سورية.. العطش والثورة

تم نشره في الأحد 26 أيار / مايو 2013. 03:00 صباحاً
  • مزارع سوري في مزرعة ضربها الجفاف في محافظة الرقة - (أرشيفية)

توماس فريدمان - (نيويورك تايمز) 18/5/2013
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تل الأبيض، سورية- قضيت لتوي يوماً واحداً في هذه البلدة السورية الشمالية الشرقية. كان الوضع مريعاً -أكثر كثيراً مما توقعت- ليس لأننا كنا مهددين بأي شكل من جنود الجيش السوري الحر الذين أخذونا في جولة، أو من مقاتلي جبهة النصرة الذين ظلوا مختبئين في الظلال. كانت المدرسة المحلية هي التي أصابتني بالصدمة.
بينما كنا عائدين بالسيارة من الحدود التركية، لاحظت مدرسة وطلبت من السائق أن يستدير بالسيارة حتى أقوم بالاستكشاف. كانت المدرسة فارغة -من الطلاب. لكن لاجئي الحرب احتلوا غرف الصفوف، وكانت قمصان الأطفال الصغار وسراويلهم تجف على حبل ممدود عبر الساحة. كان لوح كرة السلة صدئاً، وتطوع أب محلي بأخذي في جولة إلى الحمامات التي وصفها بأنها مقرفة. لقد توقف التدريس في الصفوف منذ سنتين. وكان هذا هو الذي أصابني بالرعب. إنني معتاد على رؤية الرجال بالبنادق. أما الأطفال بلا كتب ولا أساتذة ولا صفوف لوقت طويل –فتلك مشكلة. ومشكلة كبيرة.
إنهم يكبرون ليصبحوا مراهقين مع الكثير من البنادق والكثير من أوقات الفراغ، وقد رأيت الكثيرين منهم في تل الأبيض. إنه قانون الأرض هنا الآن، لكنه ليس فيهم اثنان يرتديان نفس الزي، والكثيرون يرتدون الجينز فقط، وقد انضم هؤلاء الصغار بشجاعة إلى كبار بلدتهم لتحريرها من الطغيان القاتل لبشار الأسد، لكن الحرب وصلت الآن إلى طريق مسدود. ولذلك أصبحت الحياة هنا، كما في الكثير من المناطق عبر سورية، عالقة في أرض حرام بين النظام والفوضى. هناك ما يكفي فقط من النظام المرقّع كيفما اتفق، ليبقى الناس على قيد الحياة -حتى إن بعض العائلات ركبت أجهزة لتقطير النفط الخام وتحويله إلى بنزين حتى يمكن للسيارات أن تسير- لكنه ليس هناك ما يكفي من النظام لإعادة البناء حقاً، لإرسال الأولاد إلى المدرسة، أو لبدء عمل تجاري.
وهكذا، تنزف سورية كلها حتى الموت من جراح الطلقات التي ابتلت بها نفسها. ولا يستطيع المرء سوى أن يتساءل عما إذا كانت ستعود أبداً لتكون بلداً موحداً مرة أخرى، وأي نوع من الكارثة الإنسانية ستتجلى هناك إذا كبر جيل كامل من غير مدرسة.
يقول زكريا زكريا، السوري في الثامنة والعشرين من العمر، والذي تخرج في الجامعة بتخصص اللغة الإنجليزية وعمل كدليل لنا:"إن سورية تصبح الصومال. فقد الأطفال الآن سنتين من الدراسة، وليس هناك ضوء في نهاية النفق، وإذا ما استمر هذا الوضع سنتين أخريين، فستصبح سورية مثل الصومال، دولة فاشلة. لكن الصومال بعيدة في مكان ما من المحيط الهندي. وسورية هي قلب الشرق الأوسط. لا أريد أن يحدث هذا لبلدي. لكنه كلما طال أمد هذا، كلما أصبح الوضع أسوأ".
هذا هو مكمن وجع سورية اليوم. إنك لا تستطيع تصوّر الحرب الجارية هنا وهي تستمر عاماً آخر، ناهيك عن خمسة أعوام. لكنك عندما تلمس عمق الغضب ضد حكومة الأسد وتتأمل العنف المتقطع، وإنما البربري، الذي تمارسه طائفة ضد أخرى، فإنك لا تستطيع تخيُّل أي صفقة سلام يمكن أن تُبرم أو تصمد –ليس من غير تواجد قوات دولية لحفظ السلام على الأرض لفرضها. وفي نهاية المطاف، سيكون علينا جميعاً إقامة ذلك الحوار، لأنّ هذه ليست حرباً عادية.
