حُرقة المعدة.. عواقبها وخيمة

تم نشره في الأربعاء 24 تموز / يوليو 2013. 02:00 صباحاً
  • أعراض حُرقة المعدة تظهر في صورة آلام بالبطن وتجشؤ حمضي - (د ب أ)

برلين- ربما لم يسلم أي شخص من المعاناة من حُرقة المعدة في يوم ما. ولكن إذا تكررت الإصابة بها بصورة مستمرة، كأن تحدث دائماً بعد تناول الطعام مثلاً أو أثناء الاستلقاء على الفراش أو عند الانحناء إلى الأمام، فيدل ذلك على أنها وصلت مرحلة متأخرة قد تترتب عليها عواقب وخيمة تصل إلى حد الإصابة بسرطان المريء.
وأرجع الدكتور بيتر ماير، من الجمعية الألمانية لأمراض الهضم والتمثيل الغذائي بالعاصمة برلين، سبب الإصابة بحرقة المعدة إلى العصارة الهضمية التي تسيل في اتجاه معاكس للأطعمة وتصعد إلى المريء، لذا يطلق عليها الأطباء مرض (الارتجاع المعدي المريئي).
وبالنظر إلى سبب هذه المشكلة من الناحية العضوية، أوضح الطبيب الألماني أنها ترجع إلى عدم انغلاق العضلة العاصرة الموجودة في مدخل المعدة؛ حيث يُفترض أن تنغلق هذه العضلة تماماً، كي تعمل على الاحتفاظ بالعصارة الهضمية داخل المعدة.
ولكن إذا كان الإنسان يعاني من اضطراب في غلق هذه العضلة واستلقى مثلاً للاستمتاع بقيلولة بعد تناول الطعام مباشرةً وكانت معدته ممتلئة عن آخرها، سيتسبب ذلك حينئذٍ في عدم انغلاق هذه العضلة، ما يؤدي إلى ارتجاع العصارة الهضمية إلى المريء والإصابة بحُرقة المعدة.
وأردف ماير أنه حتى إذا كانت العضلة العاصرة سليمة ولا تُعاني من أي اضطراب، فستفقد قدرتها على القيام بوظيفتها أيضاً عند تعرض المعدة لضغط شديد. لذا تحدث الإصابة بحرقة المعدة أيضاً عند الوقوع في حالات جسمانية غريبة -كالحمل مثلاً- بدون أن يكون ذلك مؤشراً للإصابة بمرض خطير، موضحاً: "من المعروف أن النساء الحوامل يُعانين من حُرقة المعدة خلال المرحلة الأخيرة من الحمل نتيجة كبر حجم البطن وضغطها على المعدة".
أسباب عضوية ونفسية
وأوضح الطبيب الألماني أن ارتخاء العضلات العاصرة للمريء على مستوى ارتفاع الحجاب الحاجز ربما يرجع إلى أسباب عضوية؛ مثل الإصابة بفتق في الحجاب الحاجز أو زيادة الوزن أو تناول الوجبات السريعة أو الأدوية. كما أن الوقوع تحت ضغط عصبي أو سيطرة مشاعر الغضب يتسبب أيضاً في صعود العصارة الهضمية إلى أعلى والإصابة بتجشؤ حمضي أو حرقة في منطقة الصدر أو التهاب في الحلق نتيجة وصول هذه الأحماض إليه.
وأضاف أن المكوّن الرئيسي للعصارة الهضمية هو حمض الهيدروكلوريك، الذي يتم إفرازه في خلايا خاصة في جدار المعدة من أجل تحليل الطعام الذي تم تناوله بشكل كيميائي والقضاء على البكتيريا الضارة الموجودة به. ونظراً لاختلاف تكوين أنسجة المريء عنها لدى المعدة، لذا لا يُمكن للمريء التعامل مع العصارة الهضمية التي تصعد إليه من المعدة، ما يؤدي إلى الشعور بتلك المتاعب.
وتطمئن الرابطة الألمانية لمكافحة أمراض الجهاز الهضمي واضطرابات التمثيل الغذائي والتغذية، التي تتخذ من مدينة غيسن مقراً لها، أن حرقة المعدة العرضية -أي التي لا تحدث بصورة مستمرة- تُعد مشكلة عالمية يُعاني منها الكثير من الأشخاص، مؤكدةً أن مثل هذه المتاعب لا تستدعي القلق على الإطلاق؛ حيث ثبت أنه -في أغلب الحالات- لا يتسبب ارتجاع العصارة الهضمية إلى المريء في إلحاق أضرار عضوية به.
