الاقتصاد العالمي في العام 2014

تم نشره في الأحد 12 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً
  • MCT

كلاوس شواب*

جنيف- مع بزوغ فجر عام جديد، يمر العالم بتحولات ملحمية عديدة. فكافة أنماط النمو الاقتصادي، والمشهد الجيوسياسي، والعقد الاجتماعي الذي يربط الناس معا، والنظام البيئي لكوكب الأرض، كل هذا يخضع الآن لتحولات جذرية متزامنة، الأمر الذي يؤدي إلى تولد القلق والانزعاج، وفي العديد من الأماكن الاضطرابات.

ومن المنظور الاقتصادي، فنحن ندخل حقبة من التوقعات والآفاق المتضائلة والشكوك المتزايدة. وفي ما يتصل بالنمو فإن العالم سوف يكون لزاماً عليه أن يتعايش مع قدر أقل من النمو. ولكي نفهم العواقب الضمنية المترتبة على هذا، فلنتأمل ما يلي: إذا سجل الاقتصاد العالمي نمواً لا يقل عن وتيرة ما قبل الأزمة (أكثر من 5 % سنويا) في المستقبل المنظور، فإن حجمه سوف يتضاعف في أقل من خمسة عشر عاما؛ وإذا كان النمو بنسبة
3 %، فإن تضاعف الناتج المحلي الإجمالي العالمي سوف يستغرق نحو 25 عاما.
ويشكل هذا فارقاً كبيراً بالنسبة للسرعة التي تتم بها عملية خلق الثروة، فضلاً عن التأثيرات العميقة على التوقعات. فنحن نتجاهل قوة النمو المركب بما لا يتفق مع مصالحنا.
وفي ما يتصل بالشكوك وعدم اليقين، فإن أكبر أربعة اقتصادات على مستوى العالم تخضع حالياً لتحولات كبرى. فالولايات المتحدة تناضل في محاولة لتعزيز النمو في بيئة سياسية منقسمة. وتنتقل الصين من نموذج النمو القائم على الاستثمار والتصدير إلى آخر يقوده الطلب المحلي. وتكافح أوروبا من أجل الحفاظ على سلامة عملتها الموحدة في حين تحاول حل مجموعة متعددة من القضايا المؤسسية المعقدة. وتحاول اليابان مكافحة عقدين من الانكماش بالاستعانة بسياسات نقدية قوية وغير تقليدية.
وفي كل من هذه القضايا، تعني صياغة القرارات السياسية المعقدة والحساسة والنتائج المترتبة عليها المزيد من "المجهولات"، مع تسبب الترابط العالمي في تعظيم المخاطر المتمثلة في العواقب الكبيرة غير المقصودة. على سبيل المثال، كان تأثير سياسة التيسير الكمي التي ينتهجها بنك الاحتياطي الفيدرالي كبيراً على عملات دول أخرى وعلى تدفقات رأس المال من وإلى الأسواق الناشئة.
فعندما تم إطلاق برنامج التيسير الكمي، كان أقل السياسات المتاحة عيوبا، وقد نجح في تجنيب العالم الانزلاق إلى حالة مأساوية من الكساد. ولكن جوانبه السلبية ومضاره أصبحت الآن واضحة للعيان، وقد يؤدي خفضه التدريجي في العام 2014 إلى تغذية المزيد من الشكوك وعدم اليقين.
كانت سياسة التيسير الكمي، وتنويعاتها في أماكن أخرى، سبباً في توسع الميزانيات العمومية للبنوك المركزية الكبرى بشكل كبير (من 5 إلى 6 تريليونات دولار أميركية قبل الأزمة إلى ما يقرب من 20 تريليون دولار الآن)، الأمر الذي أدى إلى إدمان الأسواق المالية على المال السهل. وقد أدى هذا بدوره إلى سعي عالمي في البحث عن العائد، فضلاً عن تضخم أسعار الأصول بشكل مصطنع، وسوء توزيع وتخصيص رأس المال.
ونتيجة لهذا، فكلما طال أمد التيسير الكمي كانت الأضرار الجانبية التي قد تلحق بالاقتصاد الحقيقي أعظم. ويتلخص التخوف الرئيسي الآن في عودة المشاكل البنيوية واختلالات التوازن إلى الظهور عندما يبدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي خفض التيسير الكمي تدريجياً ومع نضوب السيولة الدولارية في الأسواق العالمية. وفي كل الأحوال، فإن الإصلاحات المعززة للقدرة التنافسية في العديد من الاقتصادات المتقدمة ما تزال بعيدة عن الاكتمال، في حين أصبحت نسبة إجمالي الديون العامة والخاصة في هذه البلدان إلى الناتج المحلي الإجمالي الآن أعلى بنحو 30 % مقارنة بمستواها قبل الأزمة.
