الفقر هو الاتجاه السائد في أميركا

تم نشره في الأحد 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 03:00 صباحاً
  • متشردون ينامون في إحدى الحدائق الأميركية العامة - (أرشيفية)

مارك أر. رانك* — (النيويورك تايمز) 

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
القليل من العناوين في المجتمع الأميركي تنطوي على أساطير وتصويرات نمطية أكثر من عنوان الفقر، وهو سوء فهم يقوم بتشويه سياستنا وصناعة السياسة المحلية لدينا على حد سواء.
وتتضمن هذه الحالات من سوء الفهم الفكرة القائلة بأن الفقر يؤثر على عدد قليل نسبياً من الأميركيين، وبأن الفقراء يظلون معوزين لسنوات في بعض الأحيان، وأن معظم الذين يعانون من الفقر يعيشون في مدن داخلية، وأنه يتم تقديم الكثير جدا من مساعدات الرفاه، وأن الفقر يجيء في نهاية المطاف نتيجة لعدم عمل الناس بما يكفي من الجد. وعلى الرغم من أن هذه الافتراضات سائدة، فإن كلاً منها خاطئ ومسطح جملة وتفصيلاً.
بما يتناقض مع الاعتقاد الشعبي المنتشر، فإن نسبة السكان الذين يواجهون الفقر بشكل مباشر هي عالية بشكل فائق. ويشير البحث الذي أجريته إلى أن نسبة 40 % تقريباً من الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و60 عاماً سيخوضون تجربة عام واحد على الأقل من التراجع إلى ما دون خط الفقر الرسمي خلال تلك الفترة (23492 دولارا لعائلة من أربعة أفراد)، وسيقضي 54 % العام في فقر أو شبه فقر (دون 150 % من خط الفقر). بل إن الأكثر إثارة للاستغراب لو أننا أضفنا الظروف ذات الصلة، مثل استخدام الرفاه وشبه الفقر والبطالة، فإن أربعة من كل خمسة أميركيين سيواحهون واحداً أو أكثر من هذه التطورات.
بالإضافة إلى ذلك، فإن نصف كل الأولاد الأميركيين سيستقرون خلال نقطة ما من طفولتهم، في منزل يستخدم حصص الطعام لفترة من الوقت. لكننا نشهد ببساطة أن الفقر هو تطور في الاتجاه السائد يخوض تجربته معظم الأميركيين. وبالنسبة لمعظمنا، فإن السؤال لا يدور حول ما إذا كنا سنشهد الفقر، وإنما يدور حول موعد ذلك.
 لكن، وبينما يضرب الفقر غالبية من المواطنين، فإن معدل الوقت الذي يمضيه معظم الناس وهم يعانون من ربقة الفقر يظل قصير اً نسبياً، وما تزال الصورة المعيارية للفقير هي الخاصة بالطبقة الـ"بدون" المتخندقة والمعوزة لأعوام في نفس الوقت. وبينما تمس هذه الصورة شريحة صغيرة ومهمة من الفقر، فإنها أيضاً صورة مضللة على نحو كبير عن طبيعته الأكثر انتشاراً ودينامية.
النموذج النمطي بالنسبة للفرد، هو أن يعيش تجربة الفقر لعام أو عامين، ليرتقي فوق خط الفقر لفترة ممتدة من الوقت، وربما يواجه بعد ذلك موجة أخرى عند نقطة ما لاحقاً. وتنطوي التطورات، مثل فقدان الوظيفة أو خفض ساعات العمل أو الخوض في شقاق عائلي، أو الوقوع أسير مشكلة طبية خطيرة، على احتمال الإلقاء بالمنزل وشاغليه في ربقة الفقر.
تماماً كما يتوزع الفقر على نطاق واسع فيما يتعلق بالزمن، فإنه يتوزع بتوسع فيما يتعلق بالمكان أيضاً. وثمة تقريباً 19 % تقريباً من أولئك الذين هم في خط الفقر، يعيشون في ضواحي حضرية فقيرة جداً. ومن الممكن إيجاد منازل تعاني من الفقر في عموم طائفة من المناطق الحضرية والضواحي. وما يزال هذا التوزيع للفقر يزيد باطراد في الأعوام العشرين الماضية، وعلى وجه الخصوص في مناطق الضواحي.
على طول صورة الفقر في المدينة الداخلية، ثمة أيضاً إحساس منتشر على نطاق واسع، مؤداه أن معظم الأفراد الفقراء ليسوا من البيض. وهذه أسطورة أخرى: فطبقاً لأحدث أرقام صادرة عن مكتب الإحصاء، فإن ثلثي أولئك الذين يعيشون تحت خط الفقر عرفوا أنفسهم بأنهم من البيض -وهو رقم حافظ على ثباته على مدى العقود العديدة الماضية.
ماذا عن المساعدات السخية التي نقدمها للفقراء؟ على النقيض من الخطاب السياسي، فإن الشبكة الاجتماعية الأميركية تعد ضعيفة جداً، وفيها العديد من الفجوات العميقة. وبالإضافة إلى ذلك، فإنها أصبحت أكثر ضعفاً في الأعوام الأربعين الماضية بسبب إصلاحات الرفاه المختلفة وإجراءات خفض الموازنة.
وفي الأثناء، ننفق الآن الموارد الأقل في إطار البلدان الصناعية فيما يتعلق بسجب العائلات من الفقر وحمايتها من السقوط فيه. وتعد الولايات المتحدة واحدة من قلة من الدول المتقدمة التي لا تقدم رعاية صحية شاملة، أو رعاية للطفل يمكن دفع كلفتها، أو إسكان دخل منخفض مقوم بثمن معقول. ونتيجة لذلك، فإن معدل الفقر لدينا هو ضعف نظيره الأوروبي تقريباً.
سواء تفحصنا فقر الطفولة أو الفقر في صفوف الراشدين في عمر العمل، أو الفقر في داخل عائلات أحد الوالدين المفرد، أو المعدلات الكلية للفقر، فإن القصة تبقى هي نفسها؛ إن لدى الولايات المتحدة مستويات عالية من الفقر بشكل فائق. وغالباً ما يصاب العديدون الذين يجدون أنفسهم في الفقر بالصدمة من ضآلة حجم المساعدات التي تقدمها الحكومة بالفعل لهم في الأوقات الصعبة.
وأخيراً، أكد التفسير العام للفقر على الافتقار للحافز والفشل في العمل بجد كاف، وصنع القرار البائس في الحياة. وقد وجد بحثي وبحوث الآخرين بثبات أن سلوكيات ومواقف أولئك الذين يشكون من الفقر تعكس بشكل رئيسي أولئك من أفراد التيار السائد في أميركا. وعلى قدم المساواة، فإن غالبية ضخمة من الفقراء تعمل بتوسع وستفعل ذلك ثانية. فالفقر في نهاية المطاف هو نتيجة حالات فشل في المستويات الاقتصادية والسياسية، وليس نتيجة حالات تقصير فردية.
توجد الحلول للفقر في ما هو مهم لصحة أي عائلة -التوافر على وظيفة تدر دخلا مناسباً، والتوافر على دعم صحي جيد ورعاية للطفولة، والتوافر على وصول لتعليم من الدرجة الأولى. لكن هذه السياسات ستصبح حقيقية عندما نبدأ بفهم حقيقي لكون الفقر قضية تخصنا نحن، ولا تخصها هي.
*أستاذ الرفاه الاجتماعي في جامعة واشنطن، والمؤلف المشارك للكتاب المقبل "مطاردة الحلم الأميركي: فهم ما يشكل حظوظنا".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Poverty in America Is Mainstream

التعليق