وأردفت الرابطة أن واحدا فقط من كل عشرة أشخاص ممن يعانون من ارتجاع العصارة الهضمية إلى المريء، يُصابون بالتهاب المريء المعروف باسم (الارتجاع المعدي المريئي)، الذي يتسبب في إحداث تلفيات في الغشاء المخاطي المبطن للمريء، مع العلم أن هذه التلفيات لا تنحصر على منطقة المريء فقط، إنما يُمكن أن تصل العصارة الهضمية الحمضية إلى منطقة الحلق أثناء النوم.
وحذرت الرابطة من أنه إذا وصلت بعض قطرات الأحماض هذه إلى المسالك التنفسية لدى المريض، يُمكن أن يؤدي ذلك حينئذٍ إلى إصابته بسعال أو التهاب مزمن في الشعب الهوائية أو متاعب مشابهة لمتاعب الربو، وقد يصل الأمر إلى الإصابة بالتهابات في اللثة والأذن الوسطى وآلام في القلب.
ويلتقط البروفيسور هاينتس بور عضو الجمعية الألمانية لجراحة البطن بالعاصمة برلين، طرف الحديث محذراً من أنه كُلما تكررت نوبات ارتجاع العصارة الهضمية إلى المريء، زاد خطر الإصابة بنوعيات خطيرة من الالتهابات تؤدي إلى إحداث تغيّر مرضي في الغشاء المخاطي المبطن للمريء، تلك الحالة المعروفة طبياً باسم (متلازمة مريء باريت).
ويواصل اختصاصي جراحة البطن الألماني بور تحذيراته بأن واحدا من كل عشرة أشخاص ممن يعانون من هذه المتلازمة يُصابون بعد ذلك بسرطان المريء نتيجة التغيّر الطارئ على أنسجته بفعل هذا المرض. وكي يتحقق المريض مما إذا كان مصاباً بمثل هذه التلفيات المصاحبة لحرقة المعدة أم لا، شددّ بور على ضرورة إجراء منظار على المعدة.
ويلتقط الطبيب الألماني ماير طرف الحديث من جديد، موضحاً أن هناك العديد من الوسائل المنزلية والأدوية المصرح بشرائها بدون استشارة الطبيب وكذلك العديد من الإرشادات المساعدة على مواجهة متاعب حُرقة المعدة، لافتاً إلى أنه ليس بالضرورة أن تكون مجدية على الدوام.
نصائح وإرشادات
ويندرج من بين هذه الإرشادات أنه ينبغي مثلاً على مَن يعانون من حُرقة المعدة ألا يتناولوا أي مشروبات أثناء تناول الطعام؛ حيث يتسبب ذلك في امتلاء المعدة وطفو الأطعمة التي تم هضمها على سطح هذه السوائل، أو العكس تناول كميات كبيرة من الماء أثناء الطعام لتخفيف العصارة الهضمية.
ومن النصائح الأخرى أنه لا يجوز تناول الطعام في أوقات متأخرة؛ حيث ينبغي إعطاء فرصة للمعدة كي تهضم الطعام قبل الخلود إلى النوم، كذلك عدم الاستلقاء على الظهر بعد تناول الطعام مباشرةً، بالإضافة إلى رفع الجزء العلوي من الجسم قليلاً عند النوم للحد من ارتجاع العصارة الهضمية إلى المريء.
وتضم قائمة النصائح أيضاً تناول الطعام ببطء ومضغه جيداً والابتعاد عن تناول المشروبات والمياه الغازية وكذلك الأطعمة، التي تعمل على تحفيز إفراز الأحماض في المعدة؛ كالقهوة والكحوليات مثلاً.
وتابع ماير أن هذه النصائح يمكن أن تُجدي نفعاً مع مرضى حُرقة المعدة في حالات معيّنة، مؤكداً أن الإصابة بالارتجاع المعدي المريئي في شكله الحقيقي لا يُمكن الحد من متاعبه إلا عن طريق خيارات منها أن يتم تناول نوعية الأدوية، التي تُثبط إفراز الأحماض في المعدة والمعروفة باسم (مثبطات مضخة البروتون).
وفي هذا السياق، قال الجراح الألماني بور: "نواجه مشكلة مع هذا الخيار، حيث إن الكثير من المرضى يرفضون تناول الأدوية طوال حياتهم"، لذا نضطر في مثل هذه الحالات اللجوء للخيار الثاني وهو إجراء عملية جراحية.
وأوضح بور كيفية إجراء هذه الجراحة بأنه يتم أخذ الجزء العلوي من المعدة ولفه حول الجزء السفلي من المريء وإغلاقه به، مطمئناً أن هذه الجراحة لا تتسبب في إحداث أي ندبات واضحة؛ لأنه عادةً ما يقوم الأطباء الجراحون بإجرائها عن طريق الفم والمريء.-(د ب أ)

التعليق