عن العنف والإبداع

تم نشره في الاثنين 29 نيسان / أبريل 2013. 03:00 صباحاً

سامي محروم*
أبو ظبي- في الفيلم البريطاني "الرجل الثالث" الذي عُرِض في العام 1949، يقول هاري لايم (أحد شخصيات الفيلم) إن إيطاليا كانت تعاني أثناء حكم أسرة بورجيا لها في عصر النهضة، من "الحرب، والإرهاب، والقتل، وسفك الدماء"، ولكنها أنتجت مايكل أنجلو، وليناردو دا فينشي، والنهضة". لكن نفس الشخص يذكر في المقابل أن خمسمائة عام من الديمقراطية والسلام في سويسرا لم تنتج أكثر من ساعة كوكو.
لا شك أن التلميح إلى أن الابتكار لا يتعزز إلا من خلال النزاعات هو بالضرورة تلميح خاطئ -فسويسرا هي دولة رائدة في الإبداع على مستوى العالم في واقع الأمر- لكن لايم يسوق حجة بالغة الأهمية. ففي حين يُنظَر إلى أمور مثل السلام والنظام والاستقرار السياسي على نطاق واسع باعتبارها متطلبات أساسية للإبداع، وروح المبادرة والريادة، والتنمية الاقتصادية، فإن هذه القاعدة لها العديد من الاستثناءات -وخاصة عندما يتعلق الأمر بالإبداع والابتكار.
تحتل الولايات المتحدة دائماً مرتبة متقدمة بين أكثر عشر دول إبداعاً وابتكاراً على مستوى العالم، بما في ذلك تصنيفها في مؤشر الإبداع العالمي التابع للمعهد الأوروبي لإدارة الأعمال (INSEAD). لكن الولايات المتحدة تأتي، على مؤشر السلام العالمي، في المرتبة 88 بين 153 دولة. وعلى نحو مماثل، تحتل المملكة المتحدة وهولندا المرتبتين الخامسة والسادسة على التوالي على مؤشر الإبداع، لكنهما تأتيان في المرتبة الثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين على مؤشر السلام. وفي المقابل، فإن دولة مثل مملكة بوتان تأتي بين العشرين دولة الأكثر سلمية على مستوى العالم، ولكنها لا تلحق حتى بذيل مؤشرات الإبداع.
لا شك أن الجريمة والإرهاب والصراع وعدم الاستقرار السياسي كلها عوامل قاسية بما يكفي لإحداث انهيار شامل للقانون والنظام، ولإعاقة الإبداع والابتكار. ولكن بعض الدول تُظهِر قدراً كبيراً من المرونة في مواجهة العنف والاضطرابات. فعلى الرغم من انتشار الجرائم العنيفة على نطاق واسع في المكسيك وجنوب أفريقيا على سبيل  المثال، فإن مثل هذه الدول تتمتع بمستويات عالية من الإبداع (قياساً على عدد براءات الاختراع وتسجيل العلامات التجارية). وعندما نضع في الحسبان مؤشرات الإرهاب، فإن دولاً مثل لبنان، وتركيا، والأردن، وإسرائيل تبرز بوصفها من الدول المبدعة المرنة في مواجهة العراقيل. وهكذا، وتماماً كما لا يؤدي السلام والاستقرار دائماً إلى الإبداع والابتكار، فإن الاقتتال وعدم اليقين لا يكبحانهما بالضرورة.
رغم أن السلام، والاستقرار السياسي، والنظام المدني تظل كلها من العناصر المهمة في اختيار المواقع لعمليات الإنتاج أو الخدمات الأجنبية واسعة النطاق، فإن أهميتها تتضاءل كثيراً عندما يتعلق الأمر باستقدام الإبداع وإقامة الاستثمارات المرتبطة به. وبشكل خاص، تميل الصناعات الإبداعية، مثل الرسوم المتحركة، والفنون، والتصميم، والبرمجيات -والتي تقوم في الغالب على مهارات ومواهب فردية- إلى التحلي بقدر أعظم من المرونة في مواجهة الصراعات وغيرها.
ومن هنا، فإنه لا ينبغي للمسؤولين الرسميين، والمستثمرين، وكبار رجال الأعمال الباحثين عن الأفكار الثورية والحلول المتطورة والمواهب غير المستغلة، لا ينبغي لهم أن يسمحوا لعوامل تفاقم الاضطرابات في بعض المجتمعات، أو سيادة السكينة والسلام في أماكن أخرى، بأن تؤثر على قراراتهم أكثر مما يجب. والواقع أن خروج المرء من منطقة الارتياح والرفاهية قد يفضي إلى فوائد كبيرة.
تشير بعض الأدلة إلى أن انتشار عدم اليقين والشكوك قد يعزز المنافسة، وبحيث يشعل بالتالي شرارة الإبداع والابتكار. وعلاوة على ذلك، فإن البيئات الاجتماعية التي تتسم بمستويات أدنى من التوافق ومستويات أعلى من العنف قد تكون أكثر ميلاً إلى تحفيز نوع راديكالي من الإبداع.
الواقع أن تجربة لبنان تدعم هذا التقييم. فعلى الرغم من تاريخه الطويل من العنف السياسي، ما تزال صناعته الإبداعية تتوسع. ووفقاً لدراسة أجريت في العام 2007 على الصناعات القائمة على حقوق التأليف والطباعة والنشر بواسطة المنظمة العالمية للملكية الفكرية، فإن التحديات الرئيسية التي تواجه قطاع البرمجيات في البلاد -والذي يشكل جزءاً مهماً من اقتصادها- تشمل الأسواق المقيدة، والمنافسة الشديدة، وهجرة العقول (خسارة رأس المال البشري)، وعدم كفاية السياسات الداعمة للتكنولوجيا، والافتقار إلى الحوافز التي يفترض أن تقدمها الحكومة، وتفشّي القرصنة. أما العنف فإنه يغيب بوضوح من القائمة.
لا شك أن العنف يظل مشكلة في كل الأحوال. ولكن الدول مثل لبنان أصبحت قادرة على مقاومة التأثيرات المترتبة عليه؛على سبيل المثال، من خلال تنمية صناعات إبداعية. الأمر الذي يؤدي إلى تضاؤل تأثيره السلبي على التنمية الاقتصادية، والاجتماعية، والفكرية. في العام 2005، كان 10 % من كل الشركات الجديدة في لبنان تعمل في القطاع الإبداعي، وساهمت الصناعات القائمة على حقوق التأليف والطباعة والنشر بنحو 4.75 % من الناتج المحلي الإجمالي.
وعلى نحو مماثل، وبرغم المستويات المرتفعة من العنف السياسي، فإن نيجيريا تنتج أكثر من 1000 فيلم سنوياً. بل إن صناعة السينما النيجيرية تحتل المركز الثالث من حيث الحجم، بعد الولايات المتحدة والهند، وتأتي في المرتبة الثانية فقط بعد إنتاج النفط من حيث أهميتها الاقتصادية للبلاد.
ووفقاً لتقرير الأمم المتحدة للعام 2010 بشأن الاقتصاد الإبداعي، فإن التجارة العالمية في السلع الإبداعية سجلت نمواً سنوياً بمعدل
14 % من العام 2002 إلى العام 2008. ومن ناحية أخرى، فإن الصادرات من هذه السلع من الدول النامية، التي تميل إلى المعاناة من قدر أعظم من العنف، سجلت نمواً بمعدل 13.5 %، لتصل إلى 176 مليار دولار أميركي (43 % من إجمالي التجارة العالمية في الصناعات الإبداعية) في العام 2008. ورغم أن إجمالي التجارة العالمية تراجع بنسبة تتجاوز 12 % في ذلك العام، فإن التجارة في السلع والخدمات الإبداعية استمرت في التوسع. وينطوي ذلك على دلالات بالغة الأهمية بالنسبة لزعماء السياسة وكبار رجال الأعمال -وخاصة في المناطق المضطربة مثل الشرق الأوسط.
من أجل تعزيز النمو الاقتصادي والإبداع وسط الصراع والاضطرابات، يتعين على صانعي السياسات والمستثمرين أن يركزوا على بناء الصناعات الإبداعية. إذ يشكل القدر الذي توفره هذه الصناعات من المرونة والقدرة على التكيف أهمية بالغة في دعم النمو الاقتصادي الطويل الأمد وخلق فرص العمل -بصرف النظر عما قد يأتي به المستقبل.


*المدير الأكاديمي للإبداع والسياسة في المعهد الأوروبي لإدارة الأعمال (INSEAD).
خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع خدمة "بروجيكت سنديكيت،" 2013.

التعليق