عيشة لا تطاق .. عائلات بلا كهرباء في غزة

تم نشره في الأربعاء 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2013. 03:00 صباحاً
  • الطالب الفلسطيني يسري وشقيقه يجدان صعوبة في الدراسة بلا كهرباء - (المصدر)

آيرين* – (ذا بالستاين كرونيكل) 14/11/2013

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

منذ بداية شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي، تم إغلاق محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة بسبب نقص الديزل الصناعي الذي تعمل عليه. وكانت النتيجة زيادة كبيرة في انقطاع التيار الكهربائي عن 1.7 مليون فلسطيني يقطنون في القطاع، حيث أصبحت الكهرباء تنقطع لما يقرب من نصف كل يوم.
يقول جيمس راولي، منسق الشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، أن إغلاق المحطة ونقص الوقود سوف "يؤثران على كافة الخدمات الأساسية، بما فيها المستشفيات والعيادات، وأنظمة الصرف الصحي ومحطات ضخ المياه." ويقول المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان إن هذه الخطوة "خلفت عواقب وخيمة على الظروف الإنسانية لسكان قطاع غزة".
كان قد أعيد فتح محطة توليد الكهرباء في غزة في العام الماضي فقط، بعد عملية إعادة تأهيلها في أعقاب تعرضها لغارة جوية إسرائيلية في العام 2006. ووفقاً لهيئة الطاقة في غزة، فإن المحطة تولد ما يعادل 30 % من إمدادات غزة من الكهرباء، بينما يأتي الباقي من إسرائيل (120 ميغاواط)، ومن مصر (27 ميغاواط).
منذ حزيران (يونيو)، أفضت حملة أمنية شُنت على الجانب المصري من الحدود إلى خفض كبير في استيراد الوقود من خلال أنفاق التهريب، كما توقفت سلطة الطاقة في رام الله، في الضفة الغربية، عن إرسال الوقود إلى القطاع بسبب خلاف على الضرائب.
للحصول على فكرة عن أثر هذه الانقطاعات في الكهرباء على عيش الفلسطينيين في قطاع غزة، التقت شبكة الأخبار والتحيلات الإنسانية (IRIN) بعائلة البلحة في مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين في غزة.
ترشيد في حلاقة الشعر
يقول فؤاد بلحة لشبكة الأخبار والتحليلات الإنسانية، في صالون حلاقته سيئ التجهيز في قلب مخيم اللاجئين: "كانت انقطاعات الكهرباء في غزة حادة دائماً، لكنها وصلت الآن إلى مستوى جديد". هناك القليل جداً من وسائل الراحة المتوفرة لحفنة الزبائن القليلين في صالونه أصلاً. والآن، أصبحت حتى الكهرباء نفسها ترفاً. ويقول فؤاد: "الوضع الصعب جداً، ونتوقع أن تصبح الأمور أكثر سوءاً إذا لم يحدث شيء لإصلاح الوضع".
فؤاد متزوج وله طفل رضيع صغير بعمر 4 أشهر وعائلة مكونة من 18 فرداً، بمن في ذلك والدته، وأشقاؤه وشقيقته الأرملة، الذين يعتمدون جميعاً على دخل صالون حلاقته الصغير. وكان والده قد توفي قبل ستة أشهر. ويقول فؤاد أن الديون الهائلة تثقل كاهلة بسبب نفقات زفاف شقيقه، كما أن العائلة اضطرت أيضاً إلى الحصول على الكثير من القروض في السنوات السبع الماضية من أجل دفع كلفة بناء منزلهم.
مع انقطاع تيار الكهرباء لجزء كبير من اليوم، أصبح فؤاد يطلب من الزبائن المحتملين أن يعودوا لاحقاً في معظم الأحيان. ويقول: "عندما كانت الانقطاعات تدوم ثماني ساعات، كنتُ أكسب ما بين 50 إلى 60 شيكلاً (حوالي 15 دولاراً) في اليوم. لكن الكهرباء تنقطع اليوم 12 ساعة، ويصل التيار 6 ساعات فقط. وقد قلص ذلك إيراداتي إلى حوالي 30 إلى 40 شيكلاً، وهو ما يجعل الوضع الضيق أصلاً أكثر ضيقاً".
ضوء الشموع
الوقت الآن قبل السادسة مساء بقليل في منزل عائلة البلحة، المكون من بناء غير مكتمل من ثلاثة طوابق والواقع في جزء مكتظ من شمال مدينة غزة، على بعد بضع كيلومترات من دكان الحلاقة.
تشعر والدة فؤاد، انشراح (55 عاماً) شمعة مع بدء الظلال بالاستطالة، وهو ما أصبح يحدث أسرع مع اقتراب فصل الشتاء. وتبقي عيناً على جدول توزيع الأحمال الذي وزعته شركة الكهرباء لضمان تهيئة الشموع وإبقائها جاهزة للإشعال عندما تنطفئ الأنوار الكهربائية.
