آسيا والشرق الأوسط في مرحلة ما بعد أميركا

تم نشره في الاثنين 8 نيسان / أبريل 2013. 03:00 صباحاً
  • جنود أميركيون ينسحبون من أفغانستان - (أرشيفية)

يوريكو كويكي*

الكويت- عندما يتم تقييم العواقب التي ترتبت على غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة قبل عشر سنوات بشكل كامل، فإن أهمية ما تلا ذلك الغزو من صعود الإسلام السياسي هناك -وفي مختلف أنحاء الشرق الأوسط- قد تبدو ضئيلة للغاية مقارنة بالتحول الجغرافي الاستراتيجي الذي لم يكن لأحد أن يتوقعه آنذاك. لكن ذلك التحول أصبح الآن مرئيا. ومع اقتراب أميركا من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة، فإن انفصال الولايات المتحدة استراتيجياً عن المنطقة قد يصبح حقيقة واقعة.
لقد شهد الشرق الأوسط بطبيعة الحال انسحاب قوة عظمى، أو قوى عظمى، مرات عديدة من قبل: تفكك الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى؛ وتنازع ولايات الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية بعد الحرب العالمية الثانية؛ وأخيراً، الاختفاء شبه الكامل للنفوذ الروسي في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي في العام 1991. وفي كل مرة، سرعان ما حدثت تغيرات هائلة في سياسية المنطقة، وخاصة تحالفاتها. ولكن، إذا كانت أميركا تحاول غسل يديها من الشرق الأوسط في السنوات المقبلة، فهل يؤدي هذا إلى انقطاع حتمي مماثل؟
رغم أن العديد من المراقبين يعتقدون بأن التحالف الأميركي الإسرائيلي يشكل الأساس للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، فإن اعتماد الولايات المتحدة على النفط المستورد هو الذي دفعها إلى تأسيس تواجد عسكري مهيمن في المنطقة بعد العام 1945. والواقع أن الولايات المتحدة، قبل حرب الأيام الستة في حزيران (يونيو) 1967، لم تكن المورّد الرئيسي للمعدات العسكرية إلى إسرائيل. وكان الغرض من التواجد العسكري الأميركي في المقام الأول هو الحفاظ على الوضع الراهن في العالم العربي، وبالتالي حماية تدفق الطاقة من الخليج الفارسي لصالح الولايات المتحدة وحلفائها، والاقتصاد العالمي بالكامل.
بطبيعة الحال، لا ينبغي لأحد أن يتخيل أن ثورة الغاز الصخري في الولايات المتحدة (والتي جعلتها قاب قوسين أو أدنى من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة) تعني أن أسطولها الخامس المتمركز في البحرين قد يرفع مراسيه في أي وقت قريب. لكن الأساس المنطقي لالتزام أميركا بإدامة القوة العسكرية في المنطقة يتغير بسرعة؛ وعندما يحدث ذلك -كما حدث في أوروبا على سبيل المثال منذ نهاية الحرب الباردة- فإن توزيع الأصول العسكرية سيميل إلى التغير أيضا.
يكاد يكون من المؤكد أن ينعكس هذا التغيير على علاقات أميركا مع حلفائها وشركائها العرب. فكما زعم رجل الدولة والأكاديمي الأميركي جوزيف ناي: "لعقود من الزمان، كان بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية نوع من التوازن غير المتناسق، حيث كنا نعتمد عليها بوصفها المنتج الأكبر للنفط، بينما يتعتمد السعوديون علينا في تحقيق الأمن العسكري المطلق". ونظراً لإمدادات الطاقة المحلية المتنامية في الولايات المتحدة، يزعم جوزيف ناي أن هذه الصفقات "سوف تُعقَد في المستقبل وفقاً لشروط أفضل بعض الشيء"، على الأقل من منظور الولايات المتحدة.