هذه الكارثة السورية تشبه العاصفة الكاملة. هذا ما يحدث عندما تترافق حادثة مناخية متطرفة؛ أسوأ موجة جفاف عرفها تاريخ سورية الحديث، مع سكان تتزايد أعدادهم بسرعة، ونظام قمعي وفاسد، ثم يُطلق العنان لمشاعر طائفية ودينية متطرفة، تغذيها أموال القوى الخارجية المتنافسة -إيران وحزب الله من جهة، والعربية السعودية وتركيا وقطر من الجهة الأخرى، والتي لكل منها مصلحة متطرفة مع إلحاق حلفائها السوريين الهزيمة بحلفاء الآخرين- وكل ذلك في وقت تشعر فيه أميركا، في طورها ما بعد العراقي/ الأفغاني، ببالغ القلق من فكرة التورط.
كنت قد جئت إلى هنا لأكتب عمودي وأعمل على إعداد فيلم لسلسلة "شوتايم"، باسم "سنوات من العيش الخطر" عن "الجفاف"، وهو أحد المحركات الرئيسية للحرب السورية. وفي عصر التغير المناخي، يرجح كثيراً أن نرى المزيد من مثل هذه الأزمات.
يقول الاقتصادي السوري سمير عيطة: "الجفاف لم يتسبب في قيام الحرب الأهلية في سورية". لكنه أضاف أن فشل الحكومة في الاستجابة لمشكلة الجفاف لعب دوراً هائلاً في إشعال جذوة الانتفاضة. كان الذي حدث، كما شرح عيطة، هو أن بشار الأسد قام بعد أن تولى السلطة في العام 2000، بفتح قطاع الزراعة المقنّن في سورية أمام المزارعين الكبار، الذين كان الكثيرون منهم من حاشية الحكومة، بحيث يشترون الأرض ويحفرون لاستخراج أي قدر يريدونه من الماء، مما أفضى في النهاية إلى التقليل بشدة من مخزون المياه الجوفية. وشرع ذلك في دفع المزارعين الصغار بعيداً عن الأرض إلى المدن، حيث ترتب عليهم الشقاء والتملق من أجل العثور على عمل.
بسببب الانفجار السكاني الذي بدأ هنا في الثمانينيات والتسعينيات بفضل تحسن الرعاية الصحية، جاء أولئك الذين غادروا الريف في عائلات كبيرة، واستقروا في البلدات حول المدن مثل حلب. وانتفخت بعض تلك البلدات ليرتفع عدد سكانها من 2.000 إلى 400.000 في غضون عقد أو نحو ذلك. وقد فشلت الحكومة في تقديم مدارس مناسبة، ووظائف وخدمات لهذا الانتفاخ في جيل الشباب، وهو ما أضر بحق أبنائها من المراهقين وفي العشرينيات عندما انفجرت الثورة.
ثم، في الأعوام من 2006 إلى 2011، دُمرت نحو 60 % من مساحة سورية بسبب الجفاف، والمياه الجوفية التي كانت قد أصبحت قليلة جداً، فيما تقلص ري الأنهار. وأدى ذلك إلى تقويض سبل عيش 800.000 من المزارعين ورعاة الماشية السوريين، كما قالت الأمم المتحدة. ويقول عيطة: "نصف السكان في سورية بين نهري دجلة والفرات تركوا الأرض" إلى المناطق الحضرية خلال العقد الأخير. وبعدم قيام الأسد بشيء لمساعدة لاجئي الجفاف، أصبح الكثير من المزارعين البسطاء جداً وأبنائهم مسيسون. وأضاف عيطة: "لقد ابتُكرت الدولة والحكومة أولاً في هذا الجزء من العالم، في بلاد ما بين النهرين القديمة، وبالتحديد لتدبر أمور الريّ وتنمية المحاصيل. وقد فشل الأسد في أداء هذه المهمة الأساسية".
كان تعطش الناس والمزارعين للعمل –وتعطش الأرض للماء- وصفة مثالية للثورة. ولك أن تسأل فقط أولئك الذين كانوا هنا، بدءاً من "فاتن" التي التقيتها في شقتها البسيطة في "شانلورفا" المدينة التركية قرب الحدود السورية. وفاتن امرأة سنية، عمرها 38 عاماً، والتي فرّت من الحرب مع ابنها محمد المقاتل في الجيش السوري الحر، 19 عاماً، الذي أصيب بجراح بليغة في تبادل لإطلاق النار قبل بضعة أشهر. وقد روت لي فاتن التي ترعرعت في قرية سورية زراعية في الشمال الشرقي، وطلبت مني عدم ذكر اسمها الأخير، روت لي قصتها.
