مفتي مصر الجديد

تم نشره في الخميس 21 شباط / فبراير 2013. 03:00 صباحاً

ناثان جيه براون* - (فورين بوليسي)
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
كان كل متتبعي أخبار مصر يتابعون على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" تعيين أول مفتٍ للبلد بعد الثورة. ومع انتشار إشاعات واسعة تحدثت عن أن القائد المرموق في جماعة الإخوان المسلمين، عبدالرحمن البر، سيحظى بالموافقة على شغل المنصب، سادت مخاوف من أن "أخونة" الدولة المصرية ستطال المؤسسة الدينية المصرية في القريب. وفي النهاية، تم التجاوز عن البر، لكن الصورة الوردية القصيرة تخفي وراءها الكفاح المطول الذي يرجح أن يجري حول المؤسسات الدينية المصرية.
بدلاً من البر، تم تعيين شوقي ابراهيم عبد الكريم، عالم الشريعة الإسلامية الذي يدرّس في طنطا. وعبد الكريم شخصية معروفة لدى زملائه، لكنه ليس بالشخصية العامة المعروفة. وكان قد كتب بتوسع عن مواضيع مختلفة، تتفاوت بين التقنية بدون توسع (مقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون المدني حول الحق في إلغاء البيع بينما ما تزال الأطراف المتعاقدة موجودة)، والاجتماعية بتوسع ("النساء والعولمة في شبه الجزيرة العربية"، والتي يمتدح فيها انتشار التعليم بين النساء، لكنه يرفض الشذوذ الجنسي)، والباطنية الخفية (كتاب عن اختيار الجنس والتبديلات الجندرية، وهو موضوع حيوي على نحو مدهش في أوساط المتخصصين القانونيين الإسلاميين، فيما يعود في جزء منه إلى أن القوانين التي تتحكم في العائلة، وحتى الصلاة، تبقى جندرية على نطاق عال، ولذلك تراها تحظى بالأهمية لمعرفة ما إذا كان المرء يتعامل مع ذكر أو أنثى).
وفي الحقيقة، فإنه من المشكوك فيه أن البر كان مرشحاً قوياً للمنصب أبداً. وفي رحلة كنت قمت بها إلى مصر في الشهر الماضي، تكون لدي الانطباع بأنه كان اختياراً محتملاً لكنه غير مرجح. وكانت المسوغات الرئيسية وراء نشر اسمه سياسية في جزئها الضخم. وربما يكون البعض من المقترنين بمجلس كبار علماء الدين (الهيئة الذي يقوم بالاختيار) قد رغب في تهدئة رئيس الإخوان المسلمين في مصر (الذي يقوم بالتعيين رسمياً) من خلال الدفع بدراسة ناشطة لمرشح الإخوان. كما أن العدد المتزايد من المصابين بالرهاب من الإخوان رغبوا، على العكس من ذلك، في دق ناقوس الخطر عن الوصول المتنامي للحركة.
ترافقت الإشاعات التي كانت تدور مع ارتباك واسع الانتشار بخصوص الإجراء الجديد لاختيار المفتي. وفي حين تبقى الأحكام القانونية واضحة جداً، فإنها لم تجرب، وبقيت معروفة لدى المتخصصين فقط. وعمت المعلومات المغلوطة بوفرة. ففي قانون صدر عن الأزهر ومرره الحكام العسكريون الجدد في مصر بسرعة في كانون الثاني (يناير) من العام 2012، يقوم مجلس علماء الدين باختيار المفتي. (رسمياً يطرح المجلس الاسم على الرئيس محمد مرسي لغاية التعيين الرسمي). ووفق قراءتي، فإن مرسي يتوافر على مجال ضئيل للاختيار فيما تعد موافقته مسألة دينية أساساً، لكن بوسع المرء الادعاء بأنه يستطيع رفض التعيين -حيث إن بعض الناس في المؤسسة الدينية كانوا غير متيقنين من أنه قد يدفع بمثل هذا التأويل لو كان غير راض تماماً عن الاختيار.
كما أن مجلس كبار علماء الدين هو مجموعة منتقاة باليد من جانب شيخ الأزهر الحالي. وهو يدفع باتجاه تأهيله (الشيخ هو من داخل المؤسسة، صوفي، وليبرالي نزيه وفق المصطلحات الأزهرية، ومنتقد للنزعة السلفية وبعيد عن الإخوان المسلمين). ومن المؤكد أن المجلس يعد جسماً متنوعاً ويحتوي على اتجاهات مختلفة. لكن، ورغم بعض الحسابات الضاغطة، فإنه يعد بصعوبة محمية للإخوان وغير متعاطف مع النزعة السلفية، كهيئة.
