كأس قهوة وطبق فواكه

تم نشره في السبت 18 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً

يديعوت أحرنوت

اليكس فيشمان
17/1/2014
ليس مكتب وزير الدفاع الأميركي كبيرا بصورة مميزة فقط بل هو ايضا أحد نقاط المراقبة الأجمل على نهر بوتوماك. توجد عن أحد جوانب طاولة العمل، طاولة مباحثات واسعة مخصصة للقاءات اليومية التي يجريها وزير الدفاع مع مساعديه. وتوجد في ركن آخر من اركان الغرفة طاولة مستديرة محاطة بأرائك مغرية. وهذا هو الركن الحميم غير الرسمي.
لم يجلس وزراء دفاع اسرائيليون كثيرون في هذا الركن مع وزير الدفاع على كأس قهوة وطبق فواكه، وحظي قليلون فقط منهم بلقاءات كهذه وحدهما.
إن لقاء بين وزيري دفاع وحدهما من غير محضر جلسة مكتوب يكاد يكون كلمة نابية في سفر اعمال الادارة الاميركية. وحينما يحدث ذلك يكون واحدا من التعبيرات الخارجية الأبرز عما اعتيد أن يسمى عندنا "العلاقات المميزة" بين جهازي الأمن. وفي لقاءات كهذه تُبت مصائر، فهناك يتحدثان عن المواضيع المهمة حقا. وهناك ايضا يتم تبادل الرسائل المحرجة غير اللذيذة وتشمل ملاحظات الرئيس عن سلوك رئيس الوزراء.
اذا كان عند وزير الدفاع يعلون شكاوى شديدة من السلوك الاميركي المتعلق بقضايا الأمن في المسيرة السياسية، فقد كان هذا هو المكان الصحيح لاثارتها. لكن يبدو أن يعلون لن يرى هذا الركن في الفترة القريبة، بل من المحتمل ألا يرى حتى الـ "ريفر غيت" وهو باب الدخول إلى وزارة الدفاع الاميركية حيث تُجرى مراسم الاستقبال العسكري لضيوف وزير الدفاع.
وليس الامر أمر تشريفات فقط. إن الكلام الذي قاله يعلون عن وزير الخارجية الاميركي كيري وكشفت عنه "يديعوت احرونوت" في هذا الاسبوع سبب ضررا حقيقيا بالعلاقات غير الرسمية بين جهازي الامن الاسرائيلي والاميركي. ومن الصعب ألا نبالغ في أهمية هذه العلاقات لأنه لا يوجد اسبوع لا يثار فيه طلب اسرائيلي ما لتدخل اميركي كهذا أو ذاك، سواء كان الحديث عن صفقة سلاح أم عن اجراء دبلوماسي عاجل يحتاج اليه جهاز الأمن الاسرائيلي ليدفع بشؤونه قدما.
إن الالتزامات الامنية الاميركية لاسرائيل لم تُمس، في ظاهر الامر. وسيكون وزير الدفاع نفسه هو الذي سيُمس به في المرحلة المباشرة وسيبدأ يعلون يشعر بمعنى الكتف الباردة في واشنطن: إن من رش حذاء جون فاين بالوحل فلا يعجب اذا دخل عنده بين النوايا. وحينما تغلق الابواب في واشنطن في وجه وزير دفاع اسرائيلي سيتغلغل ذلك إلى أسفل ايضا.
إن لمنظومة علاقات شخصية بين وزير دفاع ورؤساء الادارة الاميركية أهمية عليا في الازمات. ففي القضية الايرانية مثلا كانت علاقات اسرائيل بالولايات المتحدة قريبة من التفجير أكثر من مرة واحدة. وبفضل منظومة العلاقات القريبة بين وزيري الدفاع بانيتا وباراك استقر رأي الاميركيين على بناء خيار عسكري حقيقي لمواجهة الايرانيين، وإشراك اسرائيل في الخطط بل أن يُعرض عليها قدرات عملياتية جديدة. صحيح أن كل ذلك مسألة مصالح استراتيجية لكن الود الشخصي يحدد الاتجاه والايقاع.
والى ذلك فانه في تلك الفترة حقا، فترة التوتر حول الشأن الايراني، طلبت اسرائيل من الولايات المتحدة زيادة ميزانية من اجل الدفاع الفعال. وبرغم أن الادارة الاميركية كانت آنذاك في ذروة تقليص ميزانية أفقي وافقت لاسرائيل على زيادة 900 مليون دولار من اجل سبع بطاريات اخرى من القبة الحديدية.
يستفيد الاميركيون ايضا من هذا الحوار الودي. فقد أدركت اسرائيل الحاجة الاميركية إلى صفقة السلاح الضخمة مع السعودية ووجدت ايضا الحلول التي كانت ترمي إلى تخفيف الأخطار على اسرائيل. وهذه هي المواضيع التي حظيت بالنشر فقط أما أكثر التفاهمات والاتفاقات التي تتخذ بأربع أعين فهي سرية. بل لا يكون حتى قادة الجيش – في الولايات المتحدة واسرائيل – مطلعين على السر احيانا.
