متلازمة المستبدين الخارقين

تم نشره في الخميس 29 آب / أغسطس 2013. 02:00 صباحاً

جون موريس* - فورين بوليسي 26/8/ 2013

ترجمة: عبدالرحمن الحسيني

غير قانع بالقضاء على معارضيه ببطء، والاستمرار في تفريغ بلده من سكانه، يبدو أن الرئيس السوري بشار الأسد قد وجد نفسه مجبراً على شن هجوم مفضوح بالأسلحة الكيميائية على إحدى ضواحي دمشق، ما أفضى إلى قتل المئات، إن لم يكن الآلاف. وإذا كان هذا النوع من السلوك فائق الشر يبدو مألوفاً، فلا بد من أن توليه اهتماماً. فالأسد يعيد ذات التخبط الإستراتيجي الذي ارتكبه أعضاء قائمة طويلة من أقرانه الطغاة والرجال الأقوياء.
ما هي الغاية؟ لماذا يعمد الأسد إلى ارتكاب شيء استفزازي جداً؛ شيء بمنتهى الحمق، ويرمي بمنتهى الوضوح إلى استدعاء رد عسكري دولي؟ الجواب بسيط.
فالأسد –مثله مثل الرئيس اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوزوفيتش، والرئيس الليبيري السابق تشارلز تايلر، والرئيس الليبي السابق معمر القذافي- اعتاد نخز الدب الكبير النائم، والذي تجسده الولايات المتحدة والمجموعة الدولية، بدون أي رد، ما جعل الأسد يفترض تمتعه بحصانة مطلقة تخوله فعل ما يشاء.
فبالمحصلة، لم تبد الولايات المتحدة ميالة إلى اتخاذ إجراء جذري حتى بعد أن أعلنت الأمم المتحدة عن وجود نحو مليون طفل لاجئ بسبب الصراع. وفي الأثناء، ثبت إن إعلان الرئيس باراك أوباما الأولي والمفعم بالقوة، بأن استخدام الأسلحة الكيماوية هو "خط أحمر"، إنما كان (على العكس) إعلاناً ليناً. ومن جهتهما، حافظت روسيا والصين على جبهة موحدة في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة لمواجهة أي إجراء منسق، كما أن من الواضح أن الولايات المتحدة تبدو في أدنى درجات حماسها للانخراط في حرب شرق أوسطية أخرى، في أعقاب تدخلات مكلفة في كل من أفغانستان والعراق وليبيا.
وكما كانت الحال بشأن ميلوزوفيتش وتايلر والقذافي، فيمكن التماس العذر للأسد على اعتقاده أن الولايات المتحدة لن تصل درجة من الغضب تفضي بها إلى التدخل. ألم ينفذ ميلوزوفيتش سياسة ناجحة للتطهير العرقي في البوسنة؟ ثم، ألم يدفع تشارلز تايلر بالجارة سيراليون إلى أن تكون قطعة من جهنم على الأرض، يقطع فيها الثوار أيدي الأطفال كنوع من الرياضة؟ وألم يهندس القذافي إسقاط طائرة الركاب "بان أميركان"، فوق لوكربي الاسكتلندية، والذي أسفر عن مقتل كل ركابها البالغ عددهم 259 شخصاً؟ نعم، لقد فعلوا ذلك.
لكن الأسد، مثل "أشقائه في السلاح" الذين تمت الإطاحة بهم، يبدو أنه يصارع مع فكرة الاعتدال في الإقدام على عمله الشائن. في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى ما أخبره جنرال صربي للأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي "ناتو"، خافيير سولانا، بأن النكتة الرائجة بين الضباط (الصرب) هي: "قرية في كل يوم تبقي الناتو بعيداً"؛ ما يعني أنه إذا قام الصرب بطرد الألبان ببطء من كوسوفو، فإنهم سيكونون بمأمن من "الناتو". إذ سيرد "الناتو" على التهجير الجماعي للمواطنين من المناطق الريفية، لكنه سيتجاهل الحرق البطيء. وربما كانت تلك دعابة سوداء، إلا أنها دقيقة؛ فمعظم القوى الغربية لم تكن تدفع باتجاه التدخل في كوسوفو، وهو موقفها أيضاً بشأن سورية.
هكذا، أصبح الأسد، مثل الآخرين، مقتنعاً فعلاً بأنه سيد كل ما يطاله. فقد أعلن حتى بعد الهجوم بالسلاح الكيماوي (الأخير) أن "الفشل في انتظار الولايات المتحدة كما في كل حروبها السابقة التي شنتها، بدءاً من فيتنام وحتى اليوم". من الواضح أن الأسد ليس مطلعاً تماماً على التاريخ، لاسيما أن الأعوام الثلاثين الماضية تحفل ببقايا الأنظمة المحطمة التي شاركت في هكذا تبجح.
الأسد محق في اعتقاده بأن الرئيس أوباما يسعى يائساً إلى تجنب عمل عسكري في سورية. فالخيارات التي ينطوي عليها مثل هذا القرار تكون غير مستساغة بشكل كبير، إلى درجة ترى معها المعلقين السياسيين يجادلون، بالفم الملآن، بأن أفضل حالة نتطلع إليها هي جمود مطول بين الأسد والثوار. وهو ما يعكس الموقف الأميركي من الحرب العراقية-الإيرانية الدموية الطويلة (والتي استمرت بين العامين 1980 و1988).
غير أن الخطأ الأكبر في حسابات الأسد، يكمن في عدم إدراكه أنه عند نقطة ما، تغدو كلف عدم اتخاذ واشنطن وحليفاتها إجراء، إنما تفوق كلفة اتخاذه. إذ لا يخدم الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي، ولا أي أحد، أن تظهر بمظهر العاجز في مواجهة هكذا أفعال مرعبة. كما أن ذلك يقوض شرعية النظام الدولي. فعند نقطة ما، ينطوي عدم الإقدام على عمل ما، على كلف سياسية أعلى، محلياً ودولياً على حد سواء، مقارنة بالقيام بعمل أو اتخاذ إجراء. فهل يعتقد الأسد فعلاً أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري، وسفيرة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة سامانثا باور، ومستشارة الأمن القومي سوزان رايس -وكلهم حديثو العهد في مناصبهم نسبياً، ويتمتعون بسجل قوي على صعيد (الدفاع عن) حقوق الإنسان- سيسدون النصح للرئيس بعدم القيام بشيء؟
لقد استيقظت الدببة. وفي البنتاغون، فإنهم يتطلعون أصلاً إلى إحداث انهيار في عالم الأسد برمته. وعندما تقرر الولايات المتحدة أنه ليس لديها من خيار سوى اتخاذ إجراء، فإن الدبلوماسيين الروس والصينيين سيواصلون إحداث ضجة في العلن، لكن بكين وموسكو ستشرعان في التخطيط للحياة في مرحلة ما بعد الأسد. وهذه، كما يقول المثل، ليست أول مباراة لهم لركوب الثيران الهائجة "روديو". في الأثناء، تظل الخيارات بشأن سورية رهيبة. لكن الأسد يجبر العالم على التدخل. وهو مثل الآخرين من قبله، لن يحب نهاية اللعبة.

*مدير برنامج الأمن المستدام في "مركز التقدم الأميركي"
نشر هذا المقال تحت عنوان:
"The Supervillain Syndrome"

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق