تدخل عسكري أميركي في سورية من أجل معاقبة الأسد

تم نشره في السبت 31 آب / أغسطس 2013. 03:00 صباحاً
  • تظاهرة في أدلب السورية ترفع رسما يطالب الرئيس الأميركي بتوجيه ضربة لنظام بشار الأسد - (ا ف ب)

عاموس يدلين وافنير غولوب

30/8/2013

حتى نشر الأنباء عن أن جيش الأسد نفذ هجوما واسعا بسلاح كيميائي في ضاحية شرقي دمشق، لم تفكر واشنطن بجدية في التدخل العسكري في سورية. في ضوء استنتاجات محافل الاستخبارات الغربية أن الأسد مسؤول عن استخدام السلاح الكيميائي – كما ينعكس من تصريحات وزير الخارجية الأميركي جون كيري – بحثت الإدارة الأميركية في إمكانات الرد العسكري المناسب. الرد العسكري لا يقف بحد ذاته ويستوجب تعريف ما هي الغاية الاستراتيجية للولايات المتحدة عند استخدامها القوة العسكرية في سورية.
الهدف الأميركي المعلن هو معاقبة الرئيس الأسد على استخدام السلاح الكيميائي وردعه عن استخدام مكثف آخر لهذه الوسيلة. هدف أميركي غير معلن ولكنه مهم بقدر لا يقل يجب أن يكون المس بالإحساس بالأمن لدى الرئيس السوري، وتغيير فهمه عن قدرته على البقاء، وإحلال وقف للمذبحة بما فيها "التقليدية"، لأبناء بلاده وإنهاء الحرب الأهلية فيها.
من أجل تحقيق هذين الهدفين على الرئيس الأميركي ان يعيد بناء قوة الردع الأميركية. الرئيس الأميركي الذي أعلن على الملأ عن "خط أحمر" اجتيازه سيجر رد فعل، امتنع عن العمل حتى الآن. وعزز كبح الجماح الأميركي إحساس الأمن لدى الأسد وشجعه على توسيع حجم نشاطه ضد الثوار وضرباته الواسعة للأبرياء. كما أن كبح الجماح الأميركي عزز التقدير في موسكو بأن دعمها للاسد سيثبت للعالم ولاءها لحلفائها ووقوفها عند مبادئها – خلافا للولايات المتحدة، التي تترك حلفاءها لمصيرهم وتتردد في الوقوف عند مبادئها.
مصلحة أميركية مهمة جدا هي اضعاف المحور الراديكالي – إيران، سورية و"حزب الله"– وذلك لأن الإنجازات التي سيسجلها لصالحه ستكون بشرى سيئة للقيم التي تؤمن بها الولايات المتحدة ومصالحها. فالامتناع الأميركي عن القيام بعمل في سورية شجع "حزب الله" على التدخل في ما يجري في سورية، الأمر الذي نجح في تغيير الزخم في الحرب الاهلية هناك في صالح الأسد. وسجل المحور الراديكالي إنجازا في مواجهة الضعف البارز في المعسكر الغربي المعتدل. وعزز التردد الغربي روسيا التي واصلت الدعم الوثيق لنظام الأسد، والمنظمات الجهادية، التي تعززت كلما امتنعت الولايات المتحدة عن العمل. المنظمات التي بقيت الأضعف هي بالذات المنظمات العلمانية المؤيدة للغرب، المهمة جدا لمستقبل سورية وقدرتها على اقامة نظام ديمقراطي وليبرالي في اليوم التالي لسقوط الأسد. فمصلحة أميركية هي محاولة تغيير الزخم في صالح هذه المنظمات.
هذا وسيؤدي إضعاف محور طهران – دمشق – بيروت والمنظمات الجهادية إلى تقليص الخوف من هز الاستقرار في الحدود السورية مع تركيا، الأردن وإسرائيل – حليفات الولايات المتحدة في المنطقة. ومن شأن استمرار ميل عدم الاستقرار الحالي ان يؤدي إلى توسيع دائرة العنف إلى مزيد من الدول في المنطقة.
