اختصاصيون: انتحار الأطفال ناتج عن اضطرابات نفسية وسخرية الآخرين

تم نشره في الأربعاء 1 كانون الثاني / يناير 2014. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الثلاثاء 21 تموز / يوليو 2015. 09:20 صباحاً

تغريد السعايدة

عمان - أثارت حادثة انتحار أحد الأطفال في الزرقاء، البالغ من العمر ثماني سنوات، بسبب سخرية زملائه في المدرسة من تشوّه خلقي في إحدى يديه، بحسب التصريحات الرسمية وروايات الأهل، حفيظة المجتمع الأردني وغضبه.
 فعلى الرغم من أن الكثير يستهجنون انتحار الأطفال، ولا عهد لهم به، إلا أن اختصاصي علم النفس، الدكتور محمد الحباشنة يؤكد وجود حالات انتحار لدى الأطفال، لكنها "محدودة" كما يقول، وتكون الدوافع وراءها "اضطرابات وجدانية وعاطفية"، على خلاف أسباب الانتحار عند البالغين وكبار السن. ويرى حباشنة أن الأسباب التي تقف وراء انتحار الصغار أسباب تفاعلية، تثيرها حالات الحزن والإحباط إزاء الظروف المحيطة، بينما يعود انتحار الكبار لأسباب بيولوجية، مرتبطة بالنمو الجسماني والعقلي الذي يؤهل الدماغ للمعاناة من الاكتئاب، ومن ثم الإقدام أحيانا على الانتحار.
وبالنسبة لحالة انتحار هذا الطفل تحديدا، يشير حباشنة إلى أن الرواية التي نشرتها وسائل الإعلام ليست سوى "جزء صغير" من القصة الكبيرة التي تكون قد أحاطت بالطفل. لكن هناك، كما يقول، ما يُسمى بـ"التشريح النفسي" الذي يمكن من خلاله معرفة ما قبل وما بعد حالة الانتحار.
فهو يبيّن أن الأطفال في مرحلة من مراحل عمرهم كثيرا ما يعملون على تقمص أدوار أقرانهم في المدرسة، ولذلك يكون لمجتمع الأقران في نفوسهم أهمية أكبر من تأثير الأسرة عليهم، حيث تتشكل شخصيتهم من خلال العلاقات الحميمة مع الأقران، من ذات المرحلة العمرية، وفي هذه المرحلة يتمثل الطفل مجتمعه الحيوي في المدرسة، ويتقمصه، كمؤثر قوي يظل يتشبث به في حياته.
لكن حباشنة يشير إلى خطورة "تنمر" الأقران بعضهم على البعض الآخر، سواء لفظياًَ أم جسدياً، "إذ يولِد هذا السلوك مشاعرَ سيئة للغاية يضيق فيه منظورُ من كان ضحيةً لهذا السلوك العدواني ويسودّ، وتُظلم الدنيا في عينيه. فمثل هذا السلوك هو الذي يُحدث خللا في المجتمع، ويؤدي إلى نشوء ثقافة التعامل مع "المُختلف"، كما في حالة الطفل المنتحر، أو غيرها من حالات الإعاقة المختلفة، التي لا تقبل الأخر ومن ثم تسيء إليه، مع ما ترتبب عن ذلك من نتائج محزنة".
ويستغرب حباشنة الدور المغيب للمرشد الاجتماعي في المدرسة، والذي ينتظر منه أن يكون قادرًا على التدخل في حالات "التنمر" وحماية الطفل المتضرر، إذ يؤدي إهماله إلى شعور الطفل بغياب "الحامي" له في المدرسة. ويشدد حباشنة على ضرورة تدخل إدارة المدرسة لحماية حقوق الأطفال المعوقين، لأن "غياب العدالة" في المعاملة يُتعب عقل الطفل الذي لن يجد من وسيلة للهروب من معاناته النفسية سوى التفكير في الموت أحيانا، بسبب تعرضه للإساءة المستمرة.
من جهتها تؤكد الاختصاصية التربوية، والناشطة في تنشئة الأطفال، الاختصاصية سناء أبو ليل، أن للأهل دورا كبيرا في توعية الأطفال "الأسوياء جسدياً" بضرورة مراعاة مشاعر الآخرين، وعدم الإساءة إليهم، وتقديرهم، مع توعيتهم بقيمة كل فرد، وبجمال الإنسان وإن بدا قبيحا أحيانا، لأن الخالق لم يخلق قبحًا على الإطلاق.
كما تبين أبو ليل أن على الأهل أن يكونوا صارمين مع أبنائهم في هذا الشأن، وأن لا يترددوا في اتباع أسلوب الترغيب والترهيب في ذات الوقت، كأن توضَّح لهم العقوبة التي يتعرضون لها في حال قيامهم بالاستهزاء بزميل من الزملاء في المدرسة، أو في الشارع، مع الحرص على ربط التربية بالعقدية الدينية، لما لها من تأثير قوي ونافذ في نفوسهم. بالإضافة إلى إظهار الأمور الإيجابية التي يحصل عليها الطفل في حال تعامله بلطف مع الآخر، والسعي لإدماج الأطفال في مجتمعاتهم على اختلافها، حتى يعتادوا على أمور مختلفة وجديدة في حياتهم.
في المقابل، يقع على أهل الطفل الذي يعاني من تشوّه، أو إعاقة، أو ما شابه ذلك، دورٌ كبير في غرس الثقة بالنفس فيه، وتلقينه كيفية تخطي المعوقات في حياته، حتى وإن كان صغيراً في السن، وإقناعه بأنه قادر على صنع الكثير من الأمور الإيجابية في حياته، وتعزيز ثقافة الاهتمام بالعقل والتفكير، حتى لا يقتصر الاهتمام على الشكل الخارجي وحده.
وتتفق أبو ليل مع الحباشنة في القول بتأثير الإعلام السيئ على نفسية الأطفال، والتي باتت تركز في تقديم الأشياء بناءً على مقاييس الجمال المادي والخارجي، من خلال الصورة والشكل، وتُغيّب دور العقل والتميز الفكري، وهو ما يُحدث "تشويشا" مضرًا في عقول الأطفال ونفسياتهم.

alghadnews@

التعليق