كانت هي وزوجها "نمتلك مزرعة خاصة بنا" كما قالت فاتن. "كنا نزرع محاصيل سنوية. كان لدينا قمح، وشعير، ومنتجات الغذاء اليومي –خضار، خيار، وكل شيء يمكنك زراعته بدل شرائه من السوق. وبفضل الله كانت هناك أمطار، وكان الحصاد جيداً جداً من قبل. ثم فجأة، جاء الجفاف".
كيف بدا الأمر؟ قالت: "كان مشهد الأرض يصيبنا بالحزن. أصبحت الأرض مثل الصحراء، مثل الملح". كل شيء أصبح أصفر.
هل فعلت حكومة الأسد أي شيء للمساعدة؟ قالت: "لم يفعلوا أي شيء. طلبنا المساعدة، لكنهم لم يهتموا. لم يهتموا بهذا الأمر. أبداً أبداً. كان علينا أن نحل مشاكلنا بأنفسنا".
وإذن، ماذا فعلتم؟ قالت: "عندما حل الجفاف، استطعنا معالجته لسنتين، ثم قلنا: هذا يكفي! وقررنا أن ننتقل إلى المدينة. حصلت أنا على عمل حكومي كممرضة، وفتح زوجي بقالة. كان الوضع صعباً. وقد ترك معظم الناس القرية وذهبوا إلى المدينة للعثور على عمل، أي شيء لكسب العيش أو الأكل". وكان الجفاف صعباً بشكل خاص على الشباب الذين أرادوا الدراسة أو الزواج، لكنهم لم يعودوا يستطيعون تدبر كلفة أيّ منهما، كما قالت. أصبحت العائلات تزوج الفتيات في سن أبكر لأنها لا تستطيع إعالتهن.
فاتن، المرأة المحافِظة التي تغطي رأسها بمنديل، قالت إن الجفاف وافتقار الحكومة الكلي لأي رد فعل، دفعا بها إلى التطرف. وهكذا، عندما اشتعلت الجذوة الأولى للاحتجاج الثوري في بلدة درعا الصغيرة الجنوبية في آذار (مارس) 2011، لم تتأخر فاتن والآخرون من لاجئي الجفاف في الانخراط. وتقول: "منذ صرخة "الله أكبر" الأولى، انضممنا كلنا إلى الثورة على الفور". هل كان هذا يتعلق بالجفاف؟ تقول: "بالطبع، كان الجفاف والبطالة أسباباً مهمة في دفع الناس باتجاه الثورة".
كان زكريا ما يزال فتى مراهقاً في محافظة الحسكة المجاورة عندما ضرب الجفاف، وهو يتذكر الطريقة التي غيّر بها أحوال المزارعين الفخورين، الأسياد في قطع أراضيهم الصغيرة، إلى عمال يوميين مهانين، يعملون بأجور بخسة في المدن "فقط لتحصيل بعض النقود للأكل". كان الشيء الذي يقول الكثير بالنسبة للكثيرين، كما قال زكريا، هو أنك إذا أردت عملاً حكومياً ثابتاً، فإن عليك أن ترشو بيروقراطياً أو أن تكون على معرفة بأحد يعمل في جهاز مخابرات الدولة.
كانت أفضل الوظائف في محافظة الحسكة، منطقة إنتاج النفط في سورية، هي تلك التي تتصل بشركات النفط. لكن لاجئي الجفاف الذين كانوا جميعاً سنيين في الواقع، لم يستطيعوا حتى أن يحلموا باستخدامهم هناك. ويقول زكريا: "معظم هذه الوظائف ذهبت إلى العلويين من طرطوس واللاذقية"، مشيراً إلى طائفة الأقلية التي ينتمي إليها الرئيس الأسد والتي تتركز في هاتين المدينتين الساحليتين. "وقد جعل ذلك الناس يغضبون أكثر. إن أفضل الوظائف في أرضنا ومحافظتنا لم تكن لنا، وإنما لأناس قادمين من الخارج".
فقط في صيف العام 2011، بعد الانتفاضات في تونس ومصر، شرعت حكومة الأسد في القلق بشأن لاجئي الجفاف، كما يقول زكريا، لأنه في آذار (مارس) 2011 -قبل بضعة أيام من بدء الانتفاضة السورية في درعا- زار الأسد الحسكة، في حادثة نادرة. ويتذكر زكريا: "وهكذا، كتبت على صفحتي في فيسبوك، "دعوه يرى كيف يعيش الناس"، وقال أصدقائي إن علي حذف ذلك على الفور، لأنه كان خطراً عليّ. ولم أفعل. إنهم لا يهتمون بكيف يعيش الناس".