ولكن، وأياً كانت الشروط الجديدة، فإن درجة فك الارتباط بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط سوف تعتمد على كيفية الرد على سؤالين رئيسيين. أولاً، هل يؤدي سحب القوات العسكرية الأمركية -ولو كان ذلك بشكل جزئي- إلى خلق فراغ أمني من الممكن أن يشغله منافس -ولنقل الصين أو إيران؟ وثانياً، هل يؤدي الانتقاص من التزام أميركا بالمنطقة إلى تحفيز نوع من عدم الاستقرار، والذي قد يفضي إلى توليد دول فاشلة وإنشاء ملاذات آمنة للإرهابيين؟
تشير الاستراتيجية الأمنية الحالية التي يتبناها الرئيس باراك أوباما في أفغانستان، واليمن، وأماكن أخرى، إلى أن الولايات المتحدة سوف تسعى إلى تخفيف الخطر الأخير من خلال الاستمرار في تدخلاتها المستترة -وخاصة استخدامها للطائرات الجوية بدون طيار. بيد أن منع المنافسين من اكتساب نفوذ مفرط في المنطقة سوف يتطلب نمطاً مختلفاً تمام الاختلاف من الاستجابة -وهو النمط الذي سيتطلب بدوره ضمان الدعم من قِبَل حلفاء قدامى مثل اليابان، وأصدقاء جدد مثل الهند.
والسبب وراء هذا واضح: ذلك أن اعتماد الصين على واردات الطاقة من الشرق الأوسط يعني أنها سوف تسعى بلا أدنى شك إلى شغل أي فراغ أمني إقليمي. ويبدو أن الصين توقعت منذ فترة طويلة طبيعة التغيير المقبل في البنية الأمنية للمنطقة، وهي تبدو مستعدة بالفعل لاغتنام الفرصة إذا سُمِح لها بهذا. والواقع أن "عُقد اللآلئ" الصيني الممتد عبر المحيط الهندي –في سلسلة من المحطات البحرية المحتملة التي تربط الصين بالشرق الأوسط وأفريقيا- سوف يدعم البحرية الصينية القادرة على مراقبة الممرات البحرية في الخليج الفارسي.
ولكن، وفي الجهود المبذولة لمحاولة إقامة صفقات جديدة مع منتجي النفط في الشرق الأوسط، فإن الصين عرضت نفسها للخطر بالفعل بسبب دعمها القوي لإيران التي تخوض الآن صراعاً على السلطة مع الدول السُنّية الكبرى في المنطقة، وخاصة المملكة العربية السعودية. وفي غياب تحول كامل في علاقات الصين مع إيران، فقد يصبح من المستحيل إقامة شراكة استراتيجية مع ممالك الخليج الفارسي. وحتى إذا حدث ذلك، فإن القمع الداخلي في الصين لمسلمي مقاطعة تشين جيانج، والذي أثار نزاعاً شرساً مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قبل أعوام قليلة فقط، قد يحول دون نشوء الثقة الضرورية من الأساس.
وعلى الرغم من ذلك، فإن محاولات الصين المحتمة لفرض قدر أكبر من النفوذ في الشرق الأوسط تعني أن دولاً مثل الهند، وإندونيسيا، واليابان، وكوريا الجنوبية، وتركيا وغيرها من الدول سوف تكون في احتياج هي أيضاً إلى محاولة تحقيق السبق في خلق بنية أمنية إقليمية كفيلة بحماية مصالحها الوطنية. ويتعين على هذه الدول أن تكون واضحة مع نفسها حول ما إذا كانت تملك السبل اللازمة لتحقيق غاياتها الأمنية الوطنية. وعلى سبيل المثال: هل ستكون قادرة على توفير بعض الأمن الذي تولت أميركا لفترة طويلة توفيره للدول العربية في المنطقة؟
إن إسقاط مثل هذا المنظور للقوة الآسيوية ولصراعات القوة في آسيا على الشرق الأوسط قد يبدو احتمالاً بعيداً اليوم. ولكن قبل عشر سنوات فقط، كان نفس القول ينطبق أيضاً على احتمالات إقدام الولايات المتحدة على فك ارتباطها بالمنطقة.

*وزير الدفاع ومستشارة الأمن القومي في اليابان سابقا، وكانت رئيسة للحزب الديمقراطي الليبرالي في اليابان، وهي عضو بالبرلمان الوطني حاليا.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع خدمة بروجيكت سنديكيت، 2013.

التعليق