وَلِلهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا

الباطن

تم نشره في الأربعاء 24 تموز / يوليو 2013. 03:00 صباحاً
  • الباطن

الباطن سبحانه هو المحتجب عن أبصار الخلق الذي لا يُرى في الدنيا، احتجب بذاته عن أبصار الناظرين لحكمة أرادها سبحانه وتعالى في الناس أجمعين، فالله يُرى في الآخرة ولا يرى في الدنيا لأنه شاء أن تقوم الخلائق على معنى الابتلاء، ولو رأيناه في الدنيا وانكشف عنا الغطاء؛ لتعطلت حكمة الله في تدبيره الأشياء، فكيف يتحقق الإيمان بالله ونحن نراه؟ وكيف تستقيم الشرائع إلا في الاتباع ومخالفة العبد هواه ؟
وإذا كان الله سبحانه وتعالى لا يُرى في الدنيا ابتلاء فإنه يُرى في الآخرة إكراما وجزاء، إكراما لأهل طاعته، وزيادة في النعيم لأهل محبته، والله سبحانه وتعالى مع أنه الباطن الذي احتجب عن أبصار الناظرين لجلاله وحكمته وكماله وعزته وعظمته إلا أن حقيقة وجوده نور يضيء بصائر المؤمنين، فهو القريب المجيب الذي يسمع دعاء الخلائق أجمعين.
والباطن في اللغة اسم فاعل لمن اتصف بالبطون، والبطون خلاف الظهور، والبطون أيضا الخفاء والاحتجاب وعدم الظهور، ومنه قول الله تعالى : "وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ" [الأنعام:151]، وبطن الشيء أساسه المحتجب الذي تستقر به وعليه الأشياء، رُوي أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:(جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي نَزَلتُ فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الوَادِي فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ أَحَدًا)، وقال تعالى:"وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكةَ"[الفتح:24]، 
والله عز وجل باطن احتجب بذاته عن أبصار الناظرين لحكمة أرادها في الخلائق أجمعين، فالله يُرى في الآخرة ولا يُرى في الدنيا لأنه شاء أن تقوم الخلائق على معنى الابتلاء، ولو رأيناه في الدنيا وانكشف الحجاب والغطاء لتعطلت حكمة الله في تدبيره الأشياء، قال تعالى:"ألمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحَقِّ " [إبراهيم:19]، فالعلّة في احتجابه وعدم رؤيته هي الامتحان والابتلاء، قال تعالى:"الذي خَلقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ ليَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً" [الملك:2]، ومن هنا كان البطون ووضع الغطاء على أهل الابتلاء أو كشف الحجاب عند الانتقال لدار الجزاء قال تعالى:"لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيد" [ق:22].
ومن الخطأ البحث عن كيفية الحقائق الغيبية أو كيفية الذات والصفات الإلهية، لأن الله باطن احتجب عن خلقه في عالم الشهادة بالنواميس الكونية، أما في الآخرة عند لقائه فالأمر يختلف إذ إنّ مدركات الإنسان وقتها تتغير بالكيفية التي تناسب أمور الآخرة وأحداثها.
والباطن سبحانه يدل على اطلاعه على السرائر، والضمائر، والخبايا، والخفايا، ودقائق الأشياء، كما يدل على كمال قربه ودنوه، ولا يتنافى الظاهر، والباطن لأن الله ليس كمثله شيء في كل النعوت فهو العلي في دنوه، القريب في علوه.
ومن الدعاء باسم الله الباطن ما رواه ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (قال رَسول الله صلى الله عليه وسلم لِلعبَّاسِ: إذَا كَان غدَاةُ لإثنيْنِ فأتني أنت وَوَلدُكَ حَتى أدْعوَ لهُمْ بِدَعْوَةٍ يَنفعكَ الله بها وَوَلدَكَ، فغدَا وَغدَونا معهُ وَأَلبَسَنا كِسَاءً ثم قال: اللهم اغفر للعبَّاسِ وَوَلدِهِ مغفِرَة ظَاهِرَة وَبَاطِنة لاَ تغادِرُ ذَنبًا، اللهم احفظهُ في وَلدِهِ).
ومن آثار توحيد المسلم لله في اسمه الباطن إقراره ويقينه أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يقدّر الأمور ويدبّرها، وأن الأسباب التي أظهرها بحكمته هي كالآلة بيد صانعها والله من ورائهم محيط، هو الباطن القادر الفاعل حقيقة الذي استتر عن خلقه بلطائف القدرة وخفايا المشيئة، فالموحد يشهد الأولية من الله في كل شيء، والآخرية بعد كل شيء، والعلو والفوقية فوق كل شيء، والقرب والدنو دون كل شيء.

التعليق