مارغريت تاتشر: الرأسمالية صعبة المراس

تم نشره في الاثنين 15 نيسان / أبريل 2013. 02:00 صباحاً
  • رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارغريت تاتشر - (أرشيفية)

فولفغانغ كادن  (ديرشبيغل) 9/4/2013
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
دفعت سياسات مارغريت تاتشر الاقتصادية بالناس إلى الشوارع احتجاجاً. وخلقت لها رأسماليتها الصلبة ومعركتها التي لا ترحم ضد النقابات أعداءً ألِدّاء. ومع ذلك، ما يزال يُنظر إليها اليوم كواحدة من أهم الإصلاحيين لفترة ما بعد الحرب.
فهل ينبغي لنا أن نعجب بها؟ منذ بداية فترة ولايتها في منصبها في العام 1979 وحتى مغادرتها قليلة البريق في العام 1990، تراوحت أحكامنا عليها بين الاحترام العميق والإدانة. فمن جهة، كان لديها التصميم والقوة للدفاع عن المملكة المتحدة ومنعها من الانزلاق في غياهب النسيان الاقتصادي. ومن جهة أخرى، طبقت نموذجاً لا يرحم من الرأسمالية التي كنا نعتبرها منذ وقت طويل هنا في ألمانيا، مع نظامنا للسوق الاجتماعي، شيئاً من الماضي. وبسياساتها المناهضة لأوروبا، بدت أيضا وأنها أقرب إلى نتاج للنصف الأول من القرن العشرين أكثر مما هي نتاج للنصف الثاني التي حكمت فيه.
كنت قد التقيت مارغريت تاتشر مرة واحدة فقط. ففي العام 1993، حصلت مجلة دير شبيغل على حق طباعة مقتطفات من مذكراتها مقدماً، وتضمن العقد المُكلف حق المجلة في إجراء مقابلة مع المؤلفة. وكانت تلك واحدة من أكثر المقابلات التي أجريتها لصالح شبيغل صعوبة وتحدياً على الإطلاق. لم تكن هناك سوى تحية قصيرة، ولا شيء من الحديث الصغير الذي عادة ما يصاحب المقابلات. وقد طرحنا عليها أسئلة حساسة، لكنها لم تكن عدوانية بأي شكل مع ذلك. لكنه بدا لي أن السيدة تاتشر لمست نوعاً من العداء وراء أسئلتنا، فاستجابت بتقديم إجابات قاسية ومعادية بشكل صريح في بعض الأحيان. وكان وداعها جافاً ومقتضباً كما كان حال استقبالها.
بلد في وضع كارثي
لقد واجهنا امرأة صنعت التاريخ، حتى لو أن نطاق نفوذها الهائل لم يكن واضحاً تماماً في ذلك الوقت. وقد تولت تاتشر رئاسة بلدها في وقت يختبر فيه البلد حالة كارثية. كانت بريطانيا ما بعد الحرب قد أصبحت مختبراً تجريبياً لمزيج من الاشتراكية والرأسمالية. فقد تم تأميم أجزاء واسعة من البلاد، بما في ذلك النظام الصحي، وصناعة الصلب، وتعدين الفحم، وأجزاء من قطاع التجزئة والفنادق، وحتى وكالات السفر. وأصبحت بريطانيا مرادفاً لدولة الرفاه الكاملة، مع توفر الرعاية الشاملة للمواطنين. وانطبق ذلك بشكل خاص على النقابات، التي بدت وأنها تتمتع بسلطة جامحة.
كان ذلك نظاماً خنق المبادرة الذاتية. وأصبحت البلاد أقل قدرة على المنافسة على نحو متزايد؛ وانخفضت صناعتها إلى درجة لعبت معها بالكاد دوراً في التجارة العالمية، وكان الجنيه الاسترليني يعيش في حالة سقوط حرّ. ولم تكن لأي من ساسة بريطانيا القوة لإدخال إصلاحات جذرية. وبقي الحال كذلك، حتى أصبحت تاتشر زعيمة لحزب المحافظين، ثم ارتقت لتصبح رئيساً للوزراء في العام 1979.
