الطريق الذي لم تسلكه أوكرانيا

تم نشره في الجمعة 20 كانون الأول / ديسمبر 2013. 03:00 صباحاً
  • أوكراني يرفع صورة رئيسة وزراء اوكرانيا السابقة يوليا تيموشينكو التي تقضي حكماً بالسجن - (أرشيفية)

تشارلز تانوك*
بروكسل- في بعض الأحيان، قد يكون التاريخ ساخراً ومليئاً بالمفارقات أكثر مما ينبغي. فقبل فترة وجيزة، أحيت أوكرانيا الذكرى السنوية الثمانين لحادثة الإبادة الجماعية بواسطة التجويع، في المجاعة التي صممها رئيس الاتحاد السوفياتي الأسبق ستالين في أوكرانيا، وأعلنت حكومة الرئيس فيكتور يانوكوفيتش أنها لن توقع على اتفاقية التجارة الحرة العميقة والشاملة مع الاتحاد الأوروبي في قمة فيلنيوس التي كان من المقرر إجراؤها تالياً في الثامن والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. هكذا وبكل بساطة، يبدو أن فرصة أوكرانيا لتجاوز تاريخها من التعذيب ذهبت أدراج الرياح.
كانت القضية الظاهرية التي أرغمت يانوكوفيتش على الإحجام عن التوقيع هو طلب الاتحاد الأوروبي السماح لرئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشينكو، التي تقضي الآن حكماً بالسجن لمدة سبع سنوات، بالسفر إلى ألمانيا لتلقي العلاج الطبي. ورغم أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قضت بأن سجنها كان لدوافع سياسية، فإن يانوكوفيتش -الذي يتمتع بسلطة العفو المطلقة- رفض الموافقة على الإفراج عنها، تدفعه إلى ذلك في المقام الأول رغبته في منع ترشحها في الانتخابات الرئاسية الأوكرانية المقررة في العام 2015.
ربما كان من الواجب أن نتوقع انسحاب يانوكوفيتش من أوروبا، نظراً لسلوكياته -مثل حبس معارضيه السياسيين- التي كان من الصعب التوفيق بينها وبين القيم الأوروبية والمعايير الديمقراطية. لكن السلسلة الأخيرة من لقاءاته السرية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هي التي حددت مصير الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي وجلبته إلى نهاية.
ذات يوم قال مستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبيجنيو بريجنسكي، إن روسيا من دون أوكرانيا تُعَد في نظر روسيا دولة قومية طبيعية، لكن روسيا مع أوكرانيا تشكل إمبراطورية. ومع ذلك، لا بد أن يعمد الروس الذين يصدقون أن انسحاب يانوكوفيتش من أوروبا يُعَد انتصاراً عظيماً إلى إعادة التفكير مرة أخرى. فتماماً كما كانت الإدارة البشعة التي مارسها بوتين للاقتصاد سبباً في دفع حتى وزير الاقتصاد إلى التنبؤ بالركود لبقية هذا العقد، فإن حنينه الجيوسياسي يوشك أن يكبل الروس بالإمبراطورية المختلة نفسها التي أفقرتهم في العهد السوفياتي. والأسوأ من ذلك أن النظام نفسه فقط -حيث يتولى الحرس القديم (الشرطة السرية) زمام السلطة- هو الذي يبدو قادراً على إبقاء هذه الإمبراطورية الاقتصادية المتداعية متماسكة.
يستطيع بوتين أن يتأنق ويجمل نفسه، ولكن الحقيقة تظل أن اقتصاد أوكرانيا بات في وضع أسوأ كثيراً من اقتصاد روسيا. إن الإمبراطورية المتدهورة ديموغرافياً والتي تتألف من الرأسماليين المقربين، والتي يفر منها الأكثر موهبة والأفضل تعليما -نحو ثلاثين ألفاً رحلوا عن روسيا في العام الماضي وحده- من غير المرجح أن تشكل تحدياً استراتيجياً حقيقياً، سواء بالنسبة للولايات المتحدة أو الصين. بل على العكس من ذلك، تتطلع الصين إلى استرجاع قسم كبير من شرق روسيا، وهي الأراضي التي أخذت منها خلال سنوات "الذل" في القرن التاسع عشر.
كنت قد عاينت عن كثب عندما سافرت مؤخراً إلى أرمينيا وجورجيا وأوكرانيا، تلك الانقسامات القائمة في داخل الطبقة السياسية وفي أوساط الرأي العام بشأن ما إذا كان لهذه البلدان أن تربط اقتصاداتها وأمنها بأوروبا والولايات المتحدة، أو تستسلم لروسيا من خلال العضوية في المجموعة الاقتصادية الأوراسية. والواقع أن النظام الروسي يشبه من بعيد مجال الرخاء المشترك الياباني الإمبراطوري في شرق آسيا، سواء في لغته الخطابية أو في هدفه المتمثل في إخضاع الدول المجاورة.
