هل لدينا نتنياهو جديد؟

تم نشره في الخميس 22 آب / أغسطس 2013. 02:00 صباحاً
  • رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يصافح الرئيس الفلسطيني محمود عباس في أحد لقاءاتهما - (أرشيفية)

ليون هادار* – مجلة "ذي ناشونال إنترستس" 20/8/2013
ترجمة منار الرشواني
كيف يمكن وصف شخصية عامة إسرائيلية؛ قومية وذات مواقف متشددة، اعتادت أن تكون خصماً عنيداً لفكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، ثم انتهت إلى ممارسة واقعية فكرية أحالت صاحبها أو صاحبتها إلى مدافع عن الاستقلال الفلسطيني؟ يستخدم بعض المحللين السياسيين الإسرائيليين مصطلح "الرابينية" (Rabinization)؛ نسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق رابين. فخلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، دعا رابين إلى استخدام (سياسة) "تحطيم عظام" الشبان الفلسطينيين الذين يلقون الحجارة. ولاحقاً، فإنه سينال جائزة نوبل للسلام –كما سيتم اغتياله- بسبب توليه قيادة عملية أوسلو للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ولربما تكون "الرابينية" قد طالت بتأثيرها أكثر من مجرد عدد محدود من قادة حزب الليكود، ومن ثم تغيير السياسة الخارجية للمناصرين السابقين لفكرة "إسرائيل الكبرى"، بمن فيهم أرييل شارون وإيهود أولمرت وتسيبي ليفني، الذين استبدلوا في مرحلة لاحقة من حياتهم السياسية التزامهم السابق بأجندة صهيونية راديكالية بالرغبة في إنشاء دولة فلسطينية توجد جنباً إلى جنب إسرائيل.
هذا التحول من داعمين للمستوطنين اليهود في الضفة الغربية إلى مفاوضين بشأن تسوية مع الفلسطينيين تشمل انسحاباً إسرائيلياً من تلك المناطق (التي يتواجد فيها المستوطنون)، لا يعكس فقط اعتبارات براغماتية بالاستجابة للضغط الدولي. بل هو اعتراف أيضاً بأن بقاء إسرائيل باعتبارها دولة يهودية وديمقراطية يتطلب تخليها عن سيطرتها على العرب الذين يقطنون الضفة الغربية وقطاع غزة.
ومن ثم، فلا يبدو مفاجئاً أن أولمرت وليفني –اللذين تمت رعايتهما من قبل مؤسس الليكود مناحيم بيغن باعتبارهما من قادة الجيل الجديد للحزب الذي احتلت "إسرائيل الكبرى" موقع المركز في برنامجه- يبدوان اليوم أشبه بناشطين مخضرمين في حركة "السلام الآن" الإسرائيلية، ذات الميول اليسارية.
هل يمكن أن يتعرض بينامين نتنياهو أيضاً لتأثير "الرابينية"؟ كان هذا الأمر حاضراً في أذهان أعضاء من الطبقة السياسية الإسرائيلية منذ خطاب نتنياهو في جامعة بار إيلان في حزيران (يونيو) 2009، والذي أعلن فيه دعمه لإنشاء دولة فلسطينية مستقلة. أم لعل الأمر كان مجرد مناورة علاقات عامة، تهدف إلى استرضاء الرئيس الأميركي باراك أوباما، والذي كان قد تولى منصبه حديثاً، وبدا عازماً على إحياء عملية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية التي كانت في حالة سبات؟
خلال ولاية الرئيس أوباما الأولى، والتي تزامنت مع تشكيل ائتلاف يقوده حزب الليكود اليميني، بزعامة نتنياهو، كانت المقولة الشائعة في القدس هي أن نتنياهو لم يتغير فعلاً. وقد قيل إنه كان يحاول شراء الوقت فقط، على أمل استغلال لغته المعتدلة التي استخدمها في جامعة بار إيلان، فيما يواصل سياسات الضم (للأراضي الفلسطينية). وهو الأمر الذي كان سيمكن نتنياهو من اجتياز سنوات أوباما الأربع اللاحقة إلى حين عودة الجمهوريين ومستشاريهم الودودين من المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض و/ أو وقوع مواجهة مسلحة مع إيران تدفع بالقضية الفلسطينية إلى منزلة متأخرة على سلم الأولويات.
غير أن الاستماع إلى عدد من مجتمع السياسة الخارجية الإسرائيلي، في الأسبوع ذاته الذي شهد إطلاق جولة جديدة من المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية في واشنطن برعاية أميركية، يؤدي إلى تولد انطباع بأن المقولة الشائعة السابقة بشأن نتنياهو ربما تكون قد تغيرت. إذ إن يوسي بيلين، أحد القادة السابقين لحزب العمل والذي كان القوة الدافعة لعملية أوسلو و"مبادرة جنيف" التي تبعتها، يبدو متفائلاً بقرار نتنياهو دعم المبادرة الدبلوماسية الأميركية الأخيرة، وموافقته على الإفراج عن أكثر من مائة معتقل فلسطيني كجزء من صفقة استئناف المحادثات. وهو يصف تحركات نتنياهو باعتبارها "تغيراً دراماتيكياً بمقدار 180 درجة" في تفكير الرجل على صعيد الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وكما يرى بيلين وبضعة ناشطي سلام إسرائيليين، فإن نتنياهو قد تعرض فعلاً لـ"الرابينية"، ويبدو مستعداً لتبني السياسات التي وضحها في خطابه في جامعة بار إيلان. ويعكس هذه الآمال تلك المخاوف التي تجمع العديد من أعضاء حركة الاستيطان مع تحالف "إسرائيل الكبرى"، والذين بدأوا يتشككون في أن نتنياهو قد تخلى عن قضيتهم.
لكن في الحقيقة، وخارج التفكير الرغائبي لليسار الإسرائيلي، كما السيناريوهات السوداوية للمستوطنين، فإن حكومة نتنياهو رفضت كل المطالب الأميركية والفلسطينية الرئيسة: إجراء المفاوضات استناداً إلى حدود (ما قبل حرب حزيران) العام 1967؛ والإعلان عن تجميد بناء مستوطنات يهودية جديدة؛ ومناقشة مسألة "حق العودة" للفلسطينيين، أو النظر في إمكانية تقسيم القدس. أما بالنسبة لإطلاق سراح فلسطينيين من السجون الإسرائيلية، وبعضهم محكوم بعقوبة السجن مدى الحياة، فهي قد تبدو إيماءة مهمة من قبل نتنياهو. لكن هذا الأخير كان قد وافق في الماضي على اتخاذ خطوات مماثلة، بما في ذلك مبادلة المعتقلين بالإفراج عن (الجندي) جلعاد شاليط. ومن ثم، فإن العملية الأخيرة للإفراج عن السجناء لا تعكس تحولاً جذرياً في تفكير نتنياهو. وفي الحقيقة، فإن خطوات نتنياهو الأخيرة تكتيكية إلى حد بعيد في طبيعتها، فلا تشير إلى تحول جوهري في استراتيجيته الكبرى، والتي ما تزال تسمح بإمكانية موافقة إسرائيل على استقلال الفلسطينيين في بعض مناطق الضفة الغربية وفق نموذج "البانتوستان" (التي كانت مخصصة للأفارقة في جنوب أفريقيا إبان الفصل العنصري).
يدرك نتنياهو أن الرئيس أوباما، والتحالف الانتخابي الذي حمله إلى سدة الحكم، باقيان، وأن لا خيار أمامه إلا مسايرة راعيه الدولي في وقت يشهد تزايد عزلته الدبلوماسية. كما أن نتنياهو يقود تحالفاً جديداً يضم حزب "هناك مستقبل"، الليبرالي المعتدل، والملتزم بتسوية بشأن الأراضي الفلسطينية، وهو لن يبقى في الحكومة في حال اختيارها التخلي عن عملية السلام. لكن هذا التحالف يضم أيضاً حزب "البيت اليهودي" المتمتع بالشعبية في أوساط حركة الاستيطان، كما حزب الليكود الذي يضم العديد من القيادات التي لن تقبل، تحت أي ظرف من الظروف، الانسحاب إلى حدود (ما قبل) العام 1967، وإنشاء دولة فلسطينية. وفي الحقيقة، فإن أغلبية كبيرة من المقترعين الإسرائيليين اليهود لن يقبلوا بالحد الأدنى من المطالب الفلسطينية: تقسيم القدس، والاعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى المناطق التي غادروها داخل إسرائيل.
كل ذلك يفسر ذهاب كثير من المحللين الإسرائيليين إلى استنتاج أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري، ينشط في نوع من الدبلوماسية غير الواقعية، عندما أعلن عن ثقته بالتوصل إلى اتفاق سلام إسرائيلي-فلسطيني خلال تسعة أشهر. ومؤخراً، عبر ناهوم بارينا، أحد كبار المحللين السياسيين الإسرائيليين، عن شكوك عميقة بشأن قدرة واشنطن على تحقيق السلام، ملاحظاً أن المفاوضات التي أفضت إلى اختراقات دبلوماسية نتج عنها اتفاقيات السلام الثلاث الرئيسة بين إسرائيل وجيرانها العرب؛ مصر والأردن كما عملية أوسلو، هذه المفاوضات إنما أجريت خفية عن الأميركيين، فيما دعيت واشنطن للانضمام للعملية لاحقاً باعتبارها ضامناً ووسيطاً ومضيفاً.
وكما كتب بارينا في صحيفة "يديعوت أحرنوت" الشهر الماضي، ففي كل مرة بادر فيها الأميركيون إلى إطلاق جولة مفاوضات بين إسرائيل والسوريين أو بين الإسرائيليين والفلسطينيين، كانت النتيجة هي الفشل؛ وليصل إلى نتيجة مفادها أن "واشنطن مكان عظيم للاحتفال بتوقيع اتفاقية سلام، لكنها مقبرة لمفاوضات السلام".


*كبير محللين في المجموعة الاستشارية الجيواستراتيجية "ويكيسترات"، ومقرها واشنطن العاصمة، وسيدني في أستراليا.
ظهر المقال تحت عنوان:
"?Is There a New Netanyahu"

التعليق