مصر وصندوق النقد الدولي: السير على حبل مشدود

تم نشره في الاثنين 6 أيار / مايو 2013. 03:00 صباحاً

جيمس ماكسويل (ثينك أفريكا برس)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
في كانون الثاني (يناير) 1977، كانت سلسلة من الاضطرابات قد اندلعت في مختلف أنحاء مصر رداً على قرار من الرئيس أنور السادات في ذلك الحين بإلغاء الدعم الحكومي المقدم للخبز ومواد غذائية أساسية أخرى. وقد استمرت أعمال الشغب ليومين فقط، لكن ما يقرب من 80 شخصاً قتلوا وأصيب المئات خلال ذلك الوقت القصير في اشتباكات بين المواطنين والشرطة وقوات الأمن.
وفي تلك المناسبة، كان السادات، الملتزم مسبقاً بسياسة التحرير الاقتصادي، يتصرف تحت ضغط من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اللذين كانت مصر قد تلقت منهما قروضاً كبيرة لتوها، للمساعدة في التعامل مع أزمة الديون المتفاقمة فيها. واليوم، بعد مرور 36 عاماً، تبدو الشروط وأنها تختمر مرة أخرى لوقوع مواجهة مماثلة في مصر.
سوء الاقتصاد المنهجي
 في عهد مبارك
منذ الإطاحة بخليفة السادات، حسني مبارك، في العام 2011، ذهبت حالة الاقتصاد المصري إلى مزيد من السوء بشكل مطرد وثابت. ويقف معدل البطالة الرسمي حتى الآن عند 13 %، ويراوح التضخم حول نسبة 8.3 %. وارتفع عدد الأسر المصرية التي تعيش تحت خط الفقر خلال السنوات الأربع الماضية من 21.6 % إلى 25.2 %. كما تعاني المالية العامة في مصر من الضعف بدورها أيضاً. فقد تراجعت احتياطات العملة الأجنبية من مستوى ما قبل الثورة الآمن نسبياً والبالغ 36 مليار دولار، إلى مستوى منخفض بشكل خطير بلغ 13.6 مليار دولار، وبلغ العجز الوطني ما نسبته 8 % من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفعت قيمة العجز التجاري لتصل إلى أكثر من 2.5 مليار دولار.
التفاوض على التعافي
في ظل هذه الظروف الضاغطة، اضطرت الحكومة المصرية الجديدة برئاسة محمد مرسي من جماعة الإخوان المسلمين إلى الدخول في مفاوضات من مع صندوق النقد الدولي أجل الإنقاذ. وفي آذار (مارس)، سافر وفد من صندوق النقد الدولي إلى القاهرة، وعرض منح مصر دفعة من قرض أوليّ بقيمة 4.8 مليار دولار. ثم انعقدت محادثات أخرى في القاهرة في شهر نيسان (أبريل)، لكنها اختتمت بدون التوصل الى اتفاق. وسوف تُعقد الجولة المقبلة من المناقشات في العاصمة الأميركية، واشنطن.
مطالب صندوق النقد الدولي
في حال قبلت الحكومة المصرية اقتراض الأموال في نهاية المطاف، فإنه لا بد لها أن توافق على عدد من مطالب صندوق النقد الدولي؛ بما في ذلك زيادة الضرائب، وخصخصة الأصول العامة، والحد من الهدر والفساد في القطاع العام، والأكثر حسماً: إلغاء الدعم عن المواد الغذائية والوقود، والذي يقدر البعض قيمته بأنها تعادل خُمس كامل نفقات الدولة.
ويبقى هذا الطلب الأخير محلاً للجدل بشكل خاص، لا سيما بالنظر إلى أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت في الأشهر الأخيرة نتيجة لنقص الوقود لفترات طويلة، والذي جاء في حد ذاته نتيجة لتفاقم أزمة احتياطات العملة (هناك حاجة كبيرة لاحتياطات العملة من أجل استيراد النفط والغاز). وقد تسبب نقص الوقود المتاح مسبقاً في زيادة تكاليف النقل وأجبر القطاع الزراعي في مصر على خفض إنتاجه من القمح، مما يجعل من الأصعب على المصريين العاديين الوصول إلى الموارد اللازمة. ثم تفاقمت هذه الصعوبات في شهر آذار (مارس) عندما رفعت الحكومة سعر غاز الطبخ المنزلي المدعوم -للمرة الأولى منذ 20 عاماً- لتكون هذه وسيلة، كما يُفترض، للتأشير على استعدادها للتعاون مع وفد صندوق النقد الدولي القادم.
مأزق مصر
يتوفر للحكومة المصرية إجراء صعب التنفيذ لتحقيق التوازن السياسي. فمن جهة، تواجه الحكومة ضغطاً متزايداً لإنقاذ الاقتصاد من الركود المقيم منذ فترة طويلة. وسوف يتطلب ذلك، في الحد الأدنى، برنامجاً مستهدفاً للنفقات الرأسمالية، وهو أمر ربما يمكن لقرض من صندوق النقد الدولي أن يساعد في تسهيله. ومن جهة أخرى، وفيما تلوح الانتخابات البرلمانية في الأفق وتتكاثف الانقسامات السياسية بين الفرقاء، سوف يكون مرسي وفريقه مترددين في أمر إعادة تجريد الناس من الإعانات التي تشكل مصدراً قيّماً للدعم المالي بالنسبة للملايين من الناخبين. وسوف تُقابل أي محاولات للقيام بذلك بالمعارضة القوية وجيدة التنظيم على مستوى الشارع.
ثم هناك المعارضة في داخل حركة مرسي نفسها كذلك. فبينما يقال إن مرسي متعاطف شخصياً مع فكرة الإصلاح الاقتصادي الهيكلي، بما في ذلك خفض الدعم الحكومي أو إلغاؤه، فإن الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، حزب الحرية والعدالة، يظل أكثر تحفظاً، مفضلاً بدلاً على ذلك تأجيل الإصلاحات إلى ما بعد انتهاء موسم الانتخابات الحالي، أو بعد ذلك. ويعكس هذا الانقسام الجدل المستمر الذي ما يزال جارياً في موضوع سياسة ما بعد الثورة في مصر، حول ما إذا كان يجب المضي قدماً في سياسات التحرير الاقتصادي لعهد مبارك أو التوقف عن متابعتها.
قطر، وليبيا...
ربما تكون مصر قادرة على تجنب الاستسلام لمطالب صندوق النقد الدولي في الوقت الراهن. فبالإضافة إلى قرض بدون فوائد بقيمة ملياري دولار والذي قدمته ليبيا، عرضت إمارة قطر الخليجية فائقة الثراء شراء ما تبلغ قيمة 3 مليارات دولار من السندات المصرية -وهو ما يأتي في أعقاب تحويل سابق لما يقرب من 5 مليارات دولار من المساعدات التي قدمتها قطر للقاهرة.
لكنه لا يمكن توقُّع أن تتابع الدول العربية المجاورة دعم الخزينة المصرية لأجل غير مسمى -ولا تستطيع معظمها، بما في ذلك ليبيا، تحمل مؤونة ذلك- حتى لو كان سحب الأموال سيتسبب في تجدد الاضطرابات وعدم الاستقرار في المنطقة. وعاجلا أو آجلا، سوف تقرر الحكومة المصرية ما إذا كانت ستختار إصلاح نظام الدعم ومواجهة العواقب السياسية القابلة للانفجار، أو أنها سترفض نقود إنقاذ صندوق النقد الدولي، وتخاطر بخلق حالة من الإفلاس الوطني. وهما خياران لا يَعِدُ أي منهما بأن يكون أقل من خيار بالغ الإيلام.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
Egypt: Walking The IMF Tight Rope

التعليق