كيف يعمل الموساد: سر "السجين إكس" في إسرائيل

تم نشره في الثلاثاء 26 شباط / فبراير 2013. 03:00 صباحاً
  • الجاسوس الإسرائيلي بن زايغير الذي انتحر في السجن الشهر الماضي - (أرشيفية)

أولريك بوتز – (ديرشبيغل) 20/2/2013

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يفيض مبنى المكاتب في ميلانو أناقة بواجهتها المزينة بالجص، والشاخصة النحاسية التي تحمل علامة الشركة التجارية، وخدمة الكونسيرج، والديكور الداخلي من الخشب المكلف. وليس ثمة شيء في المشهد يشير إلى أن الشركة التي مقرها هنا، والتي تتخصص في بيع تكنولوجيا اتصالات الأقمار الصناعية، هي في الحقيقة واجهة لجهاز المخابرات الإسرائيلية الخارجية، الموساد.
لكنه ذُكر أن شركة ميلانو هذه استأجرت عملاء إسرائيليين ممن كانوا في حاجة إلى غطاء لعملياتهم في أراضي العدو. أحدهم كان بن زايغير، وهو يهودي أسترالي وصهيوني ملتزم كان قد هاجر إلى إسرائيل عندما كان شاباً. وتفيد التقارير بأن الشركة قد ساندته وكفلته، باعتبارها صاحبة العمل، عندما قدم طلباً للحصول على تأشيرة عمل إلى القنصلية الإيطالية في ملبورن في العام 2005. هذا، على الأقل، هو ما يدعيه عملاء المخابرات الأسترالية.
وقد توفي بن زايغير عن عمر 34 عاماً، بعد أربعة أيام فقط من ولادة طفله الثاني، في 15 كانون الأول (ديسمبر) 2010، في زنزانة الحبس الانفرادي التي كان مسجوناً فيها في سجن أيالون شديد الحراسة قرب تل أبيب. وأفادت التقارير بأنه شنق نفسه، على الرغم من أنه كان أكثر سجناء البلاد حراسة، والذي يخضع للمراقبة من أربع كاميرات. وكان محاميه قد التقى به قبل يوم أو يومين، وقال إن زايغير كان يبدو طبيعياً.
وقد صنعت قضيته عناوين الصحف في الأسبوعين الأخيرين، بعد أن وصف برنامج أخبار أسترالي زايغير بأنه سجين إسرائيل الغامض "X"، فأي جريمة يمكن أن يكون العميل قد ارتكبها، حتى بلغ الأمر كتمان هويته الحقيقية عن حراسه أنفسهم؟
قال مسؤولون إسرائيليون إنه كان يشكل خطراً على الأمن القومي. وقال محاميه إن الاتهامات الموجهة إليه كانت "خطيرة". وعندما توفي زايغير، أصدرت إسرائيل أمراً بمنع وسائل الإعلام من تغطية هذه القضية.
"وصول إلى المنشآت السرية"
تم اعتقال العميل في شباط (فبراير) 2010، بعد فترة وجيزة من قتل الموساد لتاجر أسلحة حركة حماس في دبي. وهناك الآن تكهنات بأن زايغير كان متورطاً في ذلك القتل، وأنه ربما كان قد كشف أسراراً بهذا الخصوص، أو أنه كانت له صلة ما بقتل العلماء الإيرانيين أو بهجمات البرمجيات السيبرانية ضد برنامج إيران النووي؟
ليس ثمة إجابات، لكنه يُقال إن زايغير ويهوديين أستراليين آخرين كانا قد عملا أيضاً للشركة في ميلانو كانوا عملاء ناجحين. وقال مصدر مخابرات أسترالي: "لقد سمحت لهم طبيعة أعمالهم بالوصول إلى منشآت عسكرية وسرية". وبشكل عام، توفر قضية زايغير إضاءة لأساليب الموساد، وتبين كيف يقوم الجهاز بتجنيد العملاء وتمويه العمليات.