كانت أرمينيا أول دولة سوفياتية سابقة ترضخ لضغوط بوتين وتتجنب الشراكة الشرقية للاتحاد الأوروبي. وبعد أربع سنوات من المفاوضات، هدد بوتين الرئيس سيرج ساركسيان بمضاعفة سعر الغاز الروسي، وسحب الضمانات الأمنية الروسية (أرمينيا متورطة في صراع مرير مع أذربيجان الغنية بالنفط)، كما حذره من أن الجالية الأرمينية الكبيرة في روسيا لن تظل موضع ترحيب ولن يُسمَح لها بالعمل والإقامة في البلاد كما كان الحال من قبل.
كما جرت محاولات مماثلة للضغط على جورجيا، وتحدث رئيس الوزراء السابق بدجينا إيفانيشفيلي عن الانضمام إلى اتحاد بوتين الجمركي. ولكن، في أعقاب الهزيمة الساحقة التي مني بها المرشح الموالي لروسيا، نينو بورجانادزه، في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، قرر حزب الأحلام الجورجي الحاكم البقاء على المسار الأوروبي الأطلسي، وخاصة مع استمرار بقاء إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية تحت الاحتلال الروسي. (كما جربت روسيا أيضاً تكتيكات خرقاء غليظة في التعامل مع مولدوفا من خلال التهديد بحظر صادرات البلاد من النبيذ إلى روسيا، والاعتراف باستقلال إقليم ترانسنيستريا الانفصالي).
بوسع الغرب أن يحد من قوة البلطجة الروسية بطمأنة البلدان السوفياتية السابقة إلى أن الشراكة الشرقية لم تلفظ أنفاسها الأخيرة، وأن ترتيباً ما أقل قليلاً من مناطق التجارة الحرة المتصورة سوف ينشأ. وبوسع الاتحاد الأوروبي أيضاً أن يستمر في العمل على زيادة فرص الحصول على تأشيرات الدخول، ثم في النهاية السفر إليها من دون تأشيرة. كما يمكنه أن يظل مشاركاً في اتفاقيات التعاون التي تؤثر على الطيران والتجارة والتبادل الأكاديمي والنقل والبنية الأساسية والسياحة والزراعة والتنمية الريفية.
ومن الممكن أن يساعد الاتحاد الأوروبي فضلاً عن ذلك في بناء المؤسسات الديمقراطية: مساعدة الإصلاح القضائي، وزيادة الوعي في مكافحة الفساد، وتشجيع الملاحقة القضائية حتى لمخالفي القانون من أرفع المستويات والمناصب، فضلاً عن دعم مشاركة منظمات المجتمع المدني. ولعل الأمر الأكثر أهمية أن بعض الدول مثل النمسا، حيث أسس بعض أعضاء زمرة يانوكوفيتش شركات غامضة لإخفاء أصولهم غير المشروعة، لا بد أن تكف عن غض الطرف عن سلب ونهب بلدان مثل أوكرانيا.
لكن من المؤسف أن بلدان الاتحاد الأوروبي لم تكن قادرة في عصر من التقشف وهشاشة منطقة اليورو على تحييد التهديدات الاقتصادية الروسية ضد أوكرانيا، وخاصة خسارة السوق الروسية. ولعل الحل الأكثر جذرية لبلطجة روسيا يتلخص في معادلة الحظر التعسفي الذي فرضته روسيا مؤخراً على صادرات أوكرانيا من الشوكولاته، بفرض حظر على الصادرات الروسية من الفودكا للاتحاد الأوروبي.
في النهاية، ربما يكون أنصار حكم القِلة الذين مولوا اندفاعات يانوكوفيتش -وخاصة رينات أحمدوف، أغنى رجل في أوكرانيا- هم الذين سيتخذون القرار النهائي حول مصير أوكرانيا. ومع تضاؤل فرص أوكرانيا الأوروبية، فإن اقتصادها -وبالتالي حظوظ أنصار حكم القِلة- سوف يكون تحت رحمة الحرس الروسي القديم. وربما يسارع أحمدوف وأمثاله ذات يوم، عندما يستوعبون المخاطر طويلة الأجل التي قد تتعرض لها أعمالهم وثرواتهم، إلى حث أعضاء البرلمان الذين يدينون لهم بالجميل على تحويل ولائهم والاتحاد مع القوى الموالية للاتحاد الأوروبي، في محاولة لاستعادة مستقبل أوكرانيا الأوروبي.

*منسق الشؤون الخارجية لتكتل المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين في البرلمان الأوروبي.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2013.

التعليق