الاستقرار أهم من الديمقراطية

تم نشره في الثلاثاء 21 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً
  • مصريون من أنصار الإخوان المسلمين في مواجهة الشرطة في القاهرة - (ا ف ب)

هآرتس

تسفي برئيل
20/1/2014
خمس عشرة دقيقة، وأكثر بقليل، استغلها نبيل صليب، رئيس لجنة الانتخابات المصرية، حتى منتهاها. فبعد أن بالغ في الثناء على الديمقراطية المصرية وروى عن مساهمتها في تاريخ البشرية، اوقف للحظة كلامه، انتظر وصول التوتر الى ذروته، وعندها بشر بشكل رسمي ما "قدرته" وسائل الاعلام المصرية قبل بضعة ايام: "98.1 في المئة من المقترعين قالوا نعم للدستور". هذا معطى مثير للانطباع، حتى لو أخذنا بالحسبان بأن 38.6 في المئة فقط من 53 مليون صاحب حق اقتراع وصلوا الى صناديق الاقتراع. فليست الاعداد المطلقة وحدها تقرر النتيجة، بل الاهم منها هو الانتصار على معطيات التصويت.
في الاستفتاء هذه المرة شارك 5 في المئة أكثر مما في الاستفتاء السابق على الدستور، الذي أجراه نظام الاخوان المسلمين في 2012، بينما معدل التأييد للدستور الجديد ارتفع بنحو 30 في المئة. وذكرت النتيجة بالرقم الاسطوري، 98 في المئة الذي كان يناله بشكل عام رؤساء مصر السابقون في الانتخابات. فهل كل من لم يشارك في الاستفتاء يعارض الدستور؟ بالتأكيد لا. فالكثير من المواطنين خافوا الحشر والرقابة من رجال الشرطة والجيش قرب الصناديق. بعض من نشطاء حركات الاحتجاج اداروا أرجلهم عن الصناديق ليس لانهم يعارضون مضمون الدستور بل لانهم يعارضون النظام العسكري والشكل الذي عزل فيه الاخوان المسلمون، حتى لو لو يكونوا من مؤيديهم. ولكن الاغلبية الساحقة من المتغيبين عن الاستفتاء هم مواطنون تبنوا على مدى عشرات السنين وعن حق موقف الاشتباه، وربما العداء تجاه كل اجراء سياسي تبادر له الدولة.
كقاعدة، دستور جيد أقر امس في مصر. مواده تضمن حماية اوسع بكثير لحقوق الانسان، حرية التعبير ومكانة المرأة. بنود اخرى تحافظ على قوة الدولة بالقانون، وعلى ماذا يعاقَب المواطنون. وابقيت للجيش مكانة خاصة لا تجعله عرضة لرقابة الدولة، اما الدين فبقي في دوره التقليدي كـ "مصدر رئيس للتشريع" ولكن دون صلاحيات سياسية. بل ان الدستور يمنع اقامة احزاب تقوم على اساس برنامج ديني. هذا دستور جاء لاصلاح جدول الاعمال الذي سعى الاخوان المسلمون الى فرضه على مصر في دستورهم، ولكنه لن يمنعهم من التنافس في الانتخابات للبرلمان كمستقلين أو كمنضمين لاحزاب شرعية.
ليس الدستور المصري الجديد وحده هو الذي اقر أمس، بل ان النظام العسكري هو ايضا نال الشرعية التي تطلع اليها. يبدو أن حملة النشر المكثفة (التي كلفت نحو 3 ملايين دولار) واعمال الاقناع الشاملة التي قام بها مندوبو الحكم، ادت الى نتيجة حتى لو كان ممكنا الاختلاف مع مصداقيتها – تمنح النظام المباركة لتطبيق باقي مراحل خريطة الطريق السياسية التي وضعت في بداية تموز (يوليو) 2013. وحسب تلك الخريطة، ففي غضون حتى تسعين يوما ستجرى حملتان انتخابيتان، واحدة للبرلمان والثانية للرئاسة، حين لم يتقرر بعد ايهما ستسبق الاخرى. والتقدير هو أنه كون الجنرال عبدالفتاح السيسي "سيقبل طلب الجمهور" ويتنافس على الرئاسة، فانه سيفضل اجراء هذه الانتخابات اولا وهكذا يكون بوسعه ايضا التأثير من مكانته كرئيس على شكل الانتخابات للبرلمان.
وستعود مصر على ما يبدو الى تقاليد طويلة السنين بموجبها جنرال يقف على رأس الهرم السلطوي. ولكن عندما يكون الخيار بين الديمقراطية وبين الاستقرار السياسي الذي يضع الاساسات لاعادة البناء الاقتصادي الضروري جدا – ولا سيما على خلفية النتائج السياسية التي اعطتها الثورة في ليبيا والحرب الاهلية المضرجة بالدماء في سورية – فان النتيجة السياسية في مصر ليست سيئة جدا. ومع ذلك، ما تزال مصر لم تنهِ صراعاتها السياسية. وحتى بعد دخول الدستور الجديد حيز التنفيذ وبعد الانتخابات للبرلمان، فان سياقات التشريع المطلوبة لتطبيق الدستور لا بد ستثير الخلافات والازمات التي من شأنها أن تهدد الاستقرار مرة اخرى.

التعليق