عندما كان شاباً، انخرط زايغير في "مجموعة أمن الجالية" في ملبورن، وهي نوع من رابطة هدفها الدفاع عن المواطنين اليهود. وفي كثير من الأحيان، تكون لهذه الجماعات صلات مع جهاز الموساد، وتتلقى تعليمات من عملائه. وربما تم تجنيد بن زايغير بهذه الطريقة. وحول نفس الوقت تقريباً، تم تجنيد كل من بول "واي وديفيد "زد".
ويتمتع اليهود الأستراليون بجاذبية بشكل خاص لدى الموساد بسبب ثغرة في القانون الأسترالي: يسمح للأستراليين بتغيير أسمائهم الأولى والأخيرة مرة واحدة في السنة، وهي طريقة رائعة لتبني هوية جديدة.
بعد أن أنهى دراسته، هاجر زايغير إلى إسرائيل. كما انتقل "واي" و"زد" إلى هناك أيضاً. ثم حصل ثلاثتهم –وكلهم يحملون الجنسيتين الإسرائيلية والأسترالية- على وظائف في شركة مقرها ميلانو، إيطاليا. ووراء في أستراليا، تقدموا للحصول على أسماء جديدة. وحصل بن زايغير على أسماء بنيامين باروز وبنيامين ألين. كما تغيرت أسماء "واي" و"زد" مرتين أيضاً على الأقل.
تحت المراقبة
ولكن، حدث في العام 2009 أن أثار تكرار تغيير أسمائهم انتباه السلطات الاسترالية -وخصوصاً عندما قام زايغير بتسليم جوازات سفره القديمة، المليئة بتأشيرات الدخول الإيرانية. كما أمضى بول "واي" الكثير من الوقت في سورية وإيران ومصر ودبي. وسافر ديفيد "زد" أيضاً عدة مرات إلى إيران. ولم يكن ذلك واضحاً فقط من الأختام الموجودة في جواز سفره، فخلال إحدى الرحلات في العام 2004، سعى إلى طلب المساعدة من القنصلية الأسترالية في طهران.
والآن، أصبح الرجال الثلاثة يوضعون تحت المراقبة كلما عادوا إلى أستراليا. كما شرع جهاز المخابرات البريطانية الأجنبية MI6 أيضاً في الاهتمام بديفيد "زد"، الذي كان يمتلك جواز سفر بريطانياً أيضاً. كما لفت بن زايغير الانتباه بدوره بسبب طبيعة اختياره لأصدقائه. فخلال رحلة إلى ملبورن في العام 2009، لاحظ متعقبوه أنه كان يقترب من الطلبة الإيرانيين والسعوديين في جامعة موناش.
وبعد ذلك بوقت قصير، قال مصدر للصحفي الأسترالي جيسون كاوتساوكيس إنه تم القبض على الرجال الثلاثة بتهمة التجسس. وعندما واجه الصحفي زايغير بهذه الاتهامات، أنكرها الأخير على الفور. وقال كاوتساوكيس: "سألته لماذا يغير اسمه في كثير من الأحيان. فأجاب بأن لديه أسبابا شخصية لذلك".
وقد تحدثوا معاً ثلاث مرات أخرى قبل منتصف شباط (فبراير) 2010. وكان زايغير يزداد ضيقاً على نحو متزايد. وقال إنه يريد فقط بناء حياة طبيعية لنفسه في إسرائيل. وخلال اتصال هاتفي أخير، صاح في الصحفي: "اذهب عني، عليك اللعنة!"
وعند هذه النقطة، كانت السلطات الأسترالية قد خططت بالفعل لاعتقال زايغير بتهمة التجسس. ولكن السلطات الإسرائيلية كانت أسرع. ففي يوم 24 شباط (فبراير)، أبلغت إسرائيل ضابط اتصال من المخابرات الأسترالية في تل أبيب بأنه تم القبض على زايغير.
مات زايغير في كانون الأول (ديسمبر). ولم يعد يجيب عن المكالمات الواردة إلى الشركة في ميلانو سوى البريد الصوتي. وتفيد التقارير بأن باول "واي" وديفيد "زد" ما يزالان يعيشان في إسرائيل. ربما تحت أسماء جديدة.


*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
 How the Mossad Works: The Mystery of Israel's 'Prisoner X'

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق