"المجتمع الشبكي" يفرض التزامات لتحقيق التنمية المستدامة

تم نشره في الثلاثاء 26 آذار / مارس 2013. 03:00 صباحاً
  • الأجهزة الالكترونية تمكن من اقتسام وتبادل المعرفة وانتاجها بطرق جديدة - (أرشيفية)

ستوكهولم-  إن التحديات التي يواجهها العالم في القرن الحادي والعشرين تتسم بطبيعة عالمية شاملة. ولن نتوصل إلى حلول سهلة لأي منها، ولكن هناك أمر واحد واضح؛ وهو أننا نحتاج إلى حلول تحويلية قابلة للتطور. أما الحلول التراكمية فإنها لن تفضي إلا إلى تشتيت انتباهنا بعيداً عن نطاق التحديات التي نواجهها.
وتُعَد صناعة الاتصالات بالهواتف المحمولة من بين أفضل الأمثلة الواسعة النطاق. فهناك الآن ما يقرب من 6.4 مليار اشتراك في خدمة الهاتف المحمول، ومن المنتظر أن يرتفع الرقم إلى 9.3 مليار اشتراك بحلول العام 2017 أو 2018. ووفقاً لتقديرات شركة إريكسون، فإن 85 % من سكان العالم سيكون بوسعهم الوصول إلى تغطية الهاتف المحمول بتقنية النطاق العريض بحلول العام 2018، وسيتمتع 50 % منهم بخدمة "4G".
وفي هذا السياق، فإن التغطية شبه الكاملة لشبكات الهاتف المحمول كانت سبباً في خلق نموذج جديد للتنمية المستدامة، الأمر الذي يضع التقدم التكنولوجي في طليعة عملية صنع القرار السياسي.
إن التكنولوجيا تمكننا من تقاسم وتبادل المعرفة والتعاون في إنتاجها بطرق جديدة تماما، وهو ما يساعد على خلق تحول ديناميكي في العقلية الجمعية. وهناك مجتمع جديد، ما نسميه بالمجتمع الشبكي، ينشأ الآن.
وفي المجتمع الشبكي، هناك التزام يفرض علينا ضمان عدم استغلالنا لتكنولوجيات المحمول والنطاق العريض لمجرد التعاون والترفيه، بل وأيضاً من أجل تحقيق هدف التنمية المستدامة.
وتعمل التكنولوجيا كأداة أساسية لتمكين النمو الاقتصادي وتحسين نوعية الحياة، هذا فضلاً عن الحاجة التجارية القوية الداعمة للاستثمار في تكنولوجيا النطاق العريض من أجل تحسين عملية تسليم الخدمات الأساسية في مجالات التعليم، والرعاية الصحية، والسلامة، والأمن، فضلاً عن إعادة رسم المشهد الحضري من خلال شبكات الطاقة الكهربائية الذكية ووسائل النقل الأكثر كفاءة.
في العام 2000، عندما أسست الأمم المتحدة الأهداف الإنمائية للألفية، كانت تكنولوجيا النطاق العريض في بداياتها، ولم يكن لأحد أن يتخيل أغلب هذه الفوائد. واليوم، في حين يفكر زعماء العالم في أجندة التنمية لما بعد العام 2015، لم يعد بوسعنا أن نتغاضى عن أهمية اعتبار تكنولوجيا النطاق العريض جزءاً لا يتجزأ من البنية الأساسية المطلوبة لتحقيق أهداف المستقبل.
والواقع أن الفوائد الاقتصادية المترتبة على تكنولوجيا النطاق العريض هائلة. فالزيادة بنسبة 10 % في انتشار تكنولوجيا النطاق العريض كفيلة بإضافة نقطة مئوية كاملة لنمو الناتج المحلي الإجمالي المستدام، ومضاعفة سرعة النطاق العريض كفيلة بزيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.3 % في المتوسط. فضلا عن ذلك، فإن تجارة الهواتف المحمولة، التي من المتوقع أن تبلغ 800 مليار دولار على المستوى العالمي بحلول العام 2016، تنطوي على إمكانات هائلة لتحسين الدمج الاجتماعي والمالي.
وعلى نحو مماثل، بدأت "الحوسبة السحابية" في إحداث ثورة في الطريقة التي يتم بها تسليم المحتوى والوصول إليه من جانب المعلمين والطلاب. ومن بين أمثلة الحلول القائمة على الحوسبة السحابية برنامج "اتصل لتتعلم" الذي طورته شركة إريكسون لخدمة المدارس. فمن خلال معالجة التحديات المتصلة بالقدرة على الوصول ونوعية التعليم، يعمل برنامج اتصل لتتعلم، وهو عبارة عن جهد مشترك بين إريكسون، وجامعة كولومبيا، ومعهد الأرض، ومؤسسة وعد الألفية، على تحديد استراتيجيات تساعد على دمج التنمية المهنية للمعلمين مع أدوات وممارسات القرن الحادي والعشرين في الفصول الدراسية.
وعن الرعاية الصحية، فإن نصف خدماتها يمكن تسليمها عن بعد وبكفاءة أعلى. وبوسعنا أن نرى الدلائل على هذا في مشروع قرى الألفية، حيث كان للاتصالات عبر الهواتف المحمولة تأثير كبير بشكل خاص على الرعاية الصحية؛ تحسين زمن الاستجابة للطوارئ، والحد من العزلة، وتوفير التدريب والمعدات الأفضل للعاملين في مجال الرعاية الصحية.
وبالبناء على هذا النجاح، أطلقت مؤخراً حملة المليون عامل في مجال الصحة المجتمعية، بهدف توسيع برامج العاملين في مجال الصحة المجتمعية في الدول الواقعة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا بحلول نهاية العام 2015. وباستخدام أحدث تكنولوجيات الاتصال ومواد الفحص التشخيصي، سيتمكن العاملون في مجال الصحة من ربط الفقراء في المناطق الريفية بشبكة أوسع من الأطباء والممرضين والمستشفيات والعيادات.
وتأتي هذه التحولات كنتيجة لكل من الحجم والإبداع، ولكنها انطلقت بدون جهود حكومة مكثفة. وإذا أصبحت هذه الأمثلة موضعاً للدراسة المتأنية من قِبَل 110 دول لديها خطط وطنية خاصة بتكنولوجيا النطاق العريض، وتلك التي لم تتبن خططا في هذا المجال بعد، فمن الأرجح أن نتمكن من تحقيق التحولات الإيجابية التي نريدها جميعنا.
ويكون هذا التحول في الوعي بين صناع القرار السياسي بمثابة ضرورة أساسية ليس فقط لتحسين الظروف الاجتماعية الاقتصادية، بل وأيضاً لخلق اقتصاد منخفض الكربون، وهو ما يتطلب الانتقال من البنية الأساسية المادية التي اتسمت بالاستهلاك الكثيف للطاقة طيلة القرن الماضي إلى بنية أساسية متصلة قائمة على المعلومات في القرن الحادي والعشرين. ونحن في احتياج إلى نموذج جديد يمكننا من فصل نمو الناتج المحلي الإجمالي عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وبالتالي ضمان المزيد من النجاح في الحد من الفقر بدون التسبب في أضرار بيئية أعظم.
والإمكانية متاحة، ولكن كثيراً ما يكون الحديث من الحكومة إلى الحكومة ومن الصناعة إلى الصناعة. إن الشراكات بين القطاعين العام والخاص ضرورية لحل هذه التحديات المشتركة. ويتعين على الهيئات التنموية، والجمعيات الأهلية، وشركات القطاع الخاص أن تعمل بالتعاون فيما بينها بشكل أكثر فعالية من أجل خلق حلول قابلة للتطوير والصيانة.
وهناك منتديان نجحا في تحقيق نجاحات عظيمة في هذا السياق. أحدهما لجنة النطاق العريض، التي تدافع عن النطاق العريض باعتباره البنية الأساسية للقرن الحادي والعشرين. والآخر هو شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة، التي تسعى إلى الاستفادة من ثروة الموارد التي يتمتع بها القطاع الخاص، قدراته الإبداعية، ومشاريعه في مجال البحث والتطوير، ومهاراته الإدارية، ومعارفه، في تحويل الأفكار إلى واقع.
وبالفعل، بدأت الصناعات التي كانت تعمل بشكل مستقل تقليديا، من الطاقة إلى المرافق إلى النقل، في التحرك بسرعة نحو التعاون بين القطاعات المختلفة، وتغيير بيئة المال والأعمال جذريا، وخلق الفرص لازدهار نماذج العمل المنخفضة الكربون.
وفي ظل الجهود المكثفة من قِبَل القطاعين العام والخاص، والحكومات النشطة في هذا المجال؛ مثل السويد وأستراليا والهند على سبيل المثال لا الحصر، فإن المجتمع الشبكي كفيل بإنتاج حلول تحويلية قادرة على انتشال المليارات من البشر من قبضة الفقر ومساعدتنا على الحفاظ على كوكبنا. وقد لا يكون بوسعنا أن نتخيل ما يخبئه لنا المستقبل، ولكننا نعرف أن المجتمع الشبكي سيتولى بنفسه صياغة إمكاناته وتشكيلها.

هانز فيستبرج الرئيس التنفيذي لشركة إريكسون بروجيكت سنديكيت

التعليق