ويتزامن هذا المصدر من مصادر عدم اليقين مع ضعف الأداء في العديد من الأسواق الناشئة. ففي العام 2007، كان من المتوقع أن يتفوق نمو الأسواق الناشئة على نمو الاقتصادات المتقدمة بهامش كبير، قبل أن يحدث التقارب بين الجانبين. واليوم تسهم الاقتصادات المتقدمة بقدر أكبر في نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي مقارنة بالبلدان الناشئة، حيث من المتوقع أن يبلغ النمو في المتوسط 4 % في الأعوام المقبلة.
والواقع أن الظروف الاقتصادية تتحسن ببطء في البلدان ذات الدخل المرتفع، غير أن مجموعة من الضغوط النزولية قد تستمر لسنوات. فاقتصاد الولايات المتحدة على سبيل المثال، ما يزال عالقاً في حالة من التعافي الأدنى من المتوسط: فنسبة التضخم أدنى كثيراً مما ينبغي ومعدلات البطالة أعلى كثيراً مما ينبغي. وكانت البيانات الرسمية غالباً أفضل من المتوقع، وهو ما يعكس مدى مرونة الاقتصاد الأميركي وقدرته على التكيف والإبداع، ولكن أنماط الإنفاق الاستهلاكي والنمو في مرحلة ما قبل الأزمة من غير المرجح أن تتكرر.
وكان التحسن في منطقة اليورو حقيقياً ولكنه واه ضعيف. والنبأ الطيب هنا هو أن الكارثة التي تكهن بوقوعها العديد من الخبراء تم تجنبها بالفعل، والآن اقترب الركود من نهايته. ولكن التحسن لا يعني طفرة جديدة: ذلك أن تحقيق النمو القوي المطلوب للحد من معدلات البطالة المرتفعة، وخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وتحسين التوقعات المالية يظل بعيد المنال. ولا يكمن الخطر الأعظم الذي يواجه منطقة اليورو في المستقبل المنظور في الخروج غير المنضبط من قِبَل بعض البلدان، بل في الفترة المطولة من النمو الراكد وارتفاع معدلات البطالة.
ومن ناحية أخرى، فقد يستمر التباطؤ في الأسواق الناشئة لفترة طويلة، وخاصة في الاقتصادات الأكبر حجما. فعلى مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، حققت دول البريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين) تقدماً ملحوظاً، ولكن الإصلاحات لديها -بما في ذلك التنظيمات المصرفية وأنظمة العملة الجديدة- كانت من بين الأقل صعوبة من حيث التنفيذ.
وتشكل إصلاحات الجيل الثاني، والتي هي أكثر بنيوية في طبيعتها، أهمية بالغة في تحقيق النمو الطويل الأجل ولكن تحقيقها أكثر صعوبة. ذلك أن إلغاء إعانات الدعم، وإصلاح سوق العمل والإصلاحات القضائية، وفرض تدابير مكافحة الفساد الفعّالة من الأمور المشحونة سياسياً وكثيراً ما يقاومها أصحاب المصالح الخاصة القوية.
إن تباطؤ النمو العالمي يحدث الآن على خلفية من ارتفاع التفاوت الاقتصادي، نظراً لانحدار حصة العمل في الدخل الوطني -وهي ظاهرة عالمية ناجمة عن العولمة والتقدم التكنولوجي، وتفرض تحديات خطيرة على صناع السياسات. والواقع أن الأنظمة التي تنشر التفاوت وعدم المساواة، أو تلك التي تبدو عاجزة عن وقف اتساع فجوة التفاوت، تحتوي على بذور دمارها. ولكن في عالم مترابط لا توجد حلول واضحة لأن القدرة العالية التي يتمتع بها رأس المال على التنقل تعمل على تغذية المنافسة الضريبية العالمية.
وحتى في البلدان الأقوى أداء، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، لم يكن نمو الناتج المحلي الإجمالي الأسرع كافياً بعد لتعزيز الدخول الحقيقية. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال؛ انخفض دخل الأسرة المتوسطة بنسبة أكبر من 5 % منذ بدء التعافي. وبشكل أكثر عموما، كان تباطؤ النمو سبباً في تغذية الاحتجاجات الشعبية والاضطرابات الاجتماعية، وخاصة في البلدان التي شهدت نمواً سريعاً (على سبيل المثال البرازيل وتركيا وجنوب أفريقيا)، نظراً لتأثير مستويات المعيشة المتزايدة الارتفاع على التوقعات.
وفي مثل هذا السياق الاجتماعي والسياسي المشحون، فإن إحياء النمو الاقتصادي العالي الجودة يشكل أمراً بالغ الأهمية. ولكن كيف قد يتأتى ذلك؟ إن التقدم التكنولوجي يشكل احتمالاً واضحاً ولكنه غير مؤكد على الإطلاق. فالعديد من التكنولوجيات الخارقة (على سبيل المثال الروبوتات المتطورة، والجيل القادم من علوم الجينوم، وتخزين الطاقة، والطاقة المتجددة، والطباعة الثلاثية الأبعاد) من الممكن أن تدفع النمو في المستقبل، ولكن كامل إمكاناتها لن تتحقق إلا في المستقبل البعيد.
في ظل القيود المالية العصيبة التي تواجهها أغلب الحكومات، يحجم المسؤولون عن التفكير في مشاريع قد تؤدي إلى زيادة الدين العام. ولكن هناك بعض الثمار الدانية -الاستثمار الإنتاجي القادر على تعزيز النمو في الأمد البعيد وبالتالي سداد تكاليفه بنفسه. وقد يسفر التركيز على أربعة مجالات بشكل خاص -البنية الأساسية والتعليم والطاقة الخضراء والزراعة المستدامة- عن عوائد اقتصادية واجتماعية عالية.
ولكن في نهاية المطاف، لا يتطلب الطريق إلى النمو المستدام ابتكار سياسات جديدة فحسب، بل وأيضاً التحلي بعقلية جديدة. فمن الأهمية بمكان أن تتحلى مجتمعاتنا بروح المغامرة التجارية وأن تزيد من تركيزها على إقامة المساواة بين الجنسين وأن تعمل على ترسيخ جذور الدمج الاجتماعي. ولا توجد ببساطة أي طريقة أخرى لإعادة الاقتصاد العالمي إلى مسار النمو القوي والمستدام.

*مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي ورئيسه التنفيذي.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

كلاوس شواب*

جنيف- مع بزوغ فجر عام جديد، يمر العالم بتحولات ملحمية عديدة. فكافة أنماط النمو الاقتصادي، والمشهد الجيوسياسي، والعقد الاجتماعي الذي يربط الناس معا، والنظام البيئي لكوكب الأرض، كل هذا يخضع الآن لتحولات جذرية متزامنة، الأمر الذي يؤدي إلى تولد القلق والانزعاج، وفي العديد من الأماكن الاضطرابات.
ومن المنظور الاقتصادي، فنحن ندخل حقبة من التوقعات والآفاق المتضائلة والشكوك المتزايدة. وفي ما يتصل بالنمو فإن العالم سوف يكون لزاماً عليه أن يتعايش مع قدر أقل من النمو. ولكي نفهم العواقب الضمنية المترتبة على هذا، فلنتأمل ما يلي: إذا سجل الاقتصاد العالمي نمواً لا يقل عن وتيرة ما قبل الأزمة (أكثر من 5 % سنويا) في المستقبل المنظور، فإن حجمه سوف يتضاعف في أقل من خمسة عشر عاما؛ وإذا كان النمو بنسبة
3 %، فإن تضاعف الناتج المحلي الإجمالي العالمي سوف يستغرق نحو 25 عاما.
ويشكل هذا فارقاً كبيراً بالنسبة للسرعة التي تتم بها عملية خلق الثروة، فضلاً عن التأثيرات العميقة على التوقعات. فنحن نتجاهل قوة النمو المركب بما لا يتفق مع مصالحنا.
وفي ما يتصل بالشكوك وعدم اليقين، فإن أكبر أربعة اقتصادات على مستوى العالم تخضع حالياً لتحولات كبرى. فالولايات المتحدة تناضل في محاولة لتعزيز النمو في بيئة سياسية منقسمة. وتنتقل الصين من نموذج النمو القائم على الاستثمار والتصدير إلى آخر يقوده الطلب المحلي. وتكافح أوروبا من أجل الحفاظ على سلامة عملتها الموحدة في حين تحاول حل مجموعة متعددة من القضايا المؤسسية المعقدة. وتحاول اليابان مكافحة عقدين من الانكماش بالاستعانة بسياسات نقدية قوية وغير تقليدية.
وفي كل من هذه القضايا، تعني صياغة القرارات السياسية المعقدة والحساسة والنتائج المترتبة عليها المزيد من "المجهولات"، مع تسبب الترابط العالمي في تعظيم المخاطر المتمثلة في العواقب الكبيرة غير المقصودة. على سبيل المثال، كان تأثير سياسة التيسير الكمي التي ينتهجها بنك الاحتياطي الفيدرالي كبيراً على عملات دول أخرى وعلى تدفقات رأس المال من وإلى الأسواق الناشئة.
فعندما تم إطلاق برنامج التيسير الكمي، كان أقل السياسات المتاحة عيوبا، وقد نجح في تجنيب العالم الانزلاق إلى حالة مأساوية من الكساد. ولكن جوانبه السلبية ومضاره أصبحت الآن واضحة للعيان، وقد يؤدي خفضه التدريجي في العام 2014 إلى تغذية المزيد من الشكوك وعدم اليقين.
كانت سياسة التيسير الكمي، وتنويعاتها في أماكن أخرى، سبباً في توسع الميزانيات العمومية للبنوك المركزية الكبرى بشكل كبير (من 5 إلى 6 تريليونات دولار أميركية قبل الأزمة إلى ما يقرب من 20 تريليون دولار الآن)، الأمر الذي أدى إلى إدمان الأسواق المالية على المال السهل. وقد أدى هذا بدوره إلى سعي عالمي في البحث عن العائد، فضلاً عن تضخم أسعار الأصول بشكل مصطنع، وسوء توزيع وتخصيص رأس المال.
ونتيجة لهذا، فكلما طال أمد التيسير الكمي كانت الأضرار الجانبية التي قد تلحق بالاقتصاد الحقيقي أعظم. ويتلخص التخوف الرئيسي الآن في عودة المشاكل البنيوية واختلالات التوازن إلى الظهور عندما يبدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي خفض التيسير الكمي تدريجياً ومع نضوب السيولة الدولارية في الأسواق العالمية. وفي كل الأحوال، فإن الإصلاحات المعززة للقدرة التنافسية في العديد من الاقتصادات المتقدمة ما تزال بعيدة عن الاكتمال، في حين أصبحت نسبة إجمالي الديون العامة والخاصة في هذه البلدان إلى الناتج المحلي الإجمالي الآن أعلى بنحو 30 % مقارنة بمستواها قبل الأزمة.
ويتزامن هذا المصدر من مصادر عدم اليقين مع ضعف الأداء في العديد من الأسواق الناشئة. ففي العام 2007، كان من المتوقع أن يتفوق نمو الأسواق الناشئة على نمو الاقتصادات المتقدمة بهامش كبير، قبل أن يحدث التقارب بين الجانبين. واليوم تسهم الاقتصادات المتقدمة بقدر أكبر في نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي مقارنة بالبلدان الناشئة، حيث من المتوقع أن يبلغ النمو في المتوسط 4 % في الأعوام المقبلة.
والواقع أن الظروف الاقتصادية تتحسن ببطء في البلدان ذات الدخل المرتفع، غير أن مجموعة من الضغوط النزولية قد تستمر لسنوات. فاقتصاد الولايات المتحدة على سبيل المثال، ما يزال عالقاً في حالة من التعافي الأدنى من المتوسط: فنسبة التضخم أدنى كثيراً مما ينبغي ومعدلات البطالة أعلى كثيراً مما ينبغي. وكانت البيانات الرسمية غالباً أفضل من المتوقع، وهو ما يعكس مدى مرونة الاقتصاد الأميركي وقدرته على التكيف والإبداع، ولكن أنماط الإنفاق الاستهلاكي والنمو في مرحلة ما قبل الأزمة من غير المرجح أن تتكرر.
وكان التحسن في منطقة اليورو حقيقياً ولكنه واه ضعيف. والنبأ الطيب هنا هو أن الكارثة التي تكهن بوقوعها العديد من الخبراء تم تجنبها بالفعل، والآن اقترب الركود من نهايته. ولكن التحسن لا يعني طفرة جديدة: ذلك أن تحقيق النمو القوي المطلوب للحد من معدلات البطالة المرتفعة، وخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وتحسين التوقعات المالية يظل بعيد المنال. ولا يكمن الخطر الأعظم الذي يواجه منطقة اليورو في المستقبل المنظور في الخروج غير المنضبط من قِبَل بعض البلدان، بل في الفترة المطولة من النمو الراكد وارتفاع معدلات البطالة.
