ليبيا تحتاج مساعدة خارجية حتى تفلت من الفوضى الدائمة

تم نشره في الثلاثاء 15 تشرين الأول / أكتوبر 2013. 02:00 صباحاً
  • رجال ميليشيات في شوارع العاصمة الليبية طرابلس - (أرشيفية)

كريستوفر تشافيز* (كرستيان سينس مونيتور)
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
أرلينغتون، فرجينيا- في وقت مبكر يوم الخميس الماضي، سيق رئيس الوزراء الليبي، علي زيدان، من الفندق الذي كان فيه في طرابلس تحت تهديد السلاح. ومع أنه أفرج عنه بعد ساعات قليلة وحسب، فإن اختطافه يشكل تطوراً محزناً بسبب الحالة التي آلت إليها ليبيا في العامين اللذين أعقبا موت الزعيم الليبي الراحل، معمر القذافي -ما يعد نذير شؤم للمستقبل. كما يشير اختطاف زيدان إلى الصعوبات التي تعصف بعلاقات الغرب مع البلد الذي ساعدته طائرات الناتو في التحرر من القذافي في العام 2011.
كثيراً ما يظهر التاريخ أن تحقيق التقدم في أعقاب الحروب الأهلية، على صعيد التحديات السياسية والاقتصادية، سيكون مستحيلاً تقريباً إذا لم يتحسن الأمن. وهذا بالضبط ما حدث في ليبيا منذ أن انتهت الحرب قبل عامين. والآن، تنزلق حرية ليبيا التي تم انتزاعها بشق الأنفس من القذافي بسبب انهيار الجهود الرامية إلى دمج ونزع سلاح الميليشيات المسلحة التي تتجول في البلد.
من المرجح كثيراً أن لا تخرج ليبيا من حالة الاضطراب التي تعيشها راهناً من دون توفر نوع من المساعدة الخارجية على الأقل. وعلى ضوء الالتزام الذي قدمه في عملية إسقاط القذافي، يضطلع الناتو بدور جلي هنا في تدريب القوات المنية الحكومية. ويجب على الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أيضا رعاية مؤتمر وطني لنزع السلاح، ومعالجة مشكلة الميليشيات المسلحة التي تزعزع استقرار البلد. ويجب على كل هؤلاء اللاعبين الدوليين الثلاثة الشروع في التخطيط الطارئ لاحتمال اندلاع حرب أهلية أخرى -حتى رغم أنهم يفعلون ما باستطاعتهم للحيلولة دون اندلاعها.
منذ نهاية حرب العام 2011، يقتل آلاف عدة في اشتباكات تدور بين الميليشيات. وأصبحت الهجمات الإرهابية والاشتباكات على نمط حرب العصابات شيئاً مألوفاً. وكان انعدام الأمن والعنف مقصورين في البداية على المحافظات الجنوبية والشرقية، لكنهما امتدا إلى العاصمة نفسها حيث تتواجه الميليشيات القوية ضد بعضها بعضا.
في هذا المناخ، لا تسيطر الحكومة المركزية حتى على قواتها الخاصة. ذلك أن المجموعة التي يبدو أنها اختطفت زيدان تتبع نظرياً لوزارة الداخلية، لكنها في الحقيقة تستجيب لنفسها وحسب. وكانت الحكومة المنتخبة قد أجبرت على القيام بعملها تحت التهديد الدائم بالعنف من جانب الثوريين الذين يجولون على غير هدى حول المؤتمر الوطني العام، ويداهمون المبنى بين الفينة والأخرى أو يحتجزون القادة السياسيين تحت تهديد السلاح.
إذا لم يتم اتخاذ خطوات للسيطرة على الحالة الأمنية، فسيكون هناك القليل من الأمل في مستقبل ليبيا. ومن الممكن أن يصبح تحذير القذافي من أن ليبيا ستصبح "صومالاً على البحر الأبيض المتوسط" من دونه حقيقة واقعة. وسيضيع الاستثمار الذي استثمره الناتو وشركاؤه في الإطاحة بالقذافي كلية تقريباً.
يؤشر الضجيج الذي رافق أخبار العملية الأميركية التي ألقت القبض على قائد القاعدة، أبوأنس الليبي، في ليبيا في الأيام الماضية على الصعوبات التي يواجهها القادة الليبيون في موازنة حالات القلق على سيادتهم مع الحاجة الماسة لمزيد من المساعدة من المجموعة الدولية. وقد جعلت حالات القلق هذه من الصعب جداً على الحكومة طلب المساعدة الخارجية -خاصة لجهة الأمن. ومن شأن هذا أن يعيق تعاون ليبيا التي تمس حاجتها كثيراً لشق طريقها عائدة نحو السلام والاستقرار.
سوف تسود حالات القلق هذه، بل انها ستسوء في أعقاب تطورات الأسابيع الأخيرة. ورغم ذلك، فإن المزيد من الجهود الدولية الموسعة لمساعدة ليبيا في العودة إلى الطريق الصحيح يجب أن تبدأ في الحال. ولعل مما يستحق الإطراق أن تكون العديد من بلدان الناتو قد ألزمت نفسها أصلاً بتدريب الشرطة الليبية والقوات العسكرية بحيث تتوافر الحكومة على قوات خاصة بها يعتمد عليها. وكان اختطاف رئيس الوزراء زيدان بمثابة استعراض للمدى الذي تمس به الحاجة لمثل هذه القوة.
لن يكون التدريب سهلاً على ضوء التحديات المتضمنة في اختيار المرشحين المناسبين، والتوقيت الذي ستستغرقه في الانطلاق بالبرامج وتطبيقها. وكان جهد سابق لتدريب الشرطة الليبية في الأردن قد أُجهض عندما ثمل المرشحون المستقبليون وأضرموا النار في أحد المباني. ورغم ذلك، تحتاج الحكومة الليبية وشركاؤها الدوليون، وخاصة الناتو، إلى الإسراع في خطط التدريب الحالية.
لكن تدريب القوات الأمنية الحكومية ليس كافياً. وفي الحقيقة، فإن من الممكن أن يجلب تعزيز القوات العسكرية التابعة للحكومة نتائج عكسية إذا رأت الميليشيات فيه تهديداً لها. وبدلاً عن التخلي عن التدريب، تستطيع الحكومة الليبية، مع ذلك، الطلب من الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي رعاية مؤتمر وطني لنزع التسلح، والذي يكون من شأنه أن يقيم العديد من المداولات التي يتم التوسط في عقدها حول مستقبل البلد. ويتجسد أهم شيء في حمل الميليشيات الرئيسية من طرابلس وبنغازي ومصراتة والزنتان على المشاركة.
وسيكون لهذا المؤتمر ثلاث غايات:
أولاً، أنه سيحسن فهم الجميع للأهداف الحقيقية للميليشيات التي تسيطر راهناً على البلد.
ثانياً، أنه سيخفض عدد الأسلحة التي يتم تداولها في داخل البلد. وسيكون تحقيق التقدم في هذا المجال مساوياً لمشقة عقد المؤتمر. كما أنه يهدف أيضاً إلى الحصول على التزامات ضد استخدام القوة في النقاش السياسي الليبي -وبكلمات أخرى، يؤسس "قواعد اللعبة" المتفق عليها من حيث كيفية تقرير مستقبل ليبيا.
ثالثاً، سوف يبني الثقة بين الميليشيات نفسها من جهة، وبين الميليشيات والحكومة من جهة أخرى. وسيقلل ذلك من فرص أن تنظر ميليشيات ليبيا القوية إلى التحسينات الطارئة على قوات الأمن الحكومية باعتبارها تهديداً لها، كما أنه سيخفض خطر سقوط ليبيا ثانية في أتون الصراع. ومن شأن الدعم الدولي للمؤتمر أن يعزز الثقة أكثر.
سيكون ضرباً من المغالاة أن يتوقع المرء من هذا المؤتمر أن يتمخض عن نزع سلاح فوري وعن إعادة دمج فورية لكل الميليشيات الليبية. ومع ذلك، فإنه سيكون بمثابة خطوة أولى نحو تحقيق هذه الغاية عبر تقديم إطار عمل متفق عليه، يخلق فضاء لمفاوضات سياسية حقيقية من دون التهديد باستخدام القوة.
إذا كان بالإمكان إعادة بناء الأمن في ليبيا، فسيكون هناك أمل بأنه يمكن أن يكون قوة من أجل خلق الاستقرار في جزء من العالم تعصف به الأنواء. وللبلدان الأوروبية مصلحة كبيرة في هذه المحصلة. (الموت المأساوي لمئات عدة من المهاجرين الليبيين قبالة الساحل الإيطالي في الفترة الأخيرة يشكل تذكرة صادمة). كما أن هناك مصلحة للولايات المتحدة في المحصلة، وخاصة من حيث ضمان أن لا تستبدل ليبيا استبداد القذافي باستبداد حرب دائمة.

*عالم سياسي رفيع في مؤسسة "راند" غير الربحية وغير الحزبية، وهو مؤلف الكتاب المقبل "الإطاحة بالقذافي: ليبيا وحدود التدخل الليبرالي".
*نشر هذا المقال تحت عنوان:Libya needs outside help to avoid perpetual war

التعليق