أبو خالد، 48 عاماً، هو واحد من الذين لم يحتجوا. وهو مزارع قطن قديم تحول إلى مهرب من أجل الوفاء بحاجات أبنائه الستة عشر بعد أن دمر الجفاف مزرعتهم، وهو الآن قائد في الجيش السوري الحر في منطقة تل الأبيض. وقد التقينا عند نقطة تفتيش مدمرة للجيش السوري. وبعد أن أن عرّفنا وسيطنا السوري بعضنا بعضاً، قدمني أبو خالد صاحب البنية التي تشبه مصارعاً صغيراً مدكوكاً، إلى وحدته القتالية. ولم يعرفهم بالرتبة، وإنما بقرابة الدم، مشيراً إلى كل مسلح حوله وهو يقول: "ابن اختي، ابن عمي، أخي، ابن أخي، ابن عمتي، ابني، ابن خالي...".
وكثيراً ما تكون وحدات الجيش السوري الحر شأناً عائلياً. ولا يشكل ذلك مفاجأة في بلد أرادت حكومته طوال عقود أن لا يثق فيه أحد بأحد.
يقول أبو خليل: "استطعنا القبول بالجفاف لأنه كان من الله. لكننا لم نستطع القبول بأن لا تفعل الحكومة أي شيء". وقبل أن نغادر، أخذني إلى جانب ليُسِرّ لي أن كل ما يحتاج إليه رجاله هو الأسلحة المضادة للدبابات والطائرات، وسيستطيعون عندها إنهاء أمر الأسد. وسأل: "ألا يستطيع أوباما أن يدع المافيا ترسلها لنا فقط. لا تقلقوا، لن نستخدمها ضد إسرائيل".
كجزء من الفيلم الذي كنا نعده، كنا نتتبع امرأة سورية هي ناشطة سياسية، فرح ناصيف، خريجة جامعة دمشقية وعمرها 27 عاماً من دير الزور، والتي كان الجفاف قد اجتاح مزرعة عائلتها. وتجسد ناصيف نمط الشباب العلمانيين ذوي الصلات المتمدنين حديثاً، والذين شكلوا رأس الحربة في الانتفاضات من أجل الديمقراطية هنا وفي مصر واليمن وتونس. ويشترك هؤلاء جميعاً في شيئين: أنهم لم يعودوا يخشون الحكومات أو آباءهم، وأنهم يريدون العيش كمواطنين، بحقوق متساوية -ليس كطوائف متماثلة المخاوف. وإذا كان لهذا الجيل الجديد شعار، كما لاحظ الاقتصادي السوري عيطة، فإنه سيكون حتماً نفس الذي استخدمه السوريون في حربهم للاستقلال عن فرنسا في العام 1925: "الدين لله، والوطن للجميع."
لكن ناصيف تجد نفسها ممزقة الآن. إنها تريد ذهاب الأسد وإطلاق سراح جميع السجناء السياسيين، لكنها تعرف أن المزيد من الحرب "سوف يدمر ما تبقى من البلد". ويخبرها حدسها بأنه حتى لو ذهب الأسد، فإنه ليس هناك اتفاق على من هو الذي يجب أن يخلفه. ولذلك تقلقها كل الخيارات –المزيد من الحرب، وقف إطلاق النار، الحاضر والمستقبل. هذا هو مكمن ألم سورية اليوم –وهو السبب في أنك كلما اقتربت أكثر، أصبحت أقل يقيناً إزاء كيفية معالجة الوضع هناك.


*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Without Water, Revolution

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حصرتم المشكلة بالجفاف (ferial. kh .katbi)

    الأحد 26 أيار / مايو 2013.
    عندما ضرب الجفاف المنطقة ,كانت كل المساعدات توجة الى محافظات الشرقية ,,هل ثورة حوران من الجفاف ؟؟حوران كانت المنطقة ,الأكثر تطورا زراعيا ,انتشرت ملايين اشجار الزيتون والكرمة ,اضا فة للخضار ,,ما حدث مؤامرة ضد سورية .لأنها تدعم المقاومة والأمر اصبح معروف,, هل دوما وضيع الغوطة تعاني الجفاف ؟؟
  • »أٍسباب أخرى للثورة (المحامي غزوان قرنفل)

    الأحد 26 أيار / مايو 2013.
    الحقيقة المقال جميل جدا من حيث كونه يمثل اضاءة على جوانب أخرى للثورة السورية ربما كانت متبدية مظاهرها أمامنا لكن بعضنا لم يكن يتلمسها فعلا