ويوجد احيانا توتر بين الالتزام الاخلاقي للدولة ومصالحها، ولكن في الحالة السورية لا يوجد للولايات المتحدة مثل هذا التوتر. فمن الناحية الأخلاقية واضح للجميع أنه لا يمكن المرور مرور الكرام عن حقيقة ان جيش الأسد نفذ هجوما كيميائيا واسع النطاق. وليست هذه حالة منعزلة بل استمرار لسياسة لا تتردد في ذبح المواطنين من خلال استخدام مكثف لسلاح غير دقيق ومدمر وباستخدام السلاح الكيميائي. وقد أودت هذه السياسة بحياة اكثر من 110 الف نسمة حتى الآن وحولت الملايين من المواطنين السوريين إلى لاجئين. وازدادت جسارة الأسد كلما انكشف التردد الأميركي في الرد على اعمال الذبح التي ارتكبها. وازدادت جسارة منظمات الثوار ايضا كلما وسع الأسد اعمال الذبح.
في هذا الوقت لا خيار عسكريا يمكنه أن يوقف فورا المذبحة الجارية في سورية، حمل الأسد على الرحيل وضمان نظام معتدل وديمقراطي في الدولة. وعليه فإن كل الخيارات القائمة، وعلى رأسها استمرار كبح الجماح الأميركي هي خيارات غير سليمة بل وحتى سيئة. وفي ضوء الفهم بأن انعدام الفعل هي الاستراتيجية الأسوأ – غير أخلاقية وتمس بالمصالح الأميركية، ثمة حاجة إلى فحص امكانية "الاستراتيجية السيئة الافضل".
إن التدخل في الحرب الاهلية في سورية يتعارض والتطلع الأميركي إلى وضع حد لحروب العقد الاخير في الشرق الاوسط، وهو يمس بإرث الرئيس اوباما الذي يتبنى "اعادة جنودنا إلى الديار ويطرح التخوف من حرب أخرى في دولة إسلامية، حرب تشبه تلك الحروب التي أنهاها أوباما في العراق وفي افغانستان.
التخوف الاساس هو ان عملا أميركيا سيجر "آثارا غير متوقعة" توسع نطاق الحملة العسكرية في سورية ومدتها. فمثلا، حملة عسكرية حيال الأسد كفيلة بأن تعزز المنظمات الجهادية. التدخل العسكري من شأنه ان يجلب واشنطن إلى مواجهة مباشرة مع موسكو، وكذا من شأنه ان يجر رد فعل من السيد الإيراني للأسد ويفتح جبهة اخرى حيال إيران وحزب الله، الذي بات منذ الآن مشاركا في القتال في سورية.
نقدر أن ليس لكل هؤلاء اللاعبين مصلحة في تصعيد الازمة بل في احتوائها والحفاظ على الزخم الذي حصل عليه الأسد بعد الانتصار في القصير. ومع ذلك، لما كان الرأي العام الأميركي يعارض بشدة هجوما بريا واسع النطاق، فإننا على قناعة بأن إمكانية حملة عسكرية واسعة، بما فيها اجتياح قوات برية ليس مطروحا على طاولة المباحثات في البيت الأبيض.
ومع ذلك فإن على الطاولة ست استراتيجيات، ليست هجوما شاملا (على نمط العراق 2003). رئيس الأركان الأميركي الجنرال مارتين دمبسي تناول هذه البدائل في رساله إلى الكونغرس في 19 آب 2013 قبل يومين من الهجوم الكيميائي في دمشق. وعليه، فمعقول أن تكون هذه البدائل هي الموجودة على الطاولة – وتدرس قدرتها على تحقيق الغاية الاستراتيجية حيال المخاطر. وهاكم تحليلا للنتائج المتوقعة لكل بديل والمخاطر التي فيها.
1. خيار ما كان وما سيكون:
تعزيز التدريب والمساعدة بالسلاح للثوار، تدريب قوات الثوار خارج سورية، المساعدة في اقامة سلسلة قيادية ناجعة، وإرسال سلاح مهم، في ظل اخذ المخاطرة في أن يصل السلاح المتطور إلى منظمات الإرهاب في سورية. رغم أن الرئيس الأميركي سبق أن اعلن أن الولايات المتحدة ستسلح الثوار فإن هذه السياسة لم تطبق بكامل حجمها بعد، ولكن أيضا القرار بالتطبيق الكامل للتصريح الرئاسي لن يشكل في هذه المرحلة علامة مقنعة على تغيير السياسة الأميركية وتصميمها على تغيير ميزان القوى في سورية. ورغم أن هذه الاستراتيجية كان بوسعها أن تتناسب والظروف التي سادت حتى ما قبل بضعة اشهر، فإنها لا تشكل جوابا مناسبا في هذه النقطة الزمنية.
2. هجوم "عقابي" موضعي:
الهجوم سيوجه بحجم محدود وموضعي وفي وقت قصير ضد الوحدات التي شاركت في الهجوم الكيميائي الأخير، أو الهجوم على أهداف عسكرية أو ذخائر للنظام السوري. ويشكل هذا الخيار تغييرا في السياسة الأميركية، فمع انه سيعزز مصداقية الولايات المتحدة الا ان فرصه في أن يعيد قوة الردع الأميركية ليست عالية. فالحديث يدور عن فعل عقابي محلي لا يغير الواقع في سورية بشكل ذي مغزى. بوسع هذا الخيار أن يمنع استخداما واسعا للسلاح الكيميائي، مثلما حصل الأسبوع الماضي، ولكن هناك شكا كبيرا في أن يؤثر على اعتبارات الأسد في مواصلة المذبحة بحق شعبه.
3. الإعلان عن منطقة حظر جوي "No Fly Zone" مع إمكانية إدخال عناصر من اللاحركة "No Move" ضد المدفعية، الدبابات والراجمات السورية:
هذا الخيار يبقي الولايات المتحدة في هامش الصراع الداخلي السوري وينقل القرار إلى ساحة الأسد – هل سيفحص التصميم الأميركي. فالمس بحرية العمل الجوي للأسد كفيل بأن يشكل عقبة مهمة في خطته الحربية لأنه يتمتع في هذه الساحة بتفوق مطلق حتى الآن. فالحظر على إطلاق نار المدفعية، الدبابات والراجمات في أماكن معينة كفيل بأن يضرب مستوى آخر للأسد فيه تفوق مهم (قوة النار) ويقلص الضرر بالسكان المدنيين السوريين. مناطق حظر الطيران او حظر الحركة تحتاج إلى تعزيز على مدى الزمن – الأمر الذي يتطلب استثمارا كبيرا نسبيا بالمصادر. للولايات المتحدة الجيش الأكبر والأكثر تقدما في العالم. وحتى لو عملت وحدها فإن بوسعها ان تنفذ هذه المهمة بواسطة قواتها في المنطقة فقط. وإذا تمكنت من اشراك حلفائها، فإن النقيصة الأساس في هذا الخيار ستتقلص جدا.
4. الإعلان عن مناطق مجردة من السلاح قرب الحدود مع تركيا والأردن وممرات إنسانية:
هدف هذا الخيار هو خلق مأوى للسكان المدنيين بهدف تقليص المذبحة في سورية، وإمكانية خلق ممرات لتوريد المساعدات الإنسانية للعناية بالسكان الذين تضرروا منذ الآن. ومثلما في الخيار السابق، ففي هذا الخيار أيضا مطلوب تعزيز وحماية للمناطق التي موضع البحث، كما أنه يتطلب إدخال قوات برية. إذا ما تم الأخذ بهذا الخيار ينبغي التأكد من أن القوات التي تنفذ الحماية للمناطق المجردة من السلاح والأروقة الإنسانية لن تكون قوات أميركية. فجنود أتراك يحرسون الممرات بجوار الحدود التركية، وجنود أردنيون يحمون المناطق بجوار الحدود الأردنية. كما يمكن تنسيق التعاون مع منظمات معتدلة من الثوار السوريين لحماية المناطق داخل سورية.
