حسابات تركيا السورية يجب أن تتغير مرة أخرى

تم نشره في الأحد 29 أيلول / سبتمبر 2013. 03:00 صباحاً
  • دبابة تركية على الحدود مع سورية - (أرشيفية)

كمال كيرسشي *
(ذا ناشيونال إنترست) 23/9/2013
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
الاتفاقية الروسية-الأميركية التي أفضت إلى دخول سورية المستعجل في اتفاقية الأسلحة الكيميائية تركت الحسابات التركية حول سورية في فوضى كبيرة. ففي فترة زمنية أقل من بضعة أسابيع، شهد رئيس الوزراء التركي، رجب طيب إردوغان، ووزير خارجيته، أحمد داود أوغلو، فرصة تحقق تطلعهما لرؤية نهاية نظام (الرئيس السوري بشار) الأسد وهي تصعد ثم تختفي ببساطة، على الأقل في المستقبل المنظور.
كانت التطورات التي شهدتها ضواحي دمشق في 21 آب (أغسطس) الماضي، والتي تسببت، وفق تقييم المخابرات الأميركية، في مقتل أكثر من 1400 شخص بمن فيهم أطفال، قد أثارت احتمال تدخل عسكري أميركي في سورية. وسارع إردوغان إلى الإعراب عن دعمه لهذه الحتمية من دون أن يوضح شكل الانخراط التركي. وفي جهد لاستقطاب الدعم، اتهم بالصوت العالي المجتمع الدولي، والغرب بشكل خاص، بانتهاج اللامبالاة حيال معاناة المدنيين. ووجه اتهامات للولايات المتحدة والغرب، تراوحت بين الزعم بغياب الأخلاقيات الأساسية، وبين اتهامهما بالخضوع لفكرة رهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا) عبر الفشل في الاستجابة لمعاناة المسلمين في سورية. كما دعا إلى ما لا يقل عن تدخل "على غرار (تدخل الناتو في العام 1999) في كوسوفو" من أجل وضع نهاية لنظام الأسد، وبالتالي إنهاء معاناة الشعب السوري. لكن دعواته ودعوات وزير خارجيته وقعت على آذان صماء، ما ترك تركيا خارج سرب المجموعة الدولية -باستثناء العربية السعودية وقطر. فكيف أصبحت تركيا معزولة إلى هذا الحد، وأين يترك هذا الحال حسابات تركيا في سورية؟
مرت حسابات تركيا في سورية بعدد من المحطات المميزة. عندما انفجرت الاحتجاجات السلمية لأول مرة في آذار (مارس) من العام 2011، كانت العلاقات التركية السورية في أفضل حالاتها. وفي الحقيقة، بدأت هذه العلاقات بالدفء بعد وصول حزب الحرية والعدالة إلى سدة الحكم في تركيا في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2002. ومباشرة بعد الانتخابات، أصبحت تركيا شريكاً تجارياً ودبلوماسياً رئيسياً لسورية، سوية مع وجود علاقة وثيقة العرى بين إردوغان وبشار الأسد. وقد دفع هذا الاقتراب بإردوغان إلى الضغط على الأسد لإجراء إصلاحات في عدد من المناسبات –بقدر كبير من حسن النية.
ومع تدهور الأوضاع، وبشكل خاص خلال شهر رمضان في صيف العام 2011، قام إردوغان بإرسال داود أوغلو إلى دمشق. لكن البعثة التي رمت إلى إقناع الأسد بوقف القمع فشلت مع ذلك، فأحدثت تركيا انعطافة في سياستها تجاه سورية. وفي أيلول (سبتمبر) من العام 2011، دعا إردوغان الأسد بشكل صارم إلى الاعتراف بالمجلس الوطني السوري كممثل وحيد للمعارضة السورية. ولم يكتف البلدان بسحب ممثليهما الدبلوماسيين وحسب، بل أقدما على وقف العمل باتفاقية التجارة الحرة بينهما. وتنبأت الحكومة التركية، مثل الكثيرين من باقي أعضاء المجموعة الدولية، بسقوط نظام الأسد خلال شهور، إن لم يكن خلال أسابيع -وهو ما يفسر اعتراض داود أوغلو على أي شكل من أشكال التدخل العسكري، في حينه، باستثناء ذلك الذي تخوله الأمم المتحدة.
أسهمت وحشية النظام تجاه شعبه، وعناد الأسد، والتدفق المستمر للاجئين السوريين إلى تركيا، وإسقاط طائرة تركية حربية في حزيران (يونيو) من العام 2012، إلى إجراء مراجعة أخرى لحسابات تركيا الخاصة بسورية. وبدأت الحكومة التركية بإثارة موضوع الحاجة إلى تدخل عسكري من جانب المجموعة الدولية لضمان حماية المدنيين السوريين، ولإحداث تغيير في النظام. وكان منظور اردوغان مباشراً ومستقيماً، ويتسم كثيراً بوضوح الأبيض والأسود. وكانت ممارسات النظام السوري بوضوح هي ممارسات النظام القمعي الوحشي العنيف المنتهك للأعراف الدولية كافة. ومن هنا، قالت أنقرة إن من واجب المجموعة الدولية الوقوف إلى جانب الضحايا والتدخل نيابة عنهم. ومع حلول آب (أغسطس) من العام 2012، أثار داود أوغلو فكرة فرض منطقة حظر طيران من جانب مجلس الأمن الدولي. ومع ذلك، قوبل اقتراحه بالصمت، حتى إن البعض أعربوا عن عدم موافقتهم على الفكرة جملة وتفصيلاً. وتزامن فشل تركيا في تجنيد الولايات المتحدة والمجموعة الدولية وراء دعم هذا التدخل مع الانخراط القوي والفعال لكل من إيران وروسيا في سورية دعماً للنظام.
ثم، تفاقم الوضع أكثر مع الظهور المتزايد للمجموعات التابعة لتنظيم القاعدة، ومعها أجنداتها المتطرفة. وأفضى هذا التطور إلى وضع الهدف التركي المتمثل في إنجاز الانتقال إلى نظام أكثر ديمقراطية من خلال المعارضة السورية موضع شك. وقاد هذا التصور إلى صعود انتقادات مستمرة لسياسة الحكومة التركية إزاء سورية في الوطن، وإلى ظهور تردد جماهيري في رؤية تركيا وهي تنخرط في سورية. ووجد استطلاع للرأي العام التركي أجرته جامعة قادر هاس في إستانبول في الفترة بين كانون الأول (ديسمبر) 2012 وكانون الثاني (يناير) 2013 أن نسبة لا تتعدى 33 % من الذين استطلعت آراؤهم قد دعموا سياسة الحكومة. وبالإضافة إلى ذلك، وجدت نسبة 46 % من الجمهور التركي أن سياسة تركيا حيال سورية غير ناجحة عموماً. وفي سؤال منفصل، قالت نسبة 43.5 % إنه يجب على تركيا أن تلتزم الحياد فيما يتعلق بالحرب الأهلية السورية. وتتضارب هذه النتائج مع خلفية أن إردوغان توجه في أيار (مايو) من العام 2013 إلى واشنطن العاصمة للحصول على دعم أوباما مباشرة لفكرة فرض منطقة حظر طيران، فيما كانت تدفقات اللاجئين قد بدأت في الارتفاع مرة أخرى. وأصدرت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين تنبؤاً رجح احتمال زيادة عدد اللاجئين في تركيا من أقل من نصف مليون إلى مليون لاجئ مع نهاية العام الحالي. لكن إردوغان فشل في إقناع أوباما الذي أشار على رئيس الوزراء التركي بدعم فكرة مغادرة متفاوض عليها للأسد عبر مؤتمر جنيف 2.
تبعاً لذلك، اضمحل تعديل إردوغان الجديد للحسابات التركية الخاصة بسورية خلال الصيف الماضي. وعندما وصف أوباما الاستخدام الوحشي للأسلحة الكيميائية في دمشق بأنه تجاوز غير مقبول "للخط الأحمر"، انبعثت مجدداً آمال إردوغان وداود أوغلو باحتمال حدوث تدخل عسكري. ومع ذلك، تبددت هذه الآمال بسرعة. وأصبحت السياسة الخارجية التركية تواجه راهناً احتمال بقاء الأسد في السلطة. ويظل غياب التدخل العسكري متماشياً مع الرأي العام التركي. وكانت عدة احتجاجات قد وقعت في تركيا ضد التدخل العسكري، كما وجدت دراسة للميول والاتجاهات عبر الأطلسي أن 72 % من الأتراك الذين استطلعت آراؤهم كانوا ضد هذه التدخلات -10 نقاط أعلى من معدل الدعم لدى الأميركيين. ولذلك، لا تبدو فكرة التدخل العسكري ضد سورية للإطاحة بالأسد وأنها خيار مناسب، على الأقل في الوقت الراهن. وبالإضافة إلى ذلك، يبدو أن أوباما قد أعاد تعديل موقفه السابق، بعيداً عن الالتزام الذي لا يقبل النقض بتغيير النظام في سورية.
بدلاً من ذلك، صار يجب على حسابات تركيا الخاصة بسورية أن تصبح أكثر واقعية، وأن تركز على مخاطبة أزمة اللاجئين الإنسانية المتنامية أكثر من ذي قبل، بينما تضمن أن لا تتمكن المجموعات الإسلامية الراديكالية ومخابرات الأسد سيئة السمعة من تهديد الأمن التركي ولا تفاقمان الأزمة الانسانية في سورية. ويبدو أن مد يد الحماية النوعية والمساعدة الإنسانية للاجئين والمشردين السوريين هي أمور أقرب كثيراً لتركيا من ضمان سقوط نظام الأسد. وفي ضوء الظروف الراهنة، يصبح الوفاء باحتياجات اللاجئين السوريين والمصالح الأمنية التركية أكثر عملية وواقعية وأكثر حكمة، وقضية أجدر بأن تتابع.


*مسؤول رفيع في برنامج "توسياد" للسياسة الخارجية في معهد بروكينغز في واشنطن العاصمة.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Turkey’s Syria Calculus Must Change Again

التعليق