العقد الاجتماعي القادم

تم نشره في الأربعاء 24 تموز / يوليو 2013. 03:00 صباحاً

كمال درويش*
باريس - ان ما يجري في جميع ارجاء العالم هذه الايام هو ان البطالة المستمرة وعدم توافق المهارات وأطر التقاعد قد اصبحت حيوية بالنسبة للسياسة المالية وللجدل السياسي الحاد المرتبط بذلك. ان الدول المقدمة تواجة مشكلة تقدم شعوبها في العمر ولكن معظم الاقتصادات الناشئة هي ايضا في خضم تحول ديمغرافي سوف ينتج عنه تركيبة عمرية تشبه تلك الموجودة في الاقتصادات المتقدمة- أي هرم مقلوب- خلال عقدين او ثلاثة عقود وبالنسبة للصين فإن ذلك سوف يحصل في وقت اقرب كثيرا.
ان المشاكل المتعددة تؤثر على التوظيف. ان الطلب الضعيف في مرحلة ما بعد الازمة الاقتصادية العالمية والتي بدأت في العام 2008 ما يزال عاملا جوهريا في اوروبا والولايات المتحدة الأميركية واليابان لكن القضايا الهيكلية طويلة الامد تؤثر سلبا على اسواق العمل ايضا.
ان اهم عامل هو ان العولمة تؤدي الى التحول المستمر للميزة المقارنة مما يؤدي الى خلق مشاكل تعديلية حيث ان الوظائف التي تمت اضافتها ضمن نشاطات جديدة لا تعوض بالضرورة عن خسارة وظائف في نشاطات قديمة وعلى اي حال فإن معظم الوظائف الجديدة تتطلب مهارات مختلفة مما يوحي بإن العمال الذين يخسرون وظائفهم في صناعات في طور الاحتضار لديهم أمل ضعيف بإن يعثروا على وظيفة أخرى.
ان التقدم التقني يعتمد بشكل متزايد على "تقليص العمالة " حيث تستبدل اجهزة الحاسوب والانسان الآلي العمالة البشرية ابتداء من السوبرماركتات وانتهاءا بخطوط تجميع السيارات واذا اخذنا بعين الاعتبار النظرة المتقلبة للاقتصاد الكلي فإن العديد من الشركات مترددة في توظيف عمال جدد حيث نتج عن ذلك بطالة عالية بين الشباب في جميع ارجاء العالم.
في الوقت نفسه فإن تقدم اعمار الناس – وما يرتبط بذلك من تكلفة الرعاية الصحية لكبار السن-يشكل التحدي المالي الرئيس في المجتمعات المتقدمة فبحلول منتصف هذا القرن فإن متوسط العمر المتوقع والبالغ 60 عاما سوف يرتفع بحوالي عشر سنوات مقارنة بمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية عندما تم تثبيت اعمار التقاعد الحالية.
ان من غير المرجح ان تكون التغييرات الهامشية للترتيبات الحالية كافية للتعامل مع العوامل التقنية أو تخفيف التوترات الاجتماعية ومخاوف الشباب أو التعامل مع العبء المالي المتصاعد . ان هناك حاجة لاعادة تقييم جذرية للعمل وتشكيل المهارات والتقاعد والتسلية على ان تشكل بضعة مبادىء جوهر اي اصلاح شامل.
في البداية يجب ان يصبح تشكل المهارات والتطوير عملية تستمر طيلة الحياة وتبدأ من التعليم المدرسي الرسمي وتستمر طيلة مرحلة التدريب على رأس العمل والانقطاعات عن العمل من اجل تكريس الوقت للتعليم في مراحل مختلفة من الحياة . ان برامج دمج الشباب المتخصصة يجب ان تصبح جزءا اعتيادا من الدعم العام للتوظيف والحياة المهنية مع الاعفاء من مساهمات الضمان الاجتماعي لأول سنة او سنتين من التوظيف.
