الصمت إجابة بارعة لا يتقنها الكثيرون

تم نشره في الاثنين 9 كانون الأول / ديسمبر 2013. 03:00 صباحاً
  • للصمت والبوح معادلة صعبة علينا أن نوازن بين طرفيها - (أرشيفية)

ربى الرياحي

عمان- نمر جميعنا بمواقف صعبة تجبرنا على تقديم الرد المناسب الذي بإمكانه أن يسد باب الخلاف ويخرجنا من مآزق كثيرة، قد نقع فيها نتيجة لتهورنا وعدم قدرتنا على ضبط انفعالاتنا فتتباين ردود أفعالنا تجاه المواقف التي نتعرض لها كلا حسب طبيعته فمنّا من تكون إجاباته حادة قاسية يسيطر عليها التوتر والصراخ وجدال المنفر المستفز، ومنّا من يفضل الصمت ويستشعر هيبته كونه الحل الوحيد الذي ينقذنا من الوقوع في أخطاء كثيرة غالبا ما تقودنا إلى الندم، الذي يشعرنا أن الصمت أبلغ إجابة بإمكانها أن تحررنا من صخب الكلمات وضجيجها.

 لذلك نحن بحاجة إلى استخدام الصمت وإتقانه إتقانا جيدا علنا نتخذ منه سبيلا لاختزال المشاعر الإنسانية الراقية، التي تعجز ألسنتنا عن البوح بها ربما لأن كلماتنا لم تعد تستوعب معاني عميقة كالتي يستوعبها الصمت، فنلجأ إليه لنحطم حصار اللغة ونتمرد عليه لاعتقادنا أننا بهذه الطريقة سنقضي على الكم الهائل من الكلمات الفارغة التي باتت تنغص حياتنا وتعكر صفوها، بوصفها قنابل موقوتة تستطيع في أي لحظة أن تهدم علاقاتنا وتدمرها بقصد أو دون قصد فليس هذا المهم لأننا نحن من نقرر ذلك، وخاصة إذا عرفنا بالضبط متى نصمت ومتى نتكلم، حينها ستتضح القيمة الحقيقية للصمت وسنلمس الأثر الذي سيتركه في شخصيتنا.
 وقد تنتابنا في كثير من الأحيان موجات من الصمت بعضها نجهل أسبابها وبعضها الآخر تتجلى أمامنا بوضوح، دون أن نعرف ما إذا كانت هذه الأسباب حقيقية أم هي ضرب من الوهم، وحتى نجتاز أزمة الكلمات فليس أمامنا سوى أن نلوذ بالصمت المبرر الذي يقودنا غالبا إلى تهدئة النفوس، وإخماد نيران ملتهبة قابلة للاشتعال في أي لحظة، وخاصة إذا احتد النقاش بين الأطراف وتهاوت الكلمات الجارحة غير المدروسة عندها سنختار الصمت ليكون سيد الموقف، محاولين تعلم مهارة الاستماع التي اختفت تماما من حياتنا ولم تعد موجودة، ربما لأننا نفضل اللجوء إلى المناقشات للتعبير عن أنفسنا متجاهلين القيمة الحقيقية للصمت، لذلك لا بد لنا من معرفة الأسباب المؤدية له لنستطيع التعامل مع أولائك الأشخاص الذين يتفردون بهذه الميزة عن غيرهم بشكل موضوعي ودون تذمر، متفهمين طبيعتهم الخاصة التي تختبئ خلف ستار الصمت حتى لا تضطر إلى الخوض في خصوصيات الآخرين أو لتتجنب الوقوع في مصيدة المجهول التي لا يعرفون إلى أين قد توصلهم.
فنحن نصمت أحيانا لأننا نأبى أن نبوح بمشاعرنا وأحاسيسنا، لاعتقادنا أنها نقطة ضعف يمكن لأي احد أن يستغلها ويتلاعب بها، أو لأن الكلام في بعض المواقف الحرجة يفقد معناه الحقيقي لذلك نلجأ إلى ذلك المارد الذي يحاول التسلل إلى أعماقنا هاربا من تلك الثرثرة الفارغة التي لا نجني من ورائها سوى المشاكل، لذلك تعترينا رغبة قوية في تجميد الكلمات والتمرد عليها حتى لا نضطر إلى التفوه بكلمات قد تنتقص من قيمتنا وقيمة من نتحدث معه.
ومهما كان الصمت هو الحل المناسب لجميع المواقف الصعبة التي قد تعترضنا في حياتنا اليومية، إلا أنه أحيانا قد يتسبب في قطع علاقاتنا الاجتماعية وخاصة إذا أصبح سمة ملازمة لنا تقيدنا وتحد من صداقاتنا، لذا لا بد لنا من ضبط هذه الحالة والتعامل معها بحذر ودون مبالغة لنتمكن من المحافظة على علاقاتنا التي قد تنهار وتتفكك، كنتيجة طبيعية للصمت السلبي الذي يرافق بعض الأشخاص، والذي يعتبرونه صفة بارزة في شخصيتهم لا يمكنهم الاستغناء عنها لاعتقادهم أنها تميزهم عن غيرهم وتنقذهم من قيود اللغة التي تحاصرهم وتزيد من حجم أعبائهم.
لذلك هم بحاجة إلى القليل من الصمت الهادف الذي يرتقي بهم ويمنحهم فرصة ليستشعروا قيما ومعاني حقيقية، لا يمكنهم استشعارها إلا من خلال هذه الفضيلة الراقية، التي تعطينا وقتا كافيا للتفكير بعمق في كل ما يجري حولنا من مواقف وأحداث تتطلب منّا إجابة واضحة وصريحة، حتى لا تطاردنا مشاعر الندم المؤلمة التي تسيطر علينا لمجرد أننا لم نحسب لكلماتنا حسابا، فتأتي تلك المشاعر القاسية لتنبهنا وتحذرنا من حجم الأضرار المترتبة على الكلام الفارغ الذي لا يجدي نفعا، لذا لا بد من انتقاء عباراتنا وزخرفتها حتى تصل للآخرين بأسلوب لطيف ومنمق، نستطيع من خلاله تقوية علاقاتنا وتنميتها من جديد بعد أن نكون قد أدركنا نقطة مهمة، وهي أن الصمت والبوح معادلة صعبة علينا أن نوازن بين طرفيها لأن ذلك سيساعدنا حتما على اختيار الوقت المناسب للتعبير عن صمتنا أو بوحنا.

life@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الصمت (اشرف الص)

    الثلاثاء 21 كانون الثاني / يناير 2014.
    لااعرف كيف اتكلم
  • »شكراً على الابداع (عبدالله العرميطي)

    الاثنين 9 كانون الأول / ديسمبر 2013.
    بس في سؤال في بالي شو بالنسبة للكلمات يلي بعكس كلامك ( الساكت عن حقه شيطان أخرس ) في تفسير بسيط للكلام يلي انت كاتبو و الكلمات المقتبسة