وكان بعض العلماء المرموقين جداً (بمن فيهم المفتي المنصرف وأحد أسلافه) قد عينوا في المجلس. وكذلك عين يوسف القرضاوي، الذي يوصف غالباً بطريقة خاطئة بأنه "الزعيم الروحي" للإخوان المسلمين. (يعامل القرضاوي باحترام من جانب الإخوان المسلمين، لكنه بالكاد يوجه التنظيم في مسائل عقائدية واستراتيجية. ويبدو أن الصلة المفترضة تنبع من ادعائه بأنها عرضت عليه قيادة الحركة قبل بضعة أعوام، وهي رواية لم أحصل على تأكيد لها من أي طرف متآلف مع التنظيم). ويرى المراقبون الأكثر معرفة أن المجلس، كجسم قريب من الشيخ الحالي، ولأنه اختار كل عضو فيه، فإن أي شيء آخر سيكون مفاجئا.
لكنه إذا كان الضجيج الموجز حول تعيين المفتي يستند إلى تداول الإشاعات والقراءات القانونية الخاطئة، فإن من الممكن أن يلفت الحادث انتباهنا إلى نوع حقيقي وأكثر نذراً من حالات النضال من أجل نيل الحظوة في المؤسسة الدينية الرسمية في مصر.
سيكون أول تنافس على المجلس نفسه. ورغم أن سلطة المفتي هي في واقع الأمر محدودة إلى حد كبير، فإن المجلس قد منح سلطة كبيرة من جانب قانون الأزهر الجديد والدستور المصري الجديد. وستكون عضويته على الأرجح أكثر أهمية من عضوية مكتب المفتي. كما أن الهيئة غير مكتملة. فقد عين الشيخ 26 شخصاً للمجلس، وهو ما يكفي فقط لتحقيق النصاب القانوني، مع ترك 14 مكاناً فارغاً. وقد فعّل مرسي التعيينات الرسمية لاختيارات الشيخ كواحدة من أول أعماله كرئيس. ويتوجب على الشيخ الآن استكمال تشكيل الهيئة، لكنه يبدو راغباً في فعل ذلك وعينه على التوازن السياسي المتحرك. ويبدو أنه يجري مشاورات لتطوير جسم يكون سليماً ومقبولاً على حد سواء -وسيأخذ الوقت اللازم لفعل ذلك. ومتى ما تم استكمال عضوية الجسم المذكور، فإنه سيصبح مكرساً ذاتياً- كما يتولى الأعضاء الراهنون ملء أي فراغ. لكن جسماً معزولاً لن يفقد الاحترام وحسب، وإنما سيتعرى سياسياً، ما يعني أن أي طرف سيملأ الفراغات يرجح أن تكون عينه على عوائد الانتخابات.
وذلك يقود إلى السياق المحتمل الآخر -بخصوص نص قانون الأزهر نفسه. وثمة الكثير من المنتقدين لذلك القانون. ففي داخل الأزهر، يدافع العديد عن انتخاب المجلس من جانب العلماء: وخارج الأزهر، نظر العسكريون إلى القانون باعتباره لعبة قوة، فيما تعهد الشيخ والإخوان المسلمون بتعديله. لكن الشيخ ما يزال يبدي حرصاً شديداً في التعامل مع القيادة الجديدة في مصر، حيث خرج خطاب الإخوان المسلمين القوي حول الموضوع من مكانه. ويبدو أن الشيخ والإخوان المسلمين قد توصلوا الآن إلى تسوية مؤقتة، لكن برلماناً ملتئماً مجدداً (وخصوصا واحداً يتوافر على تكتل إسلامي قوي) يستطيع رفع القضية، وذلك إذا كان المجلس أو الأزهر يجمعان الأعداء.
وأخيراً، وعلى المدى البعيد، فإن تكوين الأزهر قد يتغير. وفي الوقت الراهن، سيكون هذا من بين حزم القيادة العليا حول الشيخ أو حول العلماء الأزهريين الأكثر تقليدية. لكن الشخصيات الإخوانية (مثل البر) تملأ العمادات والكلية. ونادراً ما يكون السلفيون عند المستويات العليا، لكنهم ليسوا مجهولين بين العلماء من مختلف المراتب. وفي الحقيقة، كلما تواضع المرء أكثر أصبح له داعمون عديدون من الإخوان، بل حتى السلفيون يمكن أن يحضروا. ففي الجسم الطلابي، مثلا، ثمة تواجد قوي للإخوان، كما أن السلفيين يتوافرون على تواجد كبير. ومن الواضح أن القيادة العليا مهتمة بأنه مع وجود الرئاسة في أيدي الإخوان، والبرلمان على الأرجح بأيدي أغلبية إسلامية، ومع وجود ضغط من المرتبات الأقل في داخل المؤسسة، فإنه يعد أزهرياً وسطياً سينحسر تدريجياً لصالح طرق قد تجدها متصلبة أو حرفية بإفراط، بالإضافة أيضاً إلى حركات يكون تركيزها السياسي مقنعاً بعباءة دينية.
ومن الصعب القول ما إذا كانت هذه المخاوف مبررة. لكن من الواضح أن النضال حول تأهيل المؤسسات الدينية يمكن أن يطول لجيل، ولا يتوقف على تعيين واحد بمفرده.

* أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج تاون، ومشارك رفيع غير مقيم في مؤسسة كارنيجي انداومنت للسلام الدولي، ومؤلف "عندما لا يكون النصر خياراً: الحركات الإسلامية في السياسة العربية".
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان: Egypt’s new mufti

التعليق