تقول انشراح: "ليس لدينا سوى الشموع فقط. وقد تضرر مولدنا الكهربائي قبل بضع سنوات، ولم نتمكن من إصلاحه لأن ذلك مكلف. وحتى لو كان يعمل، من أين نستطيع الحصول على الوقود، أو كيف يمكن أن ندفع ثمنه؟ لذلك، نحن نعتمد على الشموع".
أحد مكامن القلق الرئيسية لعائلة البلحة، والكثير من العائلات الأخرى، هو خطر الحريق الذي تشكله الشموع. وقالت لنا انشراح البلحة: "إنني أتحقق منها باستمرار، لأنني سمعت عن حوادث وحرائق وقعت بسببها في غزة".
منذ شهر، كانت ابنتها وأحفادها ينامون في المنزل عندما سقطت شمعة من على جهاز التلفاز وأشعلت حريقاً. وقد استيقظت ابنتها بسبب الدخان، وتمكنت العائلة من النجاة.
الدراسة في العتمة
مكمن قلق السيدة انشراح الآخر هو التأكد من وجود بعض الضوء الذي يكفي على الأقل ليتمكن أحفادها من الدراسة. وتقول عن ذلك: "إنها مهمة شاقة، لكن علينا القيام بها لإبقائهم يدرسون".
ينضم يسري (14 عاماً) إلى شقيقه الأصغر حول طاولة منخفضة صغيرة، حيث يلتفان حول شمعة وحيدة، ويحضّران الدروس لصفوف اليوم التالي. ويتلقى يسري، ابن شقيق فؤاد اليتيم، مساعدة في الدروس من عمه محمود (24 عاماً) الذي تخرج من الجامعة قبل ثلاث سنوات، لكنه عاطل عن العمل حالياً.
يقول يسري: "أنا أحاول أن أفعل كل شيء ممكن لأنتهي من الدراسة عندما تكون الكهرباء موجودة، أو أستغل ضوء النهار. لقد أثر الوضع عليّ كثيراً في الفترة الأخيرة. لم تترك لي العتمة الكثير من المتسع لأراجع دروسي جيداً. امتحانات نصف الفصل أصبحت على الأبواب".
عندما تنقطع الكهرباء، ينام يسري باكراً، أو يبقى خارج المنزل لفترة من الوقت. وقد أصبح وقت مشاهدة التلفاز أو اللعب المتاح له محدوداً. وتقول العائلة كلها أنها تشعر بالتوتر بسبب الانقطاعات، حيث تتبقى لها القليل من الأنشطة الممكنة بعد ساعات من البقاء بلا كهرباء.
محمود، مثل شقيقه فؤاد، متزوج ولديه ابنة رضيعة. ويقول بينما تسخن له زوجته الشاي على طباخ غاز صغير: "هذه ليست حياة على الإطلاق. إنها بائسة بكل الطرق".
لم تكن جهود بحثه عن وظيفة ناجحة. كما أن انقطاعات الكهرباء الطويلة، بالإضافة إلى النقص المستمر في الغاز والوقود، كلها "تجعل حياتنا لا تطاق". كما يقول.
ويضيف محمود: "هذه هي المسألة الرئيسية في غزة الآن. إن ما نحتاج إليه –وهو حق إنساني أساسي- هو العيش بصحة وسلامة، بطريقة لائقة ومحترمة. إننا نريد أن يكون هذا مكاناً حيث تستطيع طفلتي، وعائلتي والفلسطينيون أن يعيشوا بكرامة".
الأعمال المنزلية
حالما يتصل تيار الكهرباء، يحدث نشاط مندفع عجول في المنزل من أجل الانتهاء من جميع الأعمال المؤجلة بوجود الكهرباء. وتتولى السيدة انشراح المسؤولية، فتحضر للخبز، وتملأ الخزانات عندما يتوفر الماء، وتقوم بأعمال الغسيل والتنظيف والطبخ. وتقول: "في بعض الأحيان نتمكن من إنجاز الأعمال، لكننا لا نستطيع ذلك في كثير من الحالات، بسبب قصر وقت وصل التيار".
"ليست لدينا مضخة مياه لنرفع بها الماء إلى الأعلى. ليس لدينا مولد للكهرباء. كل ما لدينا هو الشموع وموقد نطبخ عليه ونسخن الماء للاستعمال المنزلي، ولذلك يجمع أولادي وأحفادي الخشب ويحضرونه حتى نستخدمه".
وتضيف انشراح: "أحياناً، عندما تكون الكهرباء مقطوعة، نرسل الأولاد بالملابس ليغسلوها في بيت عائلتي الواقع على بعد بضعة مقاطع سكنية عندما يتوفر لديهم بعض الكهرباء والماء".
في وقت لاحق من المساء، يعود فؤاد إلى صالونه، حيث يستخدم بطارية مشحونة لتساعده في عمله خلال وقت انقطاع الكهرباء. وعندما يعود إلى البيت، تكون المنطقة ما تزال قطعة من الظلام.
*نشرت هذه القصة الإخبارية بعنوان: ‘This Is Not a Life at All’ – Families Powerless in Gaza، من إعداد: شبكة الأنباء والتحليلات الإنسانية (IRIN)

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق