مما تسبب في مقتل 241 أميركيا في تفجير في بيروت في العام 1983. ولم يصل الصراع الذي كان قد بدأ قبل 40 عاماً تقريباً إلى نهاية أبدا، فيما يعود في جزء كبير منه إلى استخدام لبنان من جانب آخرين كميدان معركة لحرب بالإنابة.
مع ذلك، تشكل معارك الشوارع والسيارات المفخخة في لبنان مجرد جزء صغير فقط من حرب إقليمية بالإنابة، والتي تنتشر كالفطر وتمتد عبر سورية والعراق، وصولاً إلى شواطئ الخليج. ودخلت قوتان كبيرتان، هما إيران والعربية السعودية في تنافس من أجل السيطرة على الكثير من مناطق الشرق الأوسط العربي. أما البلدان الأخرى، فهي إما تختار جوانب، أو تحاول بعصبية حماية أنفسها من امتدادات الصراع. وتجد الولايات المتحدة نفسها في وضع غير مريح في المنتصف.
ليست الحرب بالإنابة شيئاً جديداً. ففي العام 1776، قامت كل من بريطانيا وفرنسا اللتين كانتا تشكلان القوتين العظميين في تلك الأيام، باستخدام الثورة الأميركية كحرب بالإنابة. (من دون محاربة البحرية الفرنسية إلى جانبنا في خليج تشيزابيك، كان من غير المرجح أن تكسب واشنطن في يورك تاون). وفي ثلاثينيات القرن العشرين، تحولت الحرب الاسبانية إلى حرب بالإنابة بين هتلر وستالين. وكان الكثير من الحرب الباردة في نصف قرن الماضي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي سلسلة من الحروب بالإنابة، في شكل صراعات عن بعد بين القوى النووية التي لم تجرؤ على التصادم وجهاً لوجه.
لكن حقيقة أن الحروب بالإنابة تندلع غالباً في البلدان الصغيرة لا تجعل منها أقل هدماً وتخريباً من الصراعات الأخرى. وإنما هي على النقيض من ذلك. وكما يحذر فالي نصر، المسؤول السابق في إدارة الرئيس أوباما والذي يشغل حالياً منصب عميد كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جون هوبكنز، فإن "الحروب بالإنابة تمزق البلدان إربا".
عندما تقوم القوى الكبيرة بتحويل صراع محلي إلى حرب بالإنابة، فإنها يمكن أن تحصل على ثلاثة آثار رهيبة. إنها تجعل الحرب أكثر تدميراً عبر ضخ المزيد من الأسلحة المتقدمة مقارنة مع الموجود في السابق. وهي غالباً ما تطيل أمد الحرب من خلال تمكين كل جانب من متابعة القتال إلى أجل غير مسمى. كما أنها تخلق تأثيرات ناجمة عن انسياب الصراعات لدى البلدان المجاورة، بما في ذلك أزمات اللجوء وزيادة تدفق الأسلحة وتجنيد وتدريب المتمردين.
في العام 1979، عندما شرعت الولايات المتحدة في دعم المجاهدين الأفغان في حرب بالإنابة مع الاتحاد السوفياتي، بدا ذلك التحرك وأنه طريقة مناسبة لمضايقة الخصم في الحرب الباردة. لكن الآثار الجانبية تضمنت نشوء القاعدة وطالبان، ولم تنته الحرب الأهلية في أفغانستان أبداً.
وفي هذه الأيام، يتورط الكثير من أجزاء الشرق الأوسط في حرب أهلية أو تمرد أو قلاقل. وقد ازدادت حدة كل من هذه الصراعات بسبب التنافس الإقليمي بين العربية السعودية التي يحكمها مسلمون سنة، وبين إيران، أضخم دولة إسلامية شيعية.
على أحد المستويات، يشكل ذلك استمرارية لصراع عمره قرون بين الفرعين الرئيسيين للإسلام. لكنه صراع مباشر أيضاً بين البلدين اللذين يسعى كل منهما إلى كسب قصب السبق في منطقة الخليج. وقد تدفق ذلك الصراع على السلطة ليدخل في معارك البلدان الأخرى.
فلنأخذ حالة سورية. فقد بدأت انتفاضة العام 2011 هناك كثورة محلية ضد القمع، لكنها سرعان ما تحولت إلى صراع طائفي (بين معارضة ذات قيادة سنية، ونظام يهيمن عليه العلويون، وهم فرع من الشيعة)، وإلى حرب جيوسياسية بالإنابة. وفي الأثناء، سارعت إيران؛ الحليف الرئيس لنظام الأسد، إلى إرسال الأسلحة والمستشارين العسكريين إلى دمشق. ومن جهته، أرسل حزب الله اللبناني، وهو تابع إيراني آخر، قوات قتالية مختارة لمساعدة النظام.
وفي حين ترددت إدارة اوباما في تقديم مساعدات عسكرية للثوار -قفزت العربية السعودية الساعية إلى حصة إقليمية، وقدمت السيولة النقدية. وذهبت بعض الأموال السعودية إلى دعم المقاتلين الإسلاميين الذين قضوا مضاجع الولايات المتحدة. كما عمد نظام الأسد الذي يقاتل من أجل حياته إلى قصف المناطق المدنية من الجو.
نتيجة لذلك، تبدو الحرب الآن وأنها مرشحة لأن تستمر فترة أطول، بحيث تقتل المزيد من المدنيين وتخلق المزيد من آثار التدفق في البلدان المجاورة مقارنة بالسابق. وتأمل الولايات المتحدة والأمم المتحدة في عقد مؤتمر سلام حول سورية يوم 22 كانون الثاني (يناير) الحالي، لكن أحداً لا يتوقع أن تنجم عنه نتائج سريعة.
الآن، يتطلع المسؤولون الأميركيون إلى العثور على طرق يكون من شأنها وقف الصراعات عن التمدد -والتي تستثني التدخل العسكري المباشر الذي رفضته إدارة أوباما مراراً وتكراراً. وقال لي نصر في الأسبوع الماضي: "لقد وصلت الأزمة إلى حد أصبح من المستحيل علينا تجاهلها. لا يجب علينا أن نرفع أيدينا وأن نقول: هذه حروب بالإنابة، والأمر خارج عن نطاق سيطرتنا".
كما قال أحد مساعدي البيت الأبيض ساخراً في الأسبوع الماضي، فإن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى أن تضع قوات "في وسط كل صراع". لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل خطر امتداد الحروب الإنابة. وقد قال الرئيس أوباما إنه يود تكريس اهتمام أقل للشرق الأوسط، لكن هذا ليس هو الوقت المناسب.


*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Syria and the perils of proxy war

abdrahamanalhuseini@

التعليق