ان المبدأ الثاني هو ان التقاعد يجب ان يكون عملية تدريجية أي ان الناس بإمكانهم العمل ما معدله 1800-2000 ساعه في السنة حتى يصبحوا في الخمسينات على ان تقل تلك الساعات الى 1300-1500 ساعة في اوائل الستينيات ومن ثم الانتقال الى 500-1000 ساعة عندما يصبحون على مشارف السبعين . ان ممرضة في مستشفى أو مضيفة جوية أو معلمة مرحلة ثانوية على سبيل المثال يمكن ان تعمل خمسة ايام بالاسبوع حتى اواخر الخمسينيات من عمرها واربعة ايام بالاسبوع حتى عمر 62 وثلاثة ايام بالاسبوع حتى عمر 65 وربما يومان بالاسبوع حتى تصل لعمر سبعين.
يجب على اصحاب العمل والعمال ان يتفاوضوا على مثل هذه المرونة ولكن يجب عليهم عمل ذلك مع حوافز ودعم مالي من الحكومة –على سبيل المثال ضمان اجتماعي وضرائب على الدخل  قابلة للتغيير. ان العطل المدفوعة يمكن ان تكون من 3 الى اربعة اسابيع حتى سن 45 وتزيد بشكل متدرج الى 7-8 اسابيع في اواخر الستينيات. ان اجازات الامومة والابوه المنخفضة كما هو الحال في الولايات المتحدة الأميركية يجب زيادتها.
ان السياسات العامة يجب ان تشجع كذلك على وجود نطاق اكبر للخيارات الشخصية فعلى سبيل المثال كل عشر سنوات يجب ان يتمكن العامل من ان يمضي سنة في التعليم الرسمي بحيث يتكفل صاحب العمل بثلث التكلفة وثلث من الاموال العامة والثلث الاخير من التوفير الشخصي (ان مثل هذه النسب يمكن ان تتغير طبقا لمستوى الدخل).
ان الهدف الاجمالي يجب ان يكون مجتمع يعمل فيه الناس ويدفعون الضرائب ان سمحت صحتهم بذلك حتى يصبحوا على مشارف السبعين ولكن ان يعملوا بشكل اقل مع تقدمهم بالعمر وبشكل مرن يعكس ظروفهم الشخصية وفي واقع الامر فإن التقاعد التدريجي والمرن سوف يفيد في العديد من الحالات ليس فقط اصحاب العمل والحكومات ولكن العمال انفسهم نظرا لأن الاستمرار في العمل هو عادة مصدر للرضا الذاتي والتواصل الاجتماعي الذي يثري العواطف.
لقد اكتشف زملائي في معهد بروكنجز في العاصمة الامريكية واشنطن كارول جراهام وميلنا نيكولوفا باستخدام مؤسسة جالوب لاستطلاعات الرأي ان اسعد الجماعات هي تلك التي تعمل بشكل جزئي وعلى سبيل التطوع وفي مقابل هذه الحياة العملية الاطول يجب ان يحصل الناس على وقت اكثر للتسلية وتشكيل المهارات طيلة حياتهم مع وجود تأثيرات ايجابية تتعلق بالانتاجية والرضا عن العمل.
ان العقد الاجتماعي الجديد للنصف الأول من القرن الحادي والعشرين يجب ان يكون عقدا يجمع بين وجود واقعية مالية ومجال كبير للخيارات الشخصية وتضامن اجتماعي قوي وحماية ضد الصدمات التي تنشأ من الظروف الشخصية او الاقتصاد المتقلب . ان العديد من البلدان تأخذ خطوات في هذا الاتجاه ولكنها خطوات خجولة للغاية. نحن بحاجة الى اعادة صياغة شاملة وثورية للتعليم والعمل والتقاعد وحياة التسلية .

*وزير سابق للشؤون الاقتصادية في تركيا.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكت.

التعليق