5. هجوم جوي مستمر ضد أهداف عملياتية، تسمح للأسد بإدارة القتال ضد الثوار، كالقيادات وقواعد السلام.
في سيناريو الهجوم واسع النطاق سيكون ممكنا شن هجوم على قوات برية، جوية وبحرية وعلى السلاح المتطور. هذا خيار حديث وذو مغزى يؤثر على موازين القوى بين الأسد والثوار، وينقل رسالة تصميم أميركي من شأنها أن تغير إحساس الأمن في أوساط رجال النظام السوري. هذا الخيار يدخل الولايات المتحدة في تدخل مباشر في الحرب الأهلية في سورية، ويضع الأسد في وضع جديد وصعب. في هذا الخيار خطر اجتذاب الولايات المتحدة إلى داخل الحرب الاهلية عال نسبيا.
6. السيطرة والتدمير للسلاح الكيميائي في سورية:
هذا الخيار هو الأكثر نجاعة حيال التهديد باستخدام السلاح الكيميائي من جانب الأسد أو من جانب الثوار. ولكن السيطرة والتدمير للمخزون الكيماوي الكبير لدى سورية هي حملة تتطلب استخدام قوات خاصة، وإدخالها إلى سورية لفترة طويلة – حتى التدمير لكل المادة الكيميائية. وفي هذا السيناريو ينبغي فحص كم يمكن تقليص استخدام السلاح الكيميائي من خلال تعزيز قوة الردع الأميركية بواسطة أحد الخيارات الاخرى وإيضاح التصميم الأميركي للعمل في حالة استخدام آخر للسلاح الكيميائي.
خلاصة وتوصيات سياسية:
تحليل الخيارات ذات الصلة لدى الرئيس أوباما يشير إلى الحاجة إلى استراتيجية تدمج الخيارات الثالث والرابع والخامس لتدخل أميركي مباشر وتدريجي. وستغير هذه الاستراتيجية "قواعد اللعبة" في سورية، تتجاوز العقاب والردع للأسد عن استخدام آخر للسلاح الكيميائي. ان استراتيجية التدخل المتداخل والتدريجي ستتضمن هجوما على أهداف استراتيجية منتقاة كفعل عقابي على الهجوم الكيميائي في ضواحي دمشق، والإعلان عن منطقة حظر جوي "No Fly Zone". ويمكن للولايات المتحدة في الخطوة الثانية ايضا أن تعلن عن مناطق مجردة من السلاح وممرات إنسانية وتهاجم ذخائر النظام اذا ما صعد الأسد ردود أفعاله.
لقد صمم الرئيس أوباما سياسة الأمن القومي، التي لا تبادر بالتدخل إلا عندما تكون المصلحة القومية العليا في خطر، وفي إطار شرعية واسعة قدر الامكان. ويبدو أن التقدير في واشنطن هو أن آخر أعمال الأسد تهدد المصلحة الأميركية العليا. على الإدارة ان تحث خطوة عسكرية مشتركة في أوسع إطار ممكن – في مجلس الامن، وفي ظل الفيتو الروسي – في إطار التعاون مع حلفائها وإشراكها في خطواتها في المنطقة: تركيا (التي أعلنت عن تأييدها للخطوة الأميركية)، وينبغي للتخطيط الأميركي أن يتضمن أيضا ردا سياسيا على الاعتراض الروسي، واستعدادا لردع إيران وحزب الله من توسيع ميدان المعركة. وكما زعم، فإن خطوة عسكرية أميركية كهذه لن تحل النزاع السوري، ولكنها البديل الأقل سوءا من بين الخيارات السيئة، وإلى جانب مبادرة لتسوية سياسية، يمكنها باحتمالية عالية أن تقدم إلى الأمام الغاية الاستراتيجية لتغيير نظام الأسد، إلحاق هزيمة بالمحور الراديكالي، وترميم الردع والمصداقية الأميركية حيال إيران وتعزيز الاستقرار وتحالفات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

التعليق