مشاهدة من دمشق: لا نهاية قريبة للحرب رغم اتفاق أميركا وروسيا

تم نشره في الأربعاء 18 أيلول / سبتمبر 2013. 03:00 صباحاً
  • الرئيسان الأميركي باراك أوباما والروسي فلاديمير بوتين على هامش اجتماعات قمة "العشرين" - (أرشيفية)

دمشق - قضى جريمي بوين محرر شؤون الشرق الأوسط في "بي بي سي" الأسابيع الثلاثة الماضية في دمشق، ويقدم هنا انطباعاته بشأن مشاهداته في سورية، وهي تنتقل من احتمال مواجهة عمل عسكري أميركي إلى الاتفاق مع المجتمع الدولي على تسليم أسلحتها الكيماوية بهدف التخلص منها.
وقال المراسل: تغير الكثير في دمشق في الأسابيع الثلاثة الماضية، لكن الكثير أيضا لم يتغير. فما تغير هو أن سورية أقرت للمرة الأولى بأن لديها ترسانة من الأسلحة الكيماوية، ووافقت على خطة روسية تقضي بتفكيكها.
لكن ما لم يتغير هو أن الحرب باستخدام الأسلحة التقليدية ما تزال مستمرة، بل ازدادت وتيرتها.
وقبل ثلاثة أسابيع، كان مفتشو الأمم المتحدة للأسلحة الكيماوية هنا لجمع العينات التي يحتاجونها ليتمكنوا بشكل دقيق من تحديد كيفية مقتل العديد من الأشخاص في ضواحي العاصمة دمشق يوم 21 أغسطس (آب).
وبدت الولايات المتحدة أنها على وشك شن هجوم صاروخي على الجيش السوري ونظام الرئيس بشار الأسد، كما رأى الكثيرون مغادرة المفتشين لسورية بمنزلة ضوء أخضر للهجوم الأميركي.
وبالطبع لم يأت هذا الهجوم على الإطلاق، إذ ذهب الرئيس باراك أوباما للكونغرس الأميركي للحصول على موافقة، وجاء الروس بخطتهم التي تتركز الجهود الآن لتنفيذها.
وللحياة هنا في دمشق إيقاعها الخاص، والذي لا تحدده الاجتماعات الدولية لأقوى دول العالم.
فالحرب هنا هي التي تحدد إيقاع الحياة، وصوت نيران المدفعية التي تخرج من بطاريات الجيش السوري هو الذي يسمع في الضواحي التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة.
وقد سمعت البعض يتذمرون بشأن صفقة الأسلحة الكيماوية، إذ قال مسؤولون في النظام السوري إن بعضهم غير راضٍ عن التخلي عما يعتبرونه أقوى سلاح لديهم، ورادعا يجب على إسرائيل على وجه التحديد أن تكون حذرة بشأنه.
لكن الأساس حول ما إذا كان الرئيس بشار الأسد سيرغب في تنفيذ هذا الاتفاق يكمن في علاقته مع موسكو.
وبافتراض أن روسيا تريد من السوريين أن يتخلوا عن ترسانتهم الكيماوية - وبما أن سورية تخلت عنها من تلقاء نفسها بلا شك - فإن الرئيس الأسد لن يرغب في تهميش صديقه الأكثر أهمية في موسكو.
فروسيا تبيع الأسلحة والذخيرة لسورية، والأهم من ذلك أن روسيا أيضا كانت تحمي ظهر سورية في مجلس الأمن، وهو ما يكسبها كثيرا من النفوذ.
وأصبح موقف روسيا بالغ الأهمية، فإذا دفعت الرئيس الأسد إلى احترام هذا الاتفاق، فمن الصعب أن نرى أنه يستطيع أن يرفض ذلك.
وبالنسبة إلى الرئيس الأسد، فإن التخلي عن الترسانة الكيماوية هو استثمار في مستقبل النظام السوري.
وقال مصدر في النظام السوري هنا إنه لم يكن هناك خيار آخر، وإن ذلك الموقف سيعمق علاقته مع موسكو، وإن البديل كان ضربة أميركية مدمرة.
وكما قال الرئيس أوباما، فإن الجيش الأميركي لا يقوم بهجمات توصف بأنها ضعيفة التأثير.
وقبل ثلاثة أسابيع، كان احتمال التدخل الأميركي يعني أن الحرب الأرضية التقليدية تقترب من نقطة تحول. لكن منذ أن أجل الأميركيون خططهم العسكرية، استأنفت الحرب شكلها المعتاد.
فسلاح الجو السوري يقوم مرة أخرى بطلعات جوية فوق ضواحي دمشق، وفي الليل ومن خلال شرفة مكتب بي بي سي يمكننا أن نرى انفجارات كبيرة ونارية قادمة من مواقع يسيطر عليها مقاتلو المعارضة.
وينفي الرئيس الأسد دائما أن رجاله نفذوا هجوما يوم 21 من آب (أغسطس)، ويلقي باللوم على قوات المعارضة في أحداث القتل.
ويقول مقاتلو الجيش السوري الحر الذين يميلون للغرب، والذين كانوا يضغطون من أجل مساعدة عسكرية ملموسة لأكثر من عامين، رأوا أنه لا يهم السبب الذي كان يدفع الأميركيين للهجوم.
وما يهم هو أنهم كانوا على وشك - وبلغة البنتاغون - أن "يجردوا" الجيش السوري من قدرته على القتال، وهو ما كان من شأنه أن يحدث تأثيرا عميقا على مسار الحرب، وكان النظام نفسه سيتعرض لتهديد. كما رفض الجيش السوري الحر بغضب هذه الصفقة التي أبرمت في جنيف.
كان مسلحو المعارضة يأملون في "تجريد" الجيش السوري من قدرته على القتال لو تمت الضربة الجوية
وما يزال هناك الكثير مما يمكن تغييره، والتأخير في نزع السلاح الكيماوي سيؤدي إلى مزيد من التهديدات الأميركية.
لكن سيكون على الولايات المتحدة حينها أن تتيقن من أن الخطة الروسية قد ماتت تماما وبالفعل، وتحصل على موافقة من جميع الأطراف أن هذا قد حدث قبل أن تقوم بالعمل العسكري الذي كان يبدو وشيكا فقط قبل ثلاثة أسابيع.
وهناك العديد من العقبات في طريق مفاوضات حقيقية وفعالة لإنهاء الحرب الأهلية في سورية، فهذه ليست صفقة يمكن القيام بها على المدى البعيد من قبل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، كما أنها يجب أن تشمل كل الأطراف في الحرب السورية ومؤيديهم.
فلكل من النظام السوري والمعارضين مجموعة من الشروط المسبقة، والحروب الأهلية غالبا ما تكون عصية على التسوية. وهذه الحرب بالتحديد لها مستوى آخر من التعقيد، فقد أصبحت حربا إقليمية تدور رحاها بالوكالة، كما أن لها نكهة طائفية قوية، إذ يشترك فيها مسلمون من الشيعة والسنة، وهو ما يثير غضب المسلمين في لبنان، والعراق، ومنطقة الخليج.
ولذلك، نحن لا نتوقع تقدما سريعا نحو تحقيق السلام في سورية، أو ربما أي تقدم على الإطلاق. - (بي بي سي)

التعليق