8 سنوات تنكيل بشارون

تم نشره في الأربعاء 8 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً
  • رئيس وزراء إسرائيل السابق أرئيل شارون يرقد في أحد المستشفيات -(ا ف ب)

هآرتس

مناحيم بن
7/1/2014
ما يزال ارئيل شارون لم يخلص من عذابه في ساعة كتابة هذه السطور. فما زال حيا – ميتا كما كان مدة السنوات الثماني الاخيرة كلها، ويجب بالطبع أن نأخذ في الحسبان أن هذا الكلام قد ينشر موازيا لموته حقا، وهو شيء سيزيد في عدم سلامة هذه المقالة التي أساسها الانتقاد الشديد لأننا لم ندعه يموت قبل ذلك.
في مقالة مُنفرة بصورة مميزة نشرها جلعاد شارون في "يديعوت احرونوت" في يوم الجمعة شهّر بممرضة تجرأت أن تقول له الحقيقة في البدء حقا قبل ثماني سنوات، ودعته إلى أن يدع أباه يموت. واليكم وصف جلعاد شارون لذلك بلغة صبيانية ولن نقول إنها عنصرية: "في ذات يوم، في وقت العلاج الثاني، حينما كنا في القسم في الطابق السابع في هداسا، دخلت إلى الغرفة امرأة ما تلبس ملابس ممرضة. كانت سوداء الشعر وسوداء العينين وكان نظرها ثاقبا وبدت لي مثل ساحرة. وقالت لي: تستطيع تسريحه وأن تدعه يذهب. ذلك متروك لك فقط". وكان رد شارون الابن: "لن أترك أبدا". فهو لا يتخلى إلى الأبد وإن كان كل التخلي عن آلام أبيه وبؤسه.
وليس عند جلعاد شارون ايضا كلام طيب يقوله في طبيب آخر عالج قبل ذلك ليلي شارون في مرضها وأوصى بأن تترك لتموت ولتخلص من عذابها، برغم أن اريك شارون نفسه كما يقول تأثر بكلام ذلك الطبيب. لكن جلعاد مستمر في غيه: "فكرت فجأة في أنه ربما لا يكون كل الاطباء يحبون أمهاتهم وآباءهم". هل تفهمون، اذا اقترحت تخليص شخص ما من عذابه فأنت لا تحبه.
لكن يعلم من قرأ المقابلة الصحفية مع الطبيبة الملازمة لاريئيل شارون، د. ميرينا غيرشمان (في صحيفة "يديعوت احرونوت" ايضا) يعلم أن شارون لم يكن في السنوات الثماني الاخيرة "نبتة" موصولة بجهاز تنفس 24 ساعة في اليوم وليس ما يدعو إلى إبقائه حيا، لم يكن كذلك فقط، بل كان "نبتة" عانت حقا كما تشهد الدكتورة غيرشمان: "إن ما كان واضحا طول الطريق أنه كان يستجيب للألم. فقد كان يشعر بكل وخزة".
واذا كانت عنده معرفة ما – وربما كانت – فماذا عن الامكان الفظيع وهو أن شارون أراد أن يموت في مدة هذه السنوات الثماني كلها، لكن لم يملك الافصاح عن رغبته. تخيلوا انسانا تنهار اجهزة جسمه، لا يستطيع أن يتحدث أو أن يعبر عن نفسه بطريقة ما، ولا يوجد سوى أن يطرف جفنه بصعوبة، وهو يريد أن يموت مدة ثماني سنوات لكن لا يمكنه أن يبدي ذلك للمحيطين به وهم مستمرون في اعتقاد، بخطأ فظيع، أن الشيء المهم أن يحيا وليس مهما هل الحديث عن حياة جحيم خالصة.
أقترح على كل انسان أن يسأل نفسه: ماذا كنت تفضل لو كنت في هذا الوضع؟ هل كنت تريد البقاء حيا موصولا بجهاز تنفس وبلا وعي تقريبا وأنت مع كل ذلك تشعر بألم "كل وخزة"، فضلا عن آلام المرض على اختلافها. إن شارون أصيب بأمراض كثيرة كما تشهد الطبيبة، "كانت فيه أمراض مصاحبة كانت معروفة قبل ذلك وامراض جدّت في خلال العلاج الطويل، كفيادة الوزن والتنفس الذي هو محتاج اليه، وسنه الكبيرة جعلت الوضع صعبا جدا". ويصعب علي أن أفكر في انسان واحد يفضل "الحياة" على الموت في هذه الحال.
ولهذا فإن إطالة مدة العيش في هذا الوضع وإن كانت ناتجة عن نية طيبة وعن حب، هي بمنزلة تنكيل حقيقي وإن لم يكن تنكيلا متعمدا. وكان شارون ضحية هذا التنكيل مدة ثماني سنوات بلا قدرة على فعل شيء.
لكننا كنا مستمرين. أعني الجمهور كله. إنهم في نشرات الاخبار ما زالوا يتحدثون عن "خطر على حياة" شارون وعن "خشية على حياته"، بدل الحديث عن احتمال أن ينتهي عذابه آخر الامر وأن يمكن فصله عن جهاز التنفس. من المؤسف أن جلعاد شارون لم يسمع لتلك "الساحرة السوداء الشعر" التي اقترحت عليه آنذاك قبل ثماني سنوات اقتراحا ملائكيا تماما وهو أن يدع أباه يموت.
إن لكل قضية احتضار شارون الطويل البائس جوانب اخرى بالطبع. وأحد أهمها هو الجانب المالي: ففي حين يحارب المرضى عن ادويتهم في اطار سلة الادوية ولا يُستجاب لهم، تبيح الدولة لنفسها أن تنفق ملايين في مدة سنين على علاج شارون الذي لا داعي له وتطيل بذلك عذابه في واقع الامر، أي أنها تفعل عكس المراد لشارون نفسه.

التعليق