الغش في "التوجيهي": تهميش للإطار القيمي والأخلاقي

تم نشره في الأحد 5 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً
  • طلبة توجيهي بعد خروجهم من الامتحان الخميس الماضي - (تصوير: أسامة الرفاعي)

منى شكري

عمان- خيم الحزن على عائلة طالب التوجيهي (إياد) لحرمانه من تقديم الامتحانات لدورتين بعد ضبطهبسماعات لاسلكية تعينه على الغش في امتحان مهارات الاتصال الأسبوع الماضي.
أم إياد، وهو اسم مستعار، لم تتوقف عن البكاء وهي تروي ما حدث مع ابنها و"حيلتها في الدنيا"، وفق وصفها، تقول "عاد ابني بعد انتهاء الامتحان وأخبرني أن الأستاذ ضبطه بعد خروجه من القاعة بالسماعات وأخبر المسؤول بالقاعة عن اسمه الذي حرر مخالفة بحقه".
وقع الخبر جاء كالصاعقة على الأربعينية، التي تعاني من مشاكل عائلية مع زوجها منذ سنوات؛ حيث رفضت أن تنفصل بل صبرت وكابدت لتربي ولدها ليكافئها سندها "بفشله ودمار مستقبله"، كما تقول.
طالب الفرع الأدبي إياد شعر بـ"الخيبة" لما حدث معه، وعن تفاصيل ما جرى يقول: "استعملت السماعات لأستقبل الإجابات عن الامتحان، وما إن فرغت وخرجنا من القاعة، حتى نادى عليّ أحد الأساتذة لمساعدته في نقل بعض الكراسي".
ويتابع: "ما إن طفقت في مساعدته حتى لاحظ الأستاذ سلك السماعة عند رقبتي وشدني من كتفي، قائلا: انت غشيت سأسجل اسمك وأنت محروم!".
مخالفات كثيرة اقترفها طلبة توجيهي منذ بدء امتحان الثانوية العامة للعام الحالي، حيث تم تسجيل 1554 مخالفة منذ بدء الامتحان الذي تقدم له 170969 طالبا وطالبة، وفق تصريح وزير التربية والتعليم الدكتور محمد الذنيبات الأربعاء الماضي.
وتباينت طرق الغش التي ابتكرها الطلبة، بدءا من الوسائل التقليدية وليس انتهاء بالاستعانة بالسماعات اللاقطة وأجهزة الخلوي، في محاولة لاجتياز الامتحانات بنجاح!
مختصون أرجعوا ظاهرة "تنامي" الغش و"تواطؤ" فئات مجتمعية تصل الى الأهل أنفسهم، الى "تدني وزعزعة منظومة القيم والأطر الأخلاقية في المجتمع، وهو ما ينذر بكارثة كبيرة".
وطالبوا المؤسسات المعنية؛ الحكومية والتربوية والأسر، بالعمل معا على تعزيز المعيار الأخلاقي والقيمي وإعادة النظر في معيارية تقييم التوجيهي وقبول الجامعات، فضلا عن إعادة نظرة المجتمع لمفهوم العمل وقدسيته مهما كان.
التوجيهي "مفتاح الحياة"
وعن لجوء الطلبة للغش، يقول الاختصاصي الأسري والتربوي الدكتور محمد أبوالسعود: "التوجيهي يشكل مفتاحا للحياة بالنسبة للأردنيين، ومن لا يتجاوز الثانوية توصد في وجهه كل الأبواب؛ الكليات، الجامعات، وسوق العمل!".
ويتابع الأكاديمي أبوالسعود، أن الطالب يصل الى التوجيهي وهو "غير مستعد لاجتيازه"، فضلا عن أنه "معبأ من المجتمع والأسرة بأن النجاح في الثانوية العامة "سر السعادة"، لتجده يقبل على كل الأدوات التي تقربه من هذا الحلم بكل الوسائل المتاحة أمامه المشروعة أو غير المشروعة.
فتحقيق النجاح والحصول على الشهادة بالنسبة لطالب التوجيهي "نتيجة مصيرية هي بمثابة الحياة أو الموت"، وفق أبوالسعود.
من جهته، يشير أستاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة الدكتور حسين محادين، الى أن واحدة من مصاحبات الخصخصة في الأردن وصول المواطن الى قناعة بـ"عدم وجود علاقة بين الجهد المبذول في أي عمل والنتائج التي يقطفها"، متابعا "إذ يعتقد البعض أنه ليس بالضرورة أن يقوم بأداء شروط العمل أو الدراسة بأي مستوى لينجح".
وللأسف أصبح هذا المفهوم "جزءا من ثقافة المجتمع الأردني خلال العقدين الماضيين للآن"، وفق محادين، الذي يتابع "نجد إهمالا واضحا لمعيار المهارة والخبرة والجهد المبذول مقابل سيادة سلوك "الفهلوة" واللامعيارية والوساطات".
ويوضح محادين أن ما يجري في التوجيهي "جزء من منظومة تؤمن بالوصول الى الهدف بغض النظر عن الوسيلة".
التوجيهي "موسم مربح"
بعض الطلبة تلقوا دعما من قبل "فئات منتفعة" وجدت في امتحان التوجيهي "موسما مربحا"؛ حيث قبضت الأجهزة الأمنية على خياطين، يعملان في مخيطة، و9 طلاب في الثانوية العامة تواجدوا في المخيطة لتثبيت سماعات داخل ملابسهم، بهدف استخدامها للغش في الامتحان، مقابل مبالغ لا تتجاوز العشرة دنانير عن كل سماعة!
كما سلطت المصادر الأمنية الضوء قبل أيام على أبرز قضايا الغش في امتحان الثانوية العامة للدورة الحالية؛ حيث ضبطت طالبة أقدمت على زرع سماعتين في أذنيها، بقصد استقبال أجوبة عن أسئلة الامتحان. ليتم تحويلها إلى مستشفى الأمير حمزة، لانتزاع السماعتين اللتين كانتا ملتصقتين بطبلتي الأذنين، ما أوجب انتزاعهما بتدخل طبي!
لتعترف الطالبة أثناء التحقيق معها، أن من ساعدها بزرعهما، ثلاثة أشخاص، بينهم صاحب محل بيع هواتف خلوية!
ويرى محادين أن النجاح هدف مشروع لكل طالب يود الحصول عليه، لكن عندما يصاب المجتمع ومؤسساته بـ"اللامعيارية" تصبح الوسيلة المستخدمة "غير معنية للأسف بالشرعي وغير الشرعي ويلجأ الطالب بكل الوسائل لتحقيق مرماه وتشترك الأطراف النفعية معه في ذلك".
ويعزو محادين دعم بعض الفئات للغش الى أن العلاقات التي تسود المجتمع "قائمة على أطراف نفعية فردية، حيث اضمحلت ثقافة التكاتف المجتمعي وكأن القاعدة هنا "دعه يعمل دعه يمر"، حيث لا حديث عن شرعية العمل أو شرعية المرور".
ويتابع "أن وجود نماذج نجحت في الغش أسهم في تشجيع الآخرين على التقليد، فعدم محاسبة من يغش وتطبيق القانون على الجميع بعدالة يؤدي الى تعزيز الإقدام على ارتكاب الغش بسيادة الثقافة النفعية".
الجهد ليس من مواصفات النجاح!
يتساءل إياد: "كل من معي غشوا في الامتحان وعبر سماعات مثلي، لكن سوء الحظ أوقع بي حيث ضبطت بعد الامتحان!".
إياد الآن لا يعرف ماذا يفعل؛ حيث توجه في الامتحان التالي ليجرب الدخول إلى القاعة كونه لم يضبط داخلها أثناء غشه، الا أن الرد الذي كان ينتظره هو "الحرمان"!
اختصاصي الطب النفسي الدكتور محمد الحباشنة، يرجع إقدام الطلبة على الغش في فترة التوجيهي إلى أنه "جيل تربى على عدم القيام بجهد"، ومن المعروف في علم النفس أن "الجهد يحتاج الى ألم وتعب"، وهو ما يحاولون تحاشيه؛ إذ يريدون الحصول على علامة جاهزة بدون تعب، فيستسهلون مثلا التلقين عبر السماعة، أو اتباع أي وسيلة غش أخرى.
ويلقي الحباشنة باللائمة على الأهل الذين "لا يجهزون أبناءهم للخروج من مرحلة الطفولة الى الشباب"؛ فالطفل عندما يقترف الأخطاء يبقى طفلا غير مكتمل، أما في سن التوجيهي فالمفروض أن الطفل أصبح مكتمل الدماغ وترسخت عنده أسس التربية والقيم.
وينوه الحباشنة الى "أننا مجتمع استهلاكي يبحث عن السرعة والاستهلاك"، مشيرا الى أن "النماذج العامة التي يراها الطالب أمامه وتحدث بسرعة شديدة وبدون جهد تعزز عنده هذه النظرة".
كما أن الفترة التي يعيشها الأردن وفيها "راج الفساد"، بدأ المواطن هو الآخر "يريد الوصول الى مبتغاه بسرعة من خلال الرشاوى"، فضلا عن أن مواصفات النجاح "لم تعد مقاييس الجهد"، والأهم من ذلك أننا في هذه المرحلة "لم نعد نقارن بين ما هو مقبول وغير مقبول"، حيث التجريم الاجتماعي "بات قليلا، لذا فالغش والسرقة تفشيا أكثر".
الندم هو ما يسيطر على إياد، الطالب الذي يعمل منذ عامين الى جانب دراسته ليعيل والدته بعد مرض والده، حيث يشعر "بالفشل"، غير أنه "مصر على أن يتقدم للامتحان بعد دورتين ليحصل على الشهادة".
وعن شعور الطالب الذي يتوزع بين الندم وإعادة اقتراف الغش، يقول الحباشنة: "في بادئ الأمر قد يشعر الطالب الذي غش بالندم لأنه أخفق في تحقيق مبتغاه، وقد يعود لذلك لأنه ليس لديه تجريم داخلي ولا يريد أن يبذل جهدا".
وعن تأثير الغش، يقول الحباشنة إن له تأثيرا "سلبيا ضخما"؛ فالطالب الذي يخفق في الغش ويرسب أو قد يعاقب ويتعرض للحرمان من الامتحان قد تتكون لديه فكرة أنه "فاشل" وهي "محطمة للقدرات الذاتية".
أما من يغش ويجتاز الثانوية بهذه الطرق "الملتوية والمعلبة"، فقد يستخدمها بالمستقبل في حياته وبطريق احتيال أكثر دقة، والنموذجان، وفق الحباشنة "يهددان المجتمع، فلا نريد أشخاصا مهتزين عديمي الثقة بأنفسهم ولا محتالين نفعيين".
الأخلاق والقيم "تتزعزع"!
ويلفت محادين الى أن "جذور القيم في تراجع؛ حيث أصبح هناك قبول لكل الممارسات من غش ووجود لقطاء في بلد ينعت بالمحافظ، وغيرها من سلوكيات تسهم في تسفيف الأسر وجعلها ذرات متناثرة لآليات السوق".
المشكلة تكمن، وفق محادين، في أن استمرار سيادة الغش "يزرع ثقافة ستهدد القيم الدينية أولا وستعمل على تدني جودة الأداء لأن من نجحوا بالغش يخفقون في الحياة العملية مستقبلا".
كما أن ذلك سيؤدي الى إفراز أناس أصحاب شخصيات "متورّمة في الأنا؛ حيث تسقط مقولة الشرعي وغير الشرعي وعليه يصبح المجتمع ذرات فردية متنافرة، لتهدم المؤسسات الاجتماعية المختلفة بدءا من الأسرة وليس انتهاء بالنظام العام وسقوط القانون وغياب العدالة".
ويتفق الحباشنة مع ما ذهب اليه محادين في أن "غياب العدالة وتطبيق القانون على الجميع قد يؤدي الى تفشي الغش بين الطلبة"، حيث لسان حالهم يقول "مثلي مثل غيري"، فتطبيق دولة القانون الكاشفة للكل تحد من الظاهرة عند شعور الطالب بالعدل وبأن من جدّ وجد. والتحدي الأصعب الذي ينتظرنا، وفق محادين "أننا أفرادا وجماعات سنصاب بغموض السلوك المرضي والمنهي عنه"؛ أي أننا سنقبل على مرحلة كأفراد وجموع لا نعرف ما المسموح وما الممنوع لأن تطبيق القانون على شخص وفلتان الآخر منه يسهم في ذلك".
أم إياد، تؤكد أنها نصحت ابنها منذ بداية التحاقه بالتوجيهي أن يجد ويجتهد لينجح، غير أنه "لا جلد له على الدراسة" من جهة، فضلا عن أن "تأسيسه ضعيف حيث أحضرت له، رغم ضيق حالتها المادية، مدرسا خصوصيا لمادة الرياضيات الذي رفض بدوره أن يكمل تدريسه قائلا: ماذا أفعل مع طالب لا يحفظ جداول الضرب؟!".
وتقول أم اياد "ليلة كاملة قضاها ابني أول يوم في الامتحانات ينتظر أوراقا قيل له من قبل بعض الأصدقاء الذين هاتفوه إنها نموذج الامتحان؛ حيث سهر حتى الفجر الى أن جاءته الورقة "المسربة" والتي تبين أنها لم تكن النموذج الذي امتحن فيه!".
دور الأسرة في النهي عن ثقافة الغش "لن يؤتي أكله بين ليلة وضحاها"، وفق أبوالسعود الذي ينوه الى "أننا نتحرك بالاتجاه السلبي وكأن هناك قوة خفية تضع مساقات وطرق تدريس وتعقد مؤتمرات تزيد من ميل المجتمعات نحو البعد المادي وتهميش الإطار القيمي والأخلاقي".
ويلفت أبوالسعود الى أن مفهوم الأخلاق أصبح فيه "خلل"، منوها الى أن "قلة من الأسر التي تربي أبناءها على أطر قيمية".
وهذه القلة، وفق أبوالسعود "تخسر في المجتمع؛ حيث ينجح أحيانا أبناؤها بجهدهم بدون أن يحصلوا على مقاعد وتخصصات جامعية، وهو ما أفرزه غياب العدالة التي تؤدي الى تعميق النظرة السلبية في المجتمع الذي يكسب فيها الشاطر والفهلوي ومن يستطيع أن يغش بدون أن يضبط.
ويرى أبوالسعود أن المطلوب من المؤسسات المعنية الحكومية والتربوية والأسر أن تعزز المعيار الأخلاقي والقيمي، وأن تعيد النظر في معيارية تقييم التوجيهي وقبول الجامعات، فضلا عن إعادة نظرة المجتمع لمفهوم العمل بأنه مقدس، وأن قيمته بما يقدمه الفرد من فائدة للمجتمع، فهناك أعمال أهم وأخطر من إصرار الأسر على أن يعمل أبناؤها أطباء ومهندسين.

muna.shukree@alghad.jo

@mmshukree

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه (تاعت)

    الخميس 9 كانون الثاني / يناير 2014.
    ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه
  • »عجيب مفهوم الأخلاق عند البعض (مواطن)

    الأحد 5 كانون الثاني / يناير 2014.
    في كل الأعراف و الديانات و التقاليد و القيم الأخلاقيه الغشاش يجب ان يعاقب و ليس للغش اي عذر .اللي بيدرس بينجح و اللي قضاها سرمحه بالشوارع بيشبح و الطلاب في الصفوف لو فتحت الكتاب امامه يجاوب ما رح يعرف و لا رح ينجح