ومن ناحية أخرى، فقد يستمر التباطؤ في الأسواق الناشئة لفترة طويلة، وخاصة في الاقتصادات الأكبر حجما. فعلى مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، حققت دول البريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين) تقدماً ملحوظاً، ولكن الإصلاحات لديها -بما في ذلك التنظيمات المصرفية وأنظمة العملة الجديدة- كانت من بين الأقل صعوبة من حيث التنفيذ.
وتشكل إصلاحات الجيل الثاني، والتي هي أكثر بنيوية في طبيعتها، أهمية بالغة في تحقيق النمو الطويل الأجل ولكن تحقيقها أكثر صعوبة. ذلك أن إلغاء إعانات الدعم، وإصلاح سوق العمل والإصلاحات القضائية، وفرض تدابير مكافحة الفساد الفعّالة من الأمور المشحونة سياسياً وكثيراً ما يقاومها أصحاب المصالح الخاصة القوية.
إن تباطؤ النمو العالمي يحدث الآن على خلفية من ارتفاع التفاوت الاقتصادي، نظراً لانحدار حصة العمل في الدخل الوطني -وهي ظاهرة عالمية ناجمة عن العولمة والتقدم التكنولوجي، وتفرض تحديات خطيرة على صناع السياسات. والواقع أن الأنظمة التي تنشر التفاوت وعدم المساواة، أو تلك التي تبدو عاجزة عن وقف اتساع فجوة التفاوت، تحتوي على بذور دمارها. ولكن في عالم مترابط لا توجد حلول واضحة لأن القدرة العالية التي يتمتع بها رأس المال على التنقل تعمل على تغذية المنافسة الضريبية العالمية.
وحتى في البلدان الأقوى أداء، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، لم يكن نمو الناتج المحلي الإجمالي الأسرع كافياً بعد لتعزيز الدخول الحقيقية. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال؛ انخفض دخل الأسرة المتوسطة بنسبة أكبر من 5 % منذ بدء التعافي. وبشكل أكثر عموما، كان تباطؤ النمو سبباً في تغذية الاحتجاجات الشعبية والاضطرابات الاجتماعية، وخاصة في البلدان التي شهدت نمواً سريعاً (على سبيل المثال البرازيل وتركيا وجنوب أفريقيا)، نظراً لتأثير مستويات المعيشة المتزايدة الارتفاع على التوقعات.
وفي مثل هذا السياق الاجتماعي والسياسي المشحون، فإن إحياء النمو الاقتصادي العالي الجودة يشكل أمراً بالغ الأهمية. ولكن كيف قد يتأتى ذلك؟ إن التقدم التكنولوجي يشكل احتمالاً واضحاً ولكنه غير مؤكد على الإطلاق. فالعديد من التكنولوجيات الخارقة (على سبيل المثال الروبوتات المتطورة، والجيل القادم من علوم الجينوم، وتخزين الطاقة، والطاقة المتجددة، والطباعة الثلاثية الأبعاد) من الممكن أن تدفع النمو في المستقبل، ولكن كامل إمكاناتها لن تتحقق إلا في المستقبل البعيد.
في ظل القيود المالية العصيبة التي تواجهها أغلب الحكومات، يحجم المسؤولون عن التفكير في مشاريع قد تؤدي إلى زيادة الدين العام. ولكن هناك بعض الثمار الدانية -الاستثمار الإنتاجي القادر على تعزيز النمو في الأمد البعيد وبالتالي سداد تكاليفه بنفسه. وقد يسفر التركيز على أربعة مجالات بشكل خاص -البنية الأساسية والتعليم والطاقة الخضراء والزراعة المستدامة- عن عوائد اقتصادية واجتماعية عالية.
ولكن في نهاية المطاف، لا يتطلب الطريق إلى النمو المستدام ابتكار سياسات جديدة فحسب، بل وأيضاً التحلي بعقلية جديدة. فمن الأهمية بمكان أن تتحلى مجتمعاتنا بروح المغامرة التجارية وأن تزيد من تركيزها على إقامة المساواة بين الجنسين وأن تعمل على ترسيخ جذور الدمج الاجتماعي. ولا توجد ببساطة أي طريقة أخرى لإعادة الاقتصاد العالمي إلى مسار النمو القوي والمستدام.

*مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي ورئيسه التنفيذي.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.
التعليق