لم تكن تاتشر مثقفة مفكرة. كانت سياسية مباشِرة بطريقة متطرفة. لكنها كانت لديها خطة. كانت ابنة البقال من غرانثام في لينكولنشاير مدفوعة تتحرك بروح الكالفينية التي تروج تعاليمها لفكرة نجاح الاقتصاد والسوق الحرة، بوصفها السبيل إلى النجاة. كانت مبادئها التي سجلت في التاريخ بمسمى "التاتشرية"، بسيطة جداً، لكنها جذابة أيضاً: خصخصة الشركات المملوكة للدولة؛ والحد من قوة النقابات بشكل جذري؛ ووضع حد للتضخم المزمن؛ ووقف الضرائب بطريقة المصادرة. كان على السوق الحرة أن تعود إلى المملكة المتحدة، وكان يتوجب القضاء على النسخة البريطانية من الاشتراكية. وبالنسبة لدولة رفاهية مثل بريطانيا، كان ذلك مفهوماً ثورياً حقاً.
زعيمة مغامرة.. لا تعرف الخوف
كان ذلك التوجه أيضاً مخاطرة تستحق ثناء خاصاً لدى النظر إليها من منظور اليوم، سواء في ألمانيا أو في الأماكن الأخرى، حيث كانت قرارات الحكومة مدفوعة إلى حد كبير باستطلاعات الرأي العام. لقد أرادت تاتشر أن تقود وتتولى الريادة. أرادت تطبيق أفكارها عن الاقتصاد والمجتمع -وتجشمت مخاطرة التصويت ضدها وإخراجها من المنصب بعد ولاية واحدة فقط. وفي النهاية، أثمرت شجاعتها وكسبت عمليتين انتخابيتين إضافيتين لمجلس العموم.
كانت أصعب معاركها، من دون شك، هي تلك التي خاضتها ضد العمل المنظم. وقد استطاعت النجاة من إضراب استمر لمدة عام قام به عمال المناجم الذين انتفضوا لمحاربة إغلاق مناجم الفحم وخصخصة هذه الصناعة. وقد شل ذلك الإضراب أجزاء كبيرة من الصناعة البريطانية، لكن رئيسة الوزراء رفضت أن يحرف أي شيء خططها عن المسار. وفي نهاية المطاف، أفلس الاتحاد الوطني لعمال المناجم من المال وانكسرت المقاومة. وبعدئذ، وضعت تاتشر كل جهودها في سبيل الحد من قوة النقابات. وقبل كل شيء، عملت على التأكد من إلغاء ما يسمى "قاعدة المحل المغلق"، التي كانت قد جعلت العضوية في إحدى نقابات العمال في العديد من الشركات إلزامية.
ربما كانت الحملة الشرسة ضد النقابات مسألة بريطانية بحتة، لكن خصخصة تاتشر المستمرة التي لا تلين أفضت إلى إعادة تفكير عام في السياسة الاقتصادية، والتي امتدت نطاقها أبعد كثيراً من حدود بريطانيا. كانت الفكرة القائلة بأن الخدمة البريدية، وشبكة الاتصالات السلكية واللاسلكية، وشركات الطيران أو السكك الحديدية يجب أن تكون في يد الحكومة، سائدة بلا منازع تقريباً في أوروبا وخارجها قبل انتخاب تاتشر. وقد اقتصرت الدعوات إلى وضع حد لاحتكارات الدولة هذه على أساتذة اقتصاد قليلين من دعاة سياسات عدم التدخل، مثل ميلتون فريدمان في الولايات المتحدة.
لكن تاتشر خالفت هذا التفكير السائد، ومضت بدلاً من ذلك في خصخصة مؤسسات الحكومة واحدة تلو الأخرى: شركة الخطوط الجوية البريطانية؛ السكك الحديدية البريطانية؛ البريد الملكي؛ وشبكة الهاتف -وتم بيع كل شيء لمستثمرين من القطاع الخاص. ولم تكن كل هذه الجهود ناجحة دائماً، أيضاً. فقد أصبحت مسارات شبكة القطار في بريطانيا مهملة بحيث إنهم اضطروا إلى إعادة وضعها مرة أخرى تحت سيطرة الدولة.
غلطة تاتشر الكبيرة
ثمة مبادرة أخرى من مبادرات تاتشر، والتي كان لها تأثير دولي، هي ما سُميت "الانفجار الكبير" للعام 1986: تحرير الأسواق المالية. وكان أن الحكومات في العديد من البلدان الأوروبية، وكذلك في الولايات المتحدة، اتبعت المثال البريطاني ورفعت قيود الدولة واحداً تلو الآخر على المعاملات والتحويلات المالية التي تقوم بها البنوك. ومنذ انهيار بنك ليمان براذرز في العام 2008، كان "الانفجار الكبير" واحداً من أكثر موروثاتها إثارة للجدل.
بشكل كامل وجذري، حولت تاتشر بريطانيا من بلد نصف اشتراكي إلى واحد من أكثر اقتصادات العالم ليبرالية. وهو إنجاز لم يسع أي من خلفائها، حتى من حزب العمل اليساري، إلى تفكيكه. وفي الواقع، كانت الدرجة التي حافظ بها توني بلير على سياسات السيدة الحديدية ملحوظة بشكل لا يصدق. كما أنه وجد الإلهام جزئياً أيضاً في سياسات الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، الذي كان قد بدأ بالفعل توجيه نفسه نحو اقتصاد السوق في نهاية عقد الستينيات.
ولم يكن سجل تاتشر الاقتصادي خالياً من العيوب. فقد فشلت، على سبيل المثال، في الإبقاء على معدلات التضخم منخفضة. وعندما غادرت منصبها، كان معدل التضخم قد ارتفع إلى 11 %. وتواجه الحكومات في جميع أنحاء العالم الآن مهمة شاقة وهي تحاول إعادة فرض اللوائح والأنظمة على القطاع المالي. كما فشلت تاتشر أيضاً في تحقيق نهضة في قطاع الصناعات التحويلية في بريطانيا، وهو يلعب اليوم دوراً متواضعاً جداً في الاقتصاد العالمي. وتنبع الأهمية الاقتصادية الدولية للبلاد بشكل كامل من صناعتها المالية.
خلال مقابلتها مع ديرشبيغل في العام 1993، قالت لنا تاتشر وهي تشير بسبابتها:"سوف تواجه ألمانيا بعض المشاكل مع الصناعة في المستقبل"، وأضافت أن الألمان لم يعيدوا هيكلة صناعاتهم بالقدر الذي فعلته بريطانيا. لكن الصناعة الألمانية أجرت الإصلاحات الضرورية منذ سنوات، وتركت الاقتصاد البريطاني متخلفاً وراءها كثيراً.
ومع ذلك، تبقى إنجازات تاتشر مثيرة للإعجاب حقاً. وهناك عدد قليل من ساسة ما بعد الحرب الذين استطاعوا تطبيق أفكارهم بنفس ذلك الإصرار وظلوا أوفياء لمبادئهم. وتقف إنجازات مارغريت تاتشر في زمن السلم على قدم المساواة مع ما حققه ونستون تشرشل خلال زمن الحرب. لقد غيرت تاتشر بلدها، كما غيرت وجه العالم.


*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Tough Capitalist: For Better or Worse, Thatcher Changed World

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أسس النجاح الحديدي (هايدي)

    الأربعاء 17 نيسان / أبريل 2013.
    شيء طبيعي أن تبصمد سياسات السيدة تاتتشر الرأسمالية رغم كل آثارها الاجتماعية السلبية فهي تدعم طموح و شراهة الرأسماليين في الاستئثار بالحصة الأكبر من مالية المشروعات و ما تجنيه من أرباح طائلة , فأعتقد صلابتها و قوتها الحديدية مستمدة من قناعتها بأفكارها أولا و صلابة القاعدة المرتكزة عليها المؤيدة لها ثانيا