إنهم في مكتب يعلون يؤمنون بأن هذه الازمة تم تكبيرها فتجاوزت جميع النسب ولهذا ستخفت رويدا رويدا بسبب المصالح المشتركة. وقد بدأت مشاورات وأصبحوا يفكرون هناك في وسطاء ويبنون على أن يدعو نتنياهو يعلون إلى لقاء مع كيري في زيارته القادمة لاسرائيل، وأن يحاولا الاعتذار والمصالحة على أمل أن تسقط الأسوار.
لكن ذلك لن يساعد فقد وقع الضرر. لا يوجد هنا مس شخصي بكيري فقط بل سخرية من رمز اميركي. قبل يوم من نشر كلام يعلون جلس نائب رئيس الولايات المتحدة جون بايدن مع نتنياهو وكرر قوله إن الرئيس اوباما يقوم من وراء اجراءات وزير خارجيته. وكانت النتيجة أن يعلون لم يسخر من وزير الخارجية فقط بل من رئيس الولايات المتحدة ايضا وهكذا يترجمون ذلك في واشنطن على الأقل.
من سخرية القدر أن كان يعلون نفسه قبل اشهر معدودة فقط مشاركا في محاولة وساطة بين المصريين والادارة الاميركية على إثر إهانة وجهها الفريق السيسي إلى الشيخين جون مكين ولندزي غراهام اللذين أُرسلا اليه. فقد نهض السيسي ببساطة في منتصف اللقاء وانصرف وكلفه ذلك عقوبات عسكرية فورا. وطُلب إلى جهاز الامن في اسرائيل آنذاك أن يتدخل لدى اصدقائه في مجلس النواب وفي الادارة وأن يُصالح، وفعل ذلك بنجاح جزئي. فمن يتجه اليوم لمصالحة الاميركيين بسبب بوغي.
مع كل أهمية العلاقة الحميمة بين جهازي الأمن، يجب أن تمر العلاقات الامنية لدولة اجنبية بالولايات المتحدة عن طريق وزارة الخارجية الاميركية. فالحوار الاستراتيجي بين اسرائيل والولايات المتحدة الذي يرأسه المدير العام في وزارة الدفاع يتم مع وزارة الخارجية. وتوجد جهات الرقابة على الاتفاقات الامنية في وزارة الخارجية الاميركية. وكانت جميع القضايا الصعبة لصفقات السلاح مع الصين تعالجها وزارة الخارجية الاميركية. واليوم وقد أصبح وزير الدفاع هيغل أقل بروزا من أسلافه وفي وقت أصبح فيه وزير الخارجية كيري هو الشخصية المهيمنة في الادارة أصبح من الاهمال الانقضاض عليه شخصيا. ويفهم الموظفون لا في وزارة الخارجية فقط، سريعا جدا روح القائد، فحينما يبدأون العمل بحسب الكتاب لن يُعاقب وزير الدفاع فقط. سيتم العمل في جميع المستويات بصورة ابطأ مع تدقيقات بيروقراطية يصعب تقدير ضررها.
في المرحلة الحالية ستجهد الادارة الاميركية للالتفاف على يعلون واجراء الاتصالات في الشؤون الامنية بجهات اخرى قد تكون رئيس الوزراء أو وزير الخارجية أو ملحقين عسكريين أو أناسا لهم علاقة دائمة بوزارة الدفاع كاللواء (احتياط) عاموس جلعاد والمدير العام لوزارة الدفاع دان هرئيل اللذين سيصبحين قناة العمل المركزية. وفي المواضيع السرية سيتحدثون مع رئيس الموساد أو مع رئيس الوزراء، ويُنحى وزير الدفاع جانبا. فقد كانت الاهانة شخصية وسيكون الانتقام شخصيا.
بدأ يعلون بصفته وزير الدفاع علاقاته بالاميركيين بصورة طيبة. وقد عرفوا له فضله بسبب موقفه من القضية الايرانية حينما كان عضوا في الثمانية التي تحدت باراك ونتنياهو لكن شيئا ما قد اختل. فأدرك الاميركيون سريعا جدا أن يعلون قد يكون عقبة لا يمكن اجتيازها في الطريق إلى تحقيق مبادرة كيري وانتظروه عند الزاوية. وسقط نشر كلامه علنا في أيديهم مثل ثمرة ناضجة وهم لا ينوون أن يفقدوا التأثير الذي يُمكنهم من اضعاف الخصم. اذا فشلت بعثة كيري فان تصريحات يعلون سيستخدمها وزير الخارجية للبرهنة على أن اسرائيل لم تعامل المسيرة السلمية معاملة جدية وعملت على افشالها.
إن "العلاج" الذي سيمنحه الاميركيون ليعلون يفترض من وجهة نظرهم أن يُسهل عمل كيري وأن يضعف وزراء الحكومة الذين يعارضون اتفاق الاطار. ويمكن أن نفرض أن ينقل وزير الدفاع هيغل بعد ذلك رسالة إلى يعلون تقول إنه يفرحه جدا أن يُحادثه بل أن يستضيفه في وزارة الدفاع الاميركية بشرط أن يُلين معارضته للمسيرة السياسية التي تقودها واشنطن، وسيخضع وزير الدفاع للابتزاز ولن يستطيع أن يتهم في ذلك سوى نفسه فقط.

التعليق