مَن الذي أقر أساليب التحقيق الوحشية بعد هجمات 9/11 ؟

تم نشره في الأربعاء 1 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً
  • طفل عراقي يرفع يديه أمام جندي بريطاني أثناء غزو العراق في العام 2003 - (أرشيفية)

إيان كوبين - (الغارديان) 20/12/2013

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

في شباط (فبراير) من العام 1991 خلال حرب الخليج، وجدت نفسي أقف على الحدود السعودية- الكويتية، أشاهد جنود المشاة البريطانيين وهم يعتقلون جنوداً عراقيين أسرى كانوا ينسلون عبر الأرض الحرام، مثنى وثلاث، متلهفين للاستسلام. كان البريطانيون مستعدين بشكل جيد: كانت هناك مخزونات ضخمة من المياه المعبأة في قوارير، وخيام ومركبات تنتظر.
بين فترة وأخرى، كان شيء ما يحدث خطأ، فقد وقعت حالات سوء فهم -خاصة عند الفجر أو الغروب- وتضرر الناس. لكن ما شاهدته كان بشكل عام عملية إنسانية. فقد تم وضع العراقيين في مأوى، وتم إعطاؤهم مياه شرب ووقتاً للتدخين ثم تم نقلهم. وكان مشهداً مؤثراً رؤية الرعاية التي قدمها الجنود البريطانيون لأعدائهم عند التعامل معهم: أولئك المجندين المتسخين المصابين بالرهبة في أعقاب أسابيع من القصف الجوي.
ثم بعد اثني عشر عاماً من ذلك، وجدت نفسي أتحرك مع القوات البريطانية عبر البصرة، التي تقوم بتطهير جيوب المقاومة، ويموت البعض خلال العملية. وعند قصر صدام حسين على ضفاف الممر المائي في شط العرب، عبرت زاوية فشاهدت طابوراً طويلاً من الأسرى العراقيين. كانت رؤوسهم مغطاة بأكياس، وكانت أيديهم موثوقة بقيود بلاستيكية خلف ظهورهم، وكانوا جاثمين ركوعاً تحت الشمس. وبعد ساعة من الزمان، عدت إلى نفس المكان فوجدت الأسرى ما يزالون على حالهم، جاثمين على ركبهم بنفس الأوضاع.
في وقت لاحق من نفس اليوم، تسلل اثنان من أفراد الطاقم الطبي للجيش خفية، وأسرّا بأن أحداً دعاهما للتو من أجل إنعاش أسير كان يتعرض للاستجواب في مكان تحت الأرض من جانب جنود بريطانيين. وقالا إنه كان هناك بضعة أسرى في الأسفل، وأن المكان يعبق برائحة الاستفراغ والبراز والدم، وأنه أياً يكن ما يحدث هناك، فإنه تسبب في فقدان أحد الرجال وعيه. كان من الواضح أن المساعدين الطبيين غير مرتاحين.
في بعض الأحيان، يكون من الصعوبة بمكان بالنسبة للمراسلين الصحفيين في مناطق الحرب أن يستوعبوا ما يحدث أمامهم. ومن الممكن وفي بعض الأحيان، يمكن الحصول على صورة أوضح، "الصورة الكبيرة" المخادعة من مكان بعيد، أو بعد مرور الوقت.
 لكنه كان واضحاً لي، حتى في ذلك الوقت، أنه لا بد أن يكون هناك سبب لهذه الطريقة المختلفة في التعامل مع الأسرى بين العامين 1991 و2002. ومع الوقت، استطعت أن أرى أن المسوغ لذلك لا يتعلق فقط بالموضوعات الخاصة بالتدريب والجهوزية لدى الجنود البريطانيين، وإنما هناك التعليمات والإشارات التي تعطى وتمرر إلى أسفل من خلال سلسلة القيادة.
بعد عدة أعوام، وبينما كنت أغطي تحقيقات استقصائية عن محاربة الإرهاب في المملكة المتحدة وفي باكستان، صادفت العديد من الجهاديين البريطانيين الشباب، بعضهم إرهابيون خطرون، والذين اشتكوا من أنهم عانوا من تعذيب مرعب عندما تم اعتقالهم وراء البحار، وأن ضباط المخابرات البريطانية كانوا يستجوبونهم ما بين كل جلسات التحقيق، حيث يسألونهم نفس الأسئلة التي كانت تطرح عليهم وهم تحت التعذيب. وكان أحد هؤلاء الرجال يحمل الندوب: جروح وأظافر مخلوعة وثقوب بسبب استخدام المثقاب الكهربائي، بالإضافة إلى الصدمة النفسية.
من جهتهم، تفادى المسؤولون والوزراء دائماً إجابة الأسئلة عن هذه المزاعم، وكانوا يردون في كل مرة بنفس العبارة: "المملكة المتحدة لا تشارك، ولا تدافع ولا تشجع ولا تتستر على استخدام التعذيب". ومع مرور الوقت، ومع تصاعد المزاعم وابتذال الدفوع بازدياد، جاء النفي الرسمي مصحوباً بسرية متزايدة في قاعة المحكمة، حيث أجرت "التحقيقات" لجنة أمنية ومخابراتية منحت جهات المخابرات تقرير صحة نظيفاً.
بالرغم من هذا، شرعت الحقيقة في التكشف ببطء والظهور إلى العلن كنتيجة للجهود التي بذلها، وبما يثير الدهشة، عدد صغير وحسب من القانونيين والبرلمانيين والصحفيين. وتدريجياً، ظهرت الأدلة على أن مسلمين بريطانيين كانوا ينقلون جواً من أفغانستان إلى خليج غوانتنامو بعد 11/9، لأن الوزراء قرروا وجوب إرسالهم إلى هناك. وكذلك نجم دليل على أن جهات المخابرات كانت قد سمحت لمشتبه بهم في الإرهاب بمغادرة المملكة المتحدة، ثم اقترحت على "شركاء ارتباط" القيام باعتقالهم قبل تحرير قوائم بالأسئلة التي كان يوجهها هؤلاء المعذبون سيئي الصيت، وأن ضباط جهازي المخابرات البريطانيين (أم آي 5) و(أم آي 6) المنخرطين في هذه العمليات كانوا يتبعون وثيقة سياسة وضعها بعناية قانونيون حكوميون وأقرها وزراء ومسؤولون رفيعو المستوى.
أخيراً، أفضت اكتشافات تمت مصادفة في غمرة الثورة الليبية قبل عامين إلى نشر وثائق تظهر كيفية تعاون عملاء مخابرات معمر القذافي مع جهاز (ام آي 6) في اختطاف اثنين من المنشقين -وزوجتيهما وأولادهما- وأن هذين الرجلين نقلا جواً إلى طرابلس حيث تعرضا لصنوف التعذيب.
في الأيام الأخيرة، أزال قاضي محكمة الاستئناف المتقاعد بيتر غيبسون، كل ما كان قد تبقى من الغموض والإنكار حول هذه المسألة. فقد قدم تقريراً جاء في 115 صفحة، أوضح فيه أنه شاهد ثروة من الحجج الموثقة التي تثبت أن ضباط المخابرات البريطانية كانوا قد انخرطوا في استجواب المعتقلين الذين كانوا يعرفون بأنها تجري إساءة معاملتهم، والتي أظهرت أن بعض أولئك الضباط كانوا يؤيدون تغطية الرأس والأوضاع المجهدة، والحرمان من النوم والاعتداءات الجسدية، والتي تضمنت أن جهات قامت في الحقيقة "بالمواربة أو التشجيع أو الاستفادة" مما يدعى عملية تسليم السجناء.
وقد مكث التقرير على مكتب السيد كاميرون لمدة 18 شهراً. ونعرف الآن أن هذا كان الوقت الذي استغرقه غبسون وشريكته في التحقيق، ديم جانيت باراسكيفا، في محاربة وإجهاض محاولات جهازي (ام آي 16) و(أم آي 15) وحلفائهما في مكتب المجلس الوزاري بغية إخضاع التقرير للرقابة المكثفة قبل نشره. وقد أقفلت الحكومة تحقيق غبسون، ولكن ليس قبل أن يكون قد شاهد ما يكفيه لإثارة 27 سؤالاً تحتاج لوضعها أمام وزراء ورؤساء مخابرات سابقين. يظل من غير الواضح ما إذا كان الجمهور سيطلع على الإجابة عن تلك الأسئلة. وقد قررت الحكومة الائتلافية، بعد أعوام من الوعود بأن يكون التحقيق مستقلاً بقيادة قاضٍ، أنه يجب تسليم الإجابة بدلاً من ذلك إلى لجنة مخابراتية وأمنية. ومن جهتها، شجبت جماعات حقوق الإنسان هذه الخطوة واعتبرتها تمهيداً لكذبة أخرى.
مع ذلك، قد يكون الوقت متأخراً جداً للتغطية، إذ يبدو أن هناك كمية كبيرة من الحقيقة التي تظهر هناك. ونعرف راهناً، مثلاً، بأنه تم يوم 10 كانون الثاني (يناير) من العام 2002 إرسال القرار بأن المسلمين البريطانيين الذين أسروا في أفغانستان سيرسلون إلى غوانتنامو عن طريق برقية تحمل توقيع جاك سترو (وزير الخارجية البريطانية الأسبق).
 ونعرف أنه في اليوم التالي، وكان يوم جمعة، تسلم ضباط (أم آي 15) و(أم آي 16) دليلهم للاستجواب الذي أبلغهم أنهم لا يخضعون لأي التزام بالتبليغ عن أي خروقات لمعاهدات جنيف، وأنه يسمح لهم باستجواب سجناء عرفوا أنهم تحت التعذيب. كما نعرف أنه في يوم الاثنين التالي صباحاً، جيش وزير الدفاع، جيوف هون، وحدة التحقيق العسكرية الخاصة التي انخرط بعض أعضائها لاحقاً في إساءة معاملة المعتقلين في العراق.
وهكذا، نعرف أن قرار استخدام "الشدة وعدم الرحمة" اتخذ في مجلس الوزراء البريطاني مبكراً في 20 كانون الثاني (يناير) من العام 2002. لكننا لا نعرف بعد من هو الذي اتخذ ذلك القرار ولماذا اتخذه.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
Who in Whitehall approved "gloves–off interrogation" after 9/11?

